صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينالتصنيفاتأحدث المقالات
OktobOktob
صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينالتصنيفاتأحدث المقالات


عن أكتبتواصل معناشروط الكتابةسياسة الخصوصية

اكتب © 2026

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك وعرض إعلانات ذات صلة عبر Google AdSense. سياسة الخصوصية

  1. الرئيسية
  2. أحدث المقالات
  3. صورة حصرية في ليلة حرب دموية
د
د.مازن صافي

د.مازن صافي

26 فبراير 2020
مدة القراءة: 5 دقائق

صورة حصرية في ليلة حرب دموية

صورة حصرية في ليلة حرب دموية

لم تكن أصوات الحرب غريبة علينا، فلقد دمغتنا بآثارها، وأصبحت يشتى أنواعها جزءاً من حياتنا، صارنا أشبه بممثلين بارعين في أحد الافلام الروسية، وضمن أشد ساعات القلق التي أذكرها في 1990، كيف خرجنا من شقتنا تحت القصف، كان زوجي يمازحني بالقول، نصحتك أن نقضي شهر العسل في المالديف، أو على جزيرة جيجو كوريا، لكنك فضلت البقاء. يا إلهي كم هي مملة تلك الموسيقى ..!؟ ثمة أغنية تشبه الموت. تتساقط أوراق الروزنامة، كسقوط صواريخ موجهة، تقصف قلوبنا بالهلع قبل أن تحرق كل شيء ..!! كل روايات الحروب متشابهة، كل الأسماء والشوارع والصفات والحكايات والليالي متشابهة ..!! يا إلهي. إنّ المشاعر الإنسانيّة على تنوعها تحتاج إلى وقتٍ كافٍ وتربةٍ خصبةٍ لتنشأ وتنمو وتتكوّن وفق مسارها الصّحيح، والحبّ هو شعورٌ إنسانيّ يتولّد بين البشر. مَن ذاك الذي يصنع صرخات الأطفال، وشهقات الثكالى ومعاناة الضحايا..!؟

في مدينتنا الملعونة رائحة بارود عتيق وأكمام مقطعة، وأطراف محترقة مبتورة، وشاب يدندن بأغنية العشق لحبيبته، يسأل عنها، يردد اسمها، مشهد حبس أنفاس الأطباء. ما الذي يجري..!؟ عن أي حبيبة يبحث، عن أي رفيقة يسأل، هذا الشاب سيعيش معاقاً، وربما يموت تحت تأثير الصدمة، هزتني ابتسامته، وبدون أي تفكير حقنته بالمورفين، لتبدأ معركتنا مع أنسجته المتفحة، وضخ المحاليل في أوردته، الكل ينادي. الفريق يعرف كل منهم دوره، هذا يقطع ملابس الشاب بمقص معدني، وآخر يفتش جسد المصاب، وآخر يثبت له " الكانيولا " والممرض يصرخ: " المريض يتصبب عرقاً، قلت له هذا تأثير المورفين، لنبدأ العمل فوراً، دعونا نتسابق مع الوقت، دقائق ويخرج لغرفة العمليات، وهذا الصحفي الذي أعرفه جيداً، ينظر في عيني، أعرف أنه يريد التقاط صورة حصرية لخبر ساخن، الشاب يحتضر، تركت المصور يلتقط  ما يشاء، دعونا نلعن القتلة،  دعونا نؤثر في ضمير العالم الظالم، وبكيت بشدة على أحوالنا، إلى متى سنحيا بالوجع ..!؟ أين يباع السلام في هذا الكون ..!؟

لا تفكر كثيراً فما أن تصغى إلى نحيبها حتى تجرّك إلى الجنون، وفي الجنوب لا شيء يشبه المغامرة،  سنسافر الى المالدديف، جيجو المثيرة، أذربيجان، وجزر الفلبين، جورجيا، أنطاليا، طنجة، وباكو، ونشاهد الأفلام الروسية في محطات السفر وفي الطائرة وفي السينما، وفي بهو الفندق، فقط مد يديك إليَّ الآن، أشعر بالبرد الشديد يسري في جسدي. القصف الحالي أُعد بكل مكر لتشريد من تبقى هنا. كان مختلفاً مستفزاً مثيراً ..!! وأصبح الجو خانقاً ونزل جارنا مع أسرته من الدور العلوي لنكون معاً. وما أن حل العصر حتى كان الكثيرون من جيراننا الآخرين من سكان المنازل المجاور قد انضموا إلينا. الجميع يبحثون عن مأمن. وما أن حل الليل، حتى كنا جميعا نهمس كما لو كان العدو مارداً من الجان يحوطنا بجبروته من كل جانب. يستطيع أن يسمعنا ويمسك بنا ويتعرف على أفكارنا قبل أسمائنا ..!؟ الحديث عن مأساة سكان المخيم تحتاج إلى مجلدات؛ ففي كل بيت حكاية ومأساة، ومع أنهم اعتادوا أصوات الصواريخ والتفجيرات إلا أن الجميع يصف الانفجار الأخير ونزوح المواطنين من منازلهم كيوم الحشر. لقد انهارت العديد من المباني على اللاجئين الذين احتموا في مخابئها، ودفن المئات تحت الأنقاض. حرب عشوائية بشعة. يجب أن نرحل فوراً. فقد وصلوا إلى أطراف المخيم، وهم على بعد أميال قليلة من هنا، المستشفى الذي أعمل فيه مليء بالجرحى والضحايا، لقد أُعلن للأسف الشديد عن انهيار المنظومة الطبية فيه، الأَسِرة وغرف العمليات والطواريء ممتلئة والجرحى في الممرات، المكتظة بالفارين من جحيم الحرب. سيدة تبحث عن طفلتها. الطفلة بيضاء عيونها خضراء، تلبس ملابس العيد، قميص أحمر وبنطلون أبيض، وشعرها كستنائي ناعم، عمرها 8 سنوات، هل أحضرت هنا. أي وجع هذا ..!؟ أي بكاء يصرخ فينا ..!؟ أي صمت أفظع مما رأيت. وأجهشنا جميعا في بكاء مرير، تلك الطفلة جاءت أشلاء..! يمكنك الاستفسار سيدتي هناك عند موظف المفقودين ..!؟

مهما مرّ الإنسانُ بظروفٍ صعبة، ومهما حاوطَه الإحباط والإخفاق يبقى بطبيعته البشريّة مُصرًّا على الحياة مُحاوِلًا بشّتى الوسائل التّمسّك بها مهما كلفه ذلك، ولو كلّفه ذلك البقاء في جزيرة معزولة خالية نسبيًّا من مقوّمات الحياة. ملخص فيلم من الأفلام الروسية. يحكي قصة ضابط الجيش الأحمر، ورب أسرة في عهد ستالين، وأحداث فيلم مثير في الريف، حيث يقضي الجنرال الصيف مع عائلته، بعيدًا عن العاصمة التي تجرى فيها أحداث دموية. نحن في عين العاصفة. في عين الموت. لم أشاهد في حياتي مثل هذا العدد من المصفحات، ولا من الجنود المسلحين، ولا من الطائرات الحربية، كأنهم قرروا تهشيم زجاجة هشة. لقد وصلوا إلى هنا، لكننا قد اخترنا الوطن. هم غرباء عنا، ونحن طين هذه الأرض وملحها. لقد كان زوجي – مع كل صلابته – إنساناً هادئاً دمثاً مفكراً. يهوى الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية، كان قد أنهى ورديته في المستشفى الذي إنهار تماماً، ولم يعد هناك أي أمل في أن يواصل استقبال الضحايا، وبلغ شعوره بالغصب حين رفض الجناة إدخال أي إمدادات إنسانية وطبية.

ولكنني بالرغم من الخطر الزاحف نحونا في ذلك اليوم، لم أتمالك أفكاري من أن تتركز حول القتال الدموي الذي يدور حول مخيمنا. المخيم الرائع المطل على البحر اللازوردي والرمال الذهبية. حيث يغفو التاريخ وترقد الآثار وشواهد الشهداء تحت شمس بلادنا الدافئة، ثم تبعث حية حين تمر بحضارات العالم، وجزره الساحرة. جولة من الشرود الذهني، أنستي قليلاً تجهز الطائرات للقصف مرة أخرى، وكم تمنيت أن يبدأ " حوار " أكثر منطقية وجدوى من الحروب والاقتتال بين البشر. يمكنهم البدء في " الحوار " في مكان ما في العالم. في فندق  5 نجوم، لا يهم كم هي فاتورته، فصاروخ واحد يكلف أكثر من رحلة سياحية لعروسين قررا أن يقضينا شهر العسل في المالديف، بأجواء رومانسية هادئة؛ ليتمتعا بالحياة والاسواق والفعاليات والمهرجانات هناك. وبعد أسبوع ينتقلا إلى جيجو كوريا. لربما الهدوء والسكينة وجمال الطبيعة في جزر المالديف تشحن الطاقة الإنسانية  لطرفي الحوار، ويقررا وقف الدمار والحرب والدماء. .!؟ وربما ينتقلوا إلى " جيجو " جزيرة الحب والجمال في كوريا الجنوبية، ملتقى سياح آسيا والعالم، يحتفلوا بالسلام وسط مناظر طبيعية وشواطئ وشلالات وجبال ومساحات خضراء شاسعة. ويعلنا وقف براكين الدماء، وتصبح جيجو " ابنة البراكين " صاحبة الشرف الرفيع في إعلان إتفاق السلام، وتغلق فوهات البراكين، وتتحول مدننا إلى البناء والتطوير والازدهار.

 

ساعديني بسفرك .. إذ أنني في وجودك .. سأكون مكبَّلاً .. قلقي عليك قد يؤثر على حرية تحركاتي .. أرجوكِ تحركي الآن مع القافلة التي ستخرج في الساعة التي أعلن عنها. أرجوكِ أن  تذهبي الآن وقبل فوات الأوان. كان الله في عونك. سأعود إلى المستشفى لن أغادره، إما أن نلتقي في يوم ما قادم، أو أن ..!؟

لقد استشهد حبيبي في أول جولة من القتال. قصف المستشفى ودمر تماما، أصبح كومة كأوراق محترقة، ورائحة لحوم البشر المتفحمة تملأ المكان، هذا هو الأمل الذي لا يأتي أبداً طالما أن قوى الشر تسيطر على حياتنا. يناير 2020 أعود لأكتب بقية لن تموت في الغياب.

د
د.مازن صافي
3 متابِع0 يتابع

د.مازن صافي

د.مازن صافي

صورة ترويجية لتطبيق أكتب على الهاتف

انضم الى اكتب

منصة تدوين عربية تعتد مبدأ البساطة في التصميم و التدوين

التعليقات