موجز مختصر « تاريخ طائرات من دون طيار UAVs »

الطائرة بدون طيار أو الدرون كما هو شائع، هي عبارة عن طائرة غير مأهولة مبرمجة يتم التحكم في طيرانها وعملها عن بعد من قبل شخص متخصص على الأرض، ولها استخدامات عسكرية ومدنية، ومقصدنا الأستخدام العسكري حيث في البداية كان الغاية من صنعها للمراقبة والأستطلاع والتصوير الجوي، لكن في ما بعد تم تطويرها وأصبحت بإمكان هذه الطائرات حمل صواريخ ذكية للقصف، وحمل أجهزة ذكية للتشويش والحرب الإلكترونية أي صارت أعمالها ذات بعد إستراتيجي بالغ الأهمية.
يذكر التاريخ بأن أول مرة يتعرض بها مكان لقصف جوي وبنفس الوقت من قبل أجسام طائرة مسيرة، كان هذا في محاولة القوات النمساوية قصف مدينة البندقية الإيطالية 1849م بـ ( بالونات مسيرة تحمل متفجرات ) أثناء مطاردتها للأنفصالين الايطاليين، وبعد عدة محاولات متكررة للقصف فشلت هذه الفكرة بسبب الطقس والاحوال الجوية وعدم السيطرة على البالونات، وقبل الحرب العالمية الأولى ظهرت هذه الفكرة لصناعة طائرات صغيرة مسيرة عن بعد للتدريب المدفعي المضاد للطائرات في بريطانيا، ثم انتقلت للولايات المتحدة.
في بداية القرن العشرين، ظهرت فكرة إمكانية استخدام الراديو للتحكم في الطائرات وأثارت اهتمام العديد من المخترعين والمهندسين، بسبب تقنيات المهندس والفيزيائي البريطاني " أرشيبالد لو " الثورية والمعروف بـ ( أب أنظمة التوجيه اللاسلكي ) وهو أيضاً يعتبر واضع مبادئ الطيار الآلي.
أخذ الجيش الأمريكي زمام المبادرة في استكشاف المزيد من هذه المفاهيم، ففي عام 1916م قام كل من الرائد في مجال علوم الطيران لورنس سبيري والمهندس الكهربائي بيتر هيويت بافتتاح مشروع لصنع طائرة من دون طيار تحمل متفجرات، وأثارت هذه الفكرة احد أدميرالات البحرية الأمريكية ففي 1917م قدم هذا الأدميرال اقتراح صنع طوربيد طائر يطلق من السفن الأمريكية لضرب البوارج والقطع البحرية الألمانية وقواعد الغواصات لكن الفكرة هذه واجهت الرفض... وفي نفس السنة وبعد البحث والتطوير من قبل الأمريكيين سبيري وهيويت تم صنع نموذج المعروف بـ ( Hewitt-Sperry Automatic Airplane طائرة هيويت - سبيري الأوتوماتيكية ) وبعد فترات من التطوير والاختبار أخيراً في 1918م نجح نموذج هيويت وسبيري ولأول مرة في التاريخ حلقت طائرة بدون طيار في رحلة خاضعة للسيطرة.
Hewitt-Sperry Automatic Airplane طائرة هيويت - سبيري الأوتوماتيكيةفي ما بعد قامت إحدى الشركات الخاصة بتطوير الطيران بصناعة نموذج لهذه عرف بأسم ( Kettering Bug ) وهذا النموذج يجمع مابين صفات الطائرة والصاروخ مصنوع من الخشب وهو نموذج أولي تجريبي مسير من دون طيار، ثم ألهمت هذه الفكرة الدكتور - هنري دبليو والدن - صانع أول طائرة أمريكية ناجحة، لأبتكار صاروخ يسمح للطيار بالتحكم به بعد إطلاقه باستخدام موجات الراديو، واجه مشروع Kettering Bug نجاحات وإخفاقات لكن تم التخلي عنه بسبب التكاليف وبقي المشروع سرياً حتى الحرب العالمية الثانية.
نموذج ( Kettering Bug ) أستمر تطوير الطائرات دون طيار في الولايات المتحدة، وفي بريطانيا ايضاً قامت مشاريع لنفس الأفكار في العشرينات، ففي 1925م تم ابتكار نموذج بريطاني عرف بـ ( RAE Larynx ) وهي طائرة بدون طيار صنعت لتكون سلاح موجه لضرب السفن.
النموذج البريطاني ( RAE Larynx )أن اغلب هذه المشاريع الأمريكية والبريطانية لم تستخدم بشكل فعلي وبقيت قيد التطوير والطموح حتى قيام الحرب العالمية الثانية.. حيث لأول مرة تستخدم الطائرات من دون طيار بصورة فعلية وكثيرة، أستخدم الجيش الأمريكي طائرة Radioplane OQ-2 المسيرة، وهي نتاج تطوير عدة نماذج قبل الحرب العالمية الثانية مبنية على أساس مشروع طائرة مسيرة كأداة تدريب للقاذفات المضادة للطائرات، وطلب الجيش الأمريكي والبحرية الآلاف منها بالحرب العالمية الثانية واستخدمت على نطاق واسع، وكان هذا أول استخدام للطائرات دون طيار بحرب وللأغراض العسكرية تدريبية.
Radioplane OQ-2للملاحظة نظام طيران وهبوط هذه الطائرات، كان بالقذف عن طريق آلة تسمى المنجنيق، تقذف الطائرة للجو وآلية الهبوط تكون بواسطة مظلة..
بعد الحرب العالمية الثانية أي في الحرب الباردة طورت الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من نماذج الطائرات من دون طيار من عائلة The Radioplane BTT لايسع ذكرها جيمعاً، ولكن أهم نسخة من عائلة الدرونات هذه هو النموذج ( MQM-57 Falconer ) وما يميز هذه النسخة هي تعتبر أول طائرة من دون طيار أستخدمت لأغراض الأستطلاع.. وتتميز فترة الخمسينات بطموح تطوير الطائرات من دون طيار ففي هذه المرحلة تم ابتكار عشرات النماذج من ضمنها أول نموذج ( مروحية من دون طيار ) رغم كل هذه النماذج لكن لم تكن لها أهمية وبقيت الشركات الأمريكية تقوم بصنع وتطوير طائرات دون طيار.. اغلبها لأغراض تدريبية كهدف متحرك وصواريخ موجهة لضرب أهداف.
النموذج ( MQM-57 Falconer ) أول طائرة بدون طيار تستخدم لأغراض الأستطلاعحادثة إسقاط طائرة الاستطلاع والتجسس U-2 الأمريكية فوق الأراضي السوفيتية عام 1960م، غيرت وجهة نظر الأمريكان تجاه الطائرات من دون طيار، لذا دعت الحاجة القيادة الأمريكية للبحث في مشاريع طائرات دون طيار ذات فعالية عالية وتكاليف إنتاج وتشغيل اقل من بقية الطائرات المخصصة للاستطلاع والتجسس، والأهم من ذلك تنفيذ أعمال دون خسارة طيارين أمريكيين، بعد حادثة U-2 وضعت الولايات المتحدة برنامج طائرات بدون طيار سري الذي كان يسمى RPV .. واستخدمت أولى نماذج طائرات الأستطلاع من دون طيار في في حرب فيتنام من سلسلة طائرات من دون طيار The Ryan Firebee من شركة ريان خلال الحرب من الستينات إلى نهاية الحرب في السبعينات.
إحدى نماذج سلسلة طائرات The Ryan Firebeeفي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات أهتم الجيش الإسرائيلي بموضوع الطائرات من دون طيار، ووضع له أفكار واستخدامات لهذا قامت بأستحداث إدارة خاصة بالجيش الإسرائيلي لصناعة الدرونات AIA ، أنتجت عنها طائرات أستخدمت للتجسس والأستطلاع في حرب أكتوبر ضد الجيش المصري، واستخدمت طائرات في حربها ضد سوريا 1982م بشكل واسع ففي معركة سهل البقاع بين القوت الجوية السورية والإسرائيلية شهدت هذه المعركة للطائرات بدون طيار أول مشاركة في معركة حقيقية، أثبتت فعاليتها بشكل قوي، حيث دمرت الدرونات الانتحارية منظومات الدفاع الجوي السوري وقامت أخرى بعمليات تشويش وأخرى بعمليات استطلاع ورصد.
درونات أسرائيلية أستخدمت في فترة الثمانينياتبعد الحرب التي خاضتها إسرائيل في سوريا ولبنان واستخدامها للطائرات بدون طيار بكفاءة عالية والنتائج الجيدة التي جاءت بها هذه الطائرات، جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تضع أنظارها على ما قدمته الطائرات المسيرة الإسرائيلية، لهذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بشراكة وتعاون مع إسرائيل لصنع طائرات بدون طيار التي كانت تطمح لها بالفعل..بينما كانت الدول الأوربية تقوم بتطوير نماذج خاصة بها أيضاً.
ومن بداية التسعينات إلى يومنا هذا حدثت ثورة بمجال صناعة الطائرات بدون طيار، ودخل هذا السلاح عالم فن الحرب وأصبح له دور وأهمية كبيرة لما يقدمه من تأثير في ارض المعركة، ومن ثم أصبح له دور كبير في عمليات مكافحة الإرهاب والتمرد والعصابات، وعمليات التجسس المعقدة.. وبعدما كانت الولايات المتحدة الأمريكية محتكرة لصناعات الطائرات بدون طيار، قامت دول كثيرة بكسر هذا الحاجز وصناعة نماذج خاصة بها مثل الصين وروسيا ودول شرقية وإيران وبعض الدول العربية ودول افريقية.. ونرى اليوم طلب متزايد على شراء وصناعة هذه الطائرات وأصبحت الحكومات تنفق مليارات من أجل اقتنائها.. حتى وصل الحال إلى فكرة ترك الطائرات المقاتلة لتحل محلها طائرات بدون طيار بنفس الكفاءة والعمل.. ولا زال الطموح والتطوير قائم مستمر.
الطائرة دون طيار MQ-9 Reaper من إنتاج شركة جنرال اتوميكس الأمريكية.إعداد - علي رياض آل سهم
فيسبوك - https://www.facebook.com/ali.riadh1997
تليغرام للمعلومات العسكرية - https://t.me/MiliT8
