إبراهيم القصّير
نعم قصّير هكذا كان أسمي في العائلة لخفة جسدي النحيلُ وقصر قامَتي كنت أشبه بالدمى تلك التي تستطيع ضغطها ولفَ يديها خلف عنقها، تشكّلها كيف ما تشاء، أنا ذلك الطفل الذي لم يكّن يهتم بالألعاب فعندما يخرج والدي من المنزل أرتدي بعضا من ملابسه شماغ..ثوب.. أتعرقل وأحكم خطوتي أضخم حنجرتي الصغيرة لتتقمص حنجرة والدي وأمسك بيدي مسبحةٍ وأنهر أخوتي هكذا أتذمر لأشعر بأنني كبير بما فيه الكفاية كانت والدتي آنذاك تأتي إلي كسائلةٍ أدخل يداي في ثقب الرداء وأخرج بعضا من الهواء بقبضةٌ محكمة أضع السراب في كف والدتي فتنهالُ بالشكر رغم أني لا أعلم ما الذي أخرجته؟ ففي الإجتماعات كنت إبن تلك الزوايا حيث لأحد ينظر إليها أحدق في أيديهم حين تتفاعل مع كل نقاش حاد، في ليلةٍ أقتحم عمي الأصغر زاويتي وسلط عليها الأضواء حين أمرني بتقليد بعض أساليب أفراد العائلة! فأنا أبحث بإستمرار عمّ يشتت أذهانهم لكي لا تتواجد كلمة "قصّير" في الأرجاء خرجتُ من المجلس لأعود كرجلٌ صارم أنه والدي أتخبط وكأن الأرض لا تحملنّي لشدة ثقلي أخرج من معطفي غراء لاصق لأمثل بأن طقم أسناني قد وقع فتضج العائلة بأكملها ضاحكةٍ أخرج مرةٍ آخرى وأعود رقيق كنعومة السّنابل يدرك والدي الخطى فيقول: إنها والدته ليصفق بشدةٍ ويبتسم، بهدوء أتخطى قاصدا أخوتي أقبلهم! أجلس لثانيةٍ! ثم أنهض وأقول كما كانت تقول تماما:
"ما شبعت منكم"
أحتضنهم مطولا وأنهض بحثا عن أقلام أنثر المقررات المدرسية حولي دون ترتيب، وأمثلُ دورها في ملء فجرها بالأعمال كانت أشبه بمسرحيةٍ رديئة أخرج مرةٍ آخرى وأعود كجدتي أرقص ببطء بينما أمد ذراعيّ نحو الأرض كما كانت تفعل إنها تتأهب لأي سقوط مفاجئ أخرج مرةٍ آخرى وأعود كأخي الأكبر أتمطى كقطٌ غير مبالي لشيء، أتساءل ما إن كان هناك طعام أم لا أفلت يداي أشير بها إلى اللاشيء أضع سماعةٌ في إذنيّ كلحظةِ إنتشاء ومحاولة نسيان وأردد أغنيةٍ لفيروز ..في تلك الليلةِ حملت أثقالا لا أستطيعها من الأدوار نسيت أن أنزعها!!! فلتصقت بي طيلة هذه السنوات فأنا الآن طويلُ قامةٍ.. صلبٌ مثل والدي رقيق مثل والدتي أتجه نحو الأشياء ببطء جدتي غير مبالي لشيء مثل أخي ..
