الخلاف النحوي واثره في الآيات القرآنية
الخلاف والإختلاف في القرآن:
لا شك أن الحكم في المسألة الواحدة قد تتعدد بتعدد الآراء، وهو أن يكون رأي فرد في موضوع ما غير رأي فرد آخر لنفس الموضوع، ومن هنا لا بد الإختلاف في الموضوع أو القضية، فالإختلاف سنة الحياة، فقال تعالى(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)(سورة هود:118)
فالخلاف والإختلاف ضد الإتفاق، فقد قال بعضهم بأن الخلاف:"ما يحمل في مضمون النزاع والشقاق والتباين الحقيقي، والإختلاف: ما يحمل التغاير اللفظي لا الحقيقي، ولهذا يجري على لسان أهل العلم أثناء تقرير المسائل الخلافية: هذا اختلاف لا خلاف، إذا كان الإختلاف لفظياً والجمع بين القولين ممكناً"(عوامه ص11). إن تعدد الآراء النحوية في الآيات يؤثر على الحكم الفقهي، ويغير من الفهم للآيه، فكان العامل الرئيسي في اشعال الخلاف بين النحويين هو التنافس العلمي والحرص على التفوق والتقدم، فقد كان اعتماد النحويين على القرآن الكريم، وكانوا يستشهدون في كثير من المسائل بآيات القرآن، فهو أحد المصادر المهمة والأساسية للنحو، فالخلافات النحوية كان لها الأثر في ظهور كثير من التفاسير القرآنية، وفي تعدد الأوجه الإعرابية في تفسير الآيات، مما ينتج تعدد المعاني بتعدد الحالة الإعرابية، فقد قال الشافعي رحمه الله في كتابه علم أصول الفقه:"فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيه اتساع لسانها"(الأندلسي ص20). وهذا الإختلاف يعود على العقول المتباينة بين الناس وطبيعة النظر إلى النصوص من زوايا مختلفة، لذلك لا بد من الإختلاف في فهم الأحكام واستنباط المعاني وغيرها، ويرجع هذا الإختلاف إلى طبيعة اللغة والدين والحياة السياسية، "أما الدين فقد تتعدد التغيرات وذلك بتعدد الفهم والاستنباط، وأما اللغة: ففيها اللفظ المشترك الذي يحمل أكثر من معنى، وفيها ما يحتمل الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، أما العامل السياسي: وذلك بدخول السياسة في الخلافات لتكون منطق القوة"(مطره جي, ياسر.أثر تعدد الآراء النحوية في تفسير الآيات القرآنية).
الحاجة إلى الإعراب في التفسير:
لا بد من الشخص الذي يريد تفسير القرآن الكريم أن يكون ملماً بالعربية وعلومها وأن يكون محيطاً بمعارفها، حتى يفهم آيات كتاب الله تعالى على حقيقتها، وحتى لا يقع في الخطأ والزلل.
ومن هذه العلوم التي لابد من المفسر أن يكون عالما بها وهي علم الإعراب؛ وذلك لأن المعنى يختلف ويتغير بتغير الحركات الإعرابية، ومن قول الإمام الزركشي في كتابه البرهان بيان أهمية الإعراب بالنسبة للتفسير وحاجة المفسر لهذا العلم إذ يقول: "وعلى الناظر في كتاب الله، الكاشف عن أسراره، النظر في هيئته الكلمة وصيغتها ومحلها، ككونها مبتدأ أو خبراً، أو فاعله أو مفعوله، أو في مبادئ الكلام أو في جواب، إلى غير ذلك من تعريف أو تنكير، أو جمع قلة أو كثره، إلى غير ذلك "(ص302).
فقد اهتم كثير من النحاة والمفسرين بظاهرة الإعراب وقد خصوها بعناية كبيرة كونها تساعدهم على فهم النص القرآني، فقد قال الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن"
إن الإعراب هو بيان المعاني ويوضح أغراض المتكلمين حتى يميزوا المعاني وكذلك ما للحركات الإعرابية من أهميته في بيان المعاني، وهو يؤكد دائماً النظر في هيئة الكلمة وصيغتها ومحلها من الإعراب ككونها مبتدأ أو خبراً أو فاعلاً أو مفعولاً به"(ص305).
فعلم النحو من العلوم المهمة التي تساعد على بيان فهم مراد الله، فالمعنى يتغير بتغير الإعراب، فكثير من العلماء اكدوا أن أعظم ما يتعلمه طالب علوم القرآن والراغب في فهم معانيه، أن يكون على دراية بالإعراب حتى يسلم من اللحن فيه، حتى يكون مطلعاً على المعاني التي تختلف باختلاف الحركات(القيسي، مشكل إعراب القران), فقد قال مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه مشكل إعراب القرآن:"بمعرفة الإعراب تعرف أكثر المعاني وينجلي الإشكال وتظهر الفوائد ويفهم الخطاب وتصح حقيقة المراد"(ص54)، فاللغة تعتبر الوسيلة الأولى للخطاب القرآني، وهي بيان ما اراده الله تعالى في كتابه، فالقرآن الكريم يختلف عن الشعر والنثر وكلام البشر، فالتعامل معه مختلف، فقد بلغ القرآن من الفصاحة والبلاغة ذروه الكمال والرقي.
أثر الإختلاف في إعراب القرآن الكريم:
إن ترك الإعراب للتفسير هدم للغة واماتتها، فاللغة تعتمد على الحركات الإعرابية، "لأن المعنى يتغير ويختلف بإختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره، أخرج أبو عبيده عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقم بها قرائته، فقال: حسن فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعي بوجهها فيهلك فيها".(الذهبي ص190).
إن في ترك الحركات الإعرابية إلباساً لكثير من الجمل وضياع معانيها، ولا يفهم النص إلا بفهم الإعراب.
فالإختلاف في الإعراب لآيات القران الكريم، يؤدي إلى تعدد المعاني الناجمة عن اختلافهم، وبالتالي قد تتعدد الأحكام تبعاً لذلك، فقد قال تمام حسان في كتابه اللغة العربية معناها ومبناها" فقد نشأة دراسة اللغة العربية الفصحى علاجاً لظاهره كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي سموها اللحن، وعلى الرغم من إن تسمية هذه الظاهرة المذكوره لا تشير إلا إلى الخطأ في ضبط أواخر الكلمات بعدم أعطائها العلامة الإعرابية الملائمة"(ص11).
فقد تقوم العلامة الإعرابية بوظيفة الدلالية والنحوية، فقد اختلف النحويون كثيراً في إعراب آيات القرآن الكريم مما أدى إلى تعدد المعاني، ومثال على ذلك قوله تعالى (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)(سورة الأعراف:31), وقد جاء في تفسير هذه الآية في كتاب مشكل إعراب القرآن لأبي محمد مكي القيسي"رفع خالصة وهي قراءة نافع وحده رفع على خبر المبتدأ أي: هي خالصة ويكون قوله(للذين آمنوا) مقامه، فالظروف وحروف الجر تعمل في الأحوال إذا كانت أخبار عن المبتدأ لأن فيها ضميراً يعود على المبتدأ ولأنها قامت مقام محذوف جار على الفعل هو العامل في الحقيقة"(ص88).
فقد جاء في الأولى بالرفع وهذه قراءة نافع المدني وقد جاءت في الثانية بالنصب وهي قراءة الباقين، فقد يختلف المعنى في ذلك بناءاً على اختلاف الإعراب.
"ويعدد ابن قتيبه أوجه الاختلاف في الأحرف السبعة ويقول:
وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: إختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها.الوجه الثاني: أن يكون الإختلاف في إعراب الكلمة وحركات بناءها بما يغير معناه، ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب: نحو قوله تعالى(ربنا باعد بين اسفارنا)، وباعد الأولى بكسر العين والثانية بفتحها.
الوجه الثالث: أن يكون الإختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله تعالى(وانظر إلى العظام كيف ننشزه أو ننشزها).
الوجه الرابع: أن يكون الإختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب، ولا يغير معناها، نحو قوله تعالى (وتكون الجبال كالعهن المنفوش)، والصوف المنفوش(ابن مسعود).
الوجه الخامس: أن يكون الإختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناه نحو قوله تعالى(وطلع منضود)، وطلح منضود.الوجه السادس: أن يكون الإختلاف في التقديم والتأخير. نحو قوله تعالى (وجاءت سكرة الموت بالحق), وفي موضع آخر (وجاءت سكرة الحق بالموت).الوجه السابع: أن يكون الإختلاف في الزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى (وما عملته ايديهم). وما عملت ايديهم.
وكل هذه الحروف كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على رسوله عليه السلام" .(ابن قتيبة, تأويل مشكل القرآن, ص36).
"فأما سبب وروده على سبعة أحرف, فللتخفيف على هذه الأمة, وارادة اليسر بها والتهوين عليها شرف لها وتوسعة ورحمه وخصوصية لفضلها, وإجابة لقصد نبيل أفضل الخلق وحبيب الحق حيث أتاه جبريل فقال له "إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال صلى الله عليه وسلم: اسأل الله معافاته ومعونته إن أمتي لا تطيق ذلك، ولا يزال يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف"(ابن الجزري, النشر في القراءات العشر, ص22).
ومما سبق يتبين لنا أن هناك وجوه اختلاف في القراءات مما قد يختلف الإعراب بتغيير حركاتها وبنائها وبالتالي يتغير معنى الكلمه، وقد لا يزيل صورتها بتغيير معناها، وبذلك نزل القرآن الكريم بالأحرف السبعة للتخفيف على هذه الأمة ورحمة بها.
فكان من تيسيره:"إن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرى عليهم عادتهم: فالهذلي يقرأ"عتى حين" يريد حتى حين؛ لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها.والأسدي يقرأ"وإذا قيل لهم" وغيظ الماء "بإشمام الكسر مع الضم و"ما لك لا تأمنا "بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان."(ابن قتيبة, تأويل مشكل القرآن, ص32).
وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن باباً سماه باب الرد عليهم في وجوه القراءات، حيث ذكر مجموعه من الأمثلة القرآنية التي اختلف في إعراب الكلمة بما يغير معناها، ولا يزيلها عن صورتها الحقيقية نحو قوله تعالى"(ربنا باعد بين أسفارنا)(سورة سبأ:19) و(ربنا باعد بين اسفارنا)، فكلمة ربنا وباعد فيهما قراءتان ولا يخرجهما عن صورتهما، وكذلك قوله تعالى(واعتدت لهن متكئاً)، وهو الطعام،(وأعتدت لهن متكئاً)وهوالأترج، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وانزل الله المعنيين جميعاً"(السابق ص21).
وكذلك قوله تعالى"(نُنشِزها)و(ننشزُها)؛ لأن الإنشاز: الإحياء، والإنشاز هو التحريك للنقل، والحياة حركه، فلا فرق بينهما.وكذلك"فرِّعِ عن قلوبهم" و(فرِّغ) لأن فرِّع: خفف عنها الفزع، وفرغ: فرغ عنها الفزع. وكل ما في القرآن من تقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان فعلى مثل هذا السبيل"(السابق ص22).
نماذج من الخلاف بين النحاة وأثره في المعنى القرآني:
يرتبط علم الإعراب بتفسير القرآن الكريم ارتباطاً كبيراً، لفهم آيات الله فهماً سليماً، وبذلك يزيل اللبس بهذا العلم، وبغير هذا العلم يبقى في الآيات لبساً قد لا يعرف مراد الآية أو الحكمة منها تضييع، فقد يكون اختلاف النحاة اختلاف في القراءات وهذا ليس تناقض للآيات، فيجب على الإنسان أن يفهم قواعد الإعراب حتى لا يقع في الخطأ.
الإختلاف في الأسماء
الرفع: لغة:"في أسماء الله الرافع: هو الذي يرفع المؤمن بالإسعاد وأولياءه بالتقرب، والرفع ضد الوضع، رفعته فارتفع فهو نقيض المخفض في كل شيء.
والرفع في الإعراب: كالضم في البناء وهو من أوضاع النحويين، والرفع في العربية، خلاف الجر والنصب، والمبتدأ مرافع للخبر لأن كل واحد منهما يرفع صاحبه، ورفاعه، بالكسر :إسم رجل. وبنو رفاعه: قبيلة. وبنو رفيع: بطن. ورافع: إسم"(ابن منظور ص129).
"والرفع في النحو وقواعد اللغة العربية هو إحدى حالات الإعراب الأربع، إلى جانب النصب والجر والجزم، وهو كالنصب مختص بالفعل والإسم المعربين. والرفع كباقي حالات الإعراب هو وسيلة تعبيريه لتميز بعض المعاني عن غيرها"(الحلواني, الواضح في النحو, ص47).
وهناك أنواعاً من الخلافات في الرفع ومنها نحو:(ربَّنا باعِد بين اسفارنا)(سورة سبأ19) "على طريق الدعاء والمسألة و(ربُّنا باعَد بين اسفارنا) على جهة الخبر، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان؛ لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرقهم في البلاد فقالوا (ربنا باعِد بين اسفارنا) فلما فرقهم في البلاد أبدى سبأ وباعد بين اسفارهم، قالوا :ربُّنا باعَد بين اسفارنا، وأجابنا إلا ما سألنا"(ابن قتيبة, تأويل مشكل القران, ص41).
الكلمتان ربَّنا وباعِد توجد على قراءتين برفع الباء في (رُّبنا) وفتح العين في (باعَد) على أنها جملة اسميه فتكون من مبتدأ وخبر.
والأخرى تأتي بنصب الباء(رَّبنا) وكسر العين (باعِد).
وكذلك قوله تعالى: (لقد علمتَ ما انزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض)(سورة الاسراء102).
و(لقد علمتُ ما انزل هؤلاء)" لأن فرعون قال لموسى إن آياتك التي اتيت بها سحر، فقال موسى مره: لقد علمتُ ما هي سحر ولكن بصائر، وقال مره لقد علمتَ أنت أيضاً ما هي سحر، وما هي إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعاً فقد قرأت التاء بالفتح وقرأت بالضم"(السابق ص51)، فقد جاءت بالنصب عند أكثر القراء, لأنه كلام موسى عليه السلام لفرعون فلا يحتج على موسى بعلم. فقد ورد في كتاب تأويل مشكل القرآن باباً سماه باب ما ادعى على القرآن من اللحن، فذكر فيها قوله تعالى (إن هذان لساحران)(طه63)، "إن القراء قد اختلفوا في قرأت هذا الحرف: فقرأه أبو عمر بن علاء وعيسى بن عمر: (إن هذين لساحران) وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت عائشة، وكان عاصم الجحدري يكتب هذه الأحرف في مصحفه على مثالها في الإمام، فإذا قرأها، قرأ(إن هذين لساحران)، وقرأ(والمقيمون الصلاة) (سورة النساء152)، وقرأ (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون)(سورة المائدة 69)"(القرطبي, الجامع لأحكام القرآن, ص90).
ففي الآية (إن هذان لساحران), قرأت بتشديد النون وبدون تشديد, فجاء الإشكال على هذين القراءتين، ففي تشديد إن وجب أن يكون الاسم منصوباً, فقد جاء بالألف فبذلك يكون مرفوعاً.
ففي تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي في تفسير هذه الآية:
القول الأول:"أنها لغة بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانه ابن يزيد؛ يجعلون رفع الإثنين ونصبه وخفضه بالألف، يقولون :جاء الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان.
القول الثاني: "أن يكون إنَّ بمعنى نعم، كما حكى الكسائي عن عاصم قال: العرب تأتي(إن) بمعنى (نعم)، وحكى السيبويه أن (إنَّ)تأتي بمعنى(أجل)"(ص95).
أما الاية (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون)فقد جاء في تفسير القرطبي:"إن بمعنى نعم، فالصابئون مرتفع بالإبتداء، وحذف الخبر لدلالة الثاني، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الإسم والخبر"(ص85).
وفي قول الفراء في كتابه معاني القرآن أنه قال:"فإن رفع(الصابئين) على أنه عطف على الذين، والذين حرف على جهة واحد في رفعه ونصبه وخفضه، فلما كان إعرابه واحداً وكان نصب إن نصبا ضعيفاً، وضعفه أنه يقع على الإسم ولا يقع على خبره ’جاز رفع الصابئين"(ص311).
وفي مشكل القرآن لإبن قتيبة قال:"رفع الصابئين لإنه رد على موضع (إن الذين آمنوا) وموضعه رفع لإن أن مبتدأه وليست تحدث في الكلام معنى كما تحدث اخواتها. ألا ترى أنك تقول: زيد قائم، ثم تقول: إن زيداً قائم، ولا يكون بين الكلامين فرق في المعنى"(ص53).
فقد ذكر النحاة والمفسرون توضيحاً لذلك الإشكال حيث قالوا إن فيها تقديم وتأخير ويكون سياق الاية (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله... فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون) والصائبون كذلك، فتعرب مبتدأ مرفوعاً وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم (الإسلام سؤال وجواب, المنجد).
"وكان يقرأ أيضا في سورة البقرة(والصابرون في البأساء والضراء) ويكتبها (الصابرين)"(ابن قتيبة, ص53).
فقد جاء في تفسير القرطبي قوله:"والصابرين نصب على المدح أو بإضمار فعل، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدونه بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام، وينصبونه"(القرطبي, الجامع لأحكام القرآن, ص221).
وجاء في مشكل القرآن قوله القرّاء جميعاً نصب الصابرين إلا عاصم الجحدري" فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه إذا كتبه واعتل اصحاب النحو للحرف، فقال بعضهم: هو نصب على المدح, والعرب تنصب على المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد المدح بذم مجدد غير متبع بأول الكلام، كذلك قال(الفراء)"(ابن قتيبة, تأويل مشكل القرآن, ص53).
وجاء في كتاب معاني القرآن للفرّاء قوله:"ونصبت الصابرين؛ لأنها من صفة(من)وإنما نصبت لأنها من صفة إسم واحد، فكأنها ذهب به إلى المدح، والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم، فيرفعون إذا كانت الإسم رفعاً، وينصبون بعض المدح، فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد بغير متبع لأول الكلام"(الفراء, معاني القرءان, ص105).
فقد ورد النصب في محل الرفع في كلمة الصابرين, لأنه نصب على المدح أوالذم، لذلك قال الصابرين بالرغم من أنها مرفوعه لأنها معطوفه على الموفون بعدهم وهي تابع لما قبلها, وذلك قول ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن "كان عاصم الجحدري يكتب هذه الآيات في المصحف فيقرأها بالرفع ويكتبها بالنصب ويقول أرى فيه نحتاً وستقيمه العرب بألسنتها، فاقامه بلسانه وترك الرسم كما هو"(ابن قتيبة, تأويل مشكل القرآن, ص106).
الإختلاف في النصب:
النصب لغة:"جاء في لسان العرب لإبن منظور: الإعياء من العناء، والفعل نصب الرجل، بالكسر، نصباً: أعيا وتعب، وانصبه هو، وانصبني هذا الأمر"(ابن منظور, لسان العرب, ص758).
وجاء في المعجم الوسيط معنى النصب:"والنصب حركة بالفتح، الشيء أو الأمر فلاناً: اتعبه واعياه، يقال : نصبه العمل، ونصبه المرض، ونصبه الهم.(نَصِبَ) نصباً:أعيا تعب"(مجمع اللغة العربية, المعجم الوسيط).
ومن الأمثلة من اختلاف النحاة في قوله تعالى(وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودَّةَ بينكم في الحياة الدنيا )(سورة العنكبوت)
وقد اختلفوا في قراءة(مودة بينكم):"(مودة بينكم في الحياة الدنيا) أي من اجل أن تدوم المحبة والألفة بينكم في هذه الحياة باجتماعكم على عبادتها"(الصابوني, صفوة التفاسير, ص457).
قوله:"(وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم) مودة خبر إن وقيل: هي رفع بإضمار: هي مودةُ، وقيل هي رفع بالإبتداء, و(في الحياة الدنيا) الخبر والجملة خبر إن. (وبينكم) خفض بإضافة اتخذتموهم من دون الله اوثانا ذوو مودة بينكم وقد قرئ بنصب مودة وذلك على أن تكون (ما) كافة عن العمل فلا ضمير محذوف فيه (اتخذتم) فيكون(أوثانا)، مفعولاً اتخذتم لإنه تعدى إلى مفعول واحد اقتصر عليه"(القيسي, مشكل إعراب القرآن, ص551).
وقد جاء في كتاب معاني القرآن الفراء قوله تعالى(وقال إنما اتخذتم من دون الله اوثانا مودة بينكم)"نصبها حمزه واضافها، ونصبها عاصم وأهل المدينة، ونونوا فيها(أوثاً مودةً بينكم)ورفع ناس منهم الكسائي بإضافة, وقرأ الحسن (مودةٌ بينكم) يرفع ولا يضيف. وهي في قراءة أبي (إنما مودةٌ بينكم في الحياة الدنيا) وقراءة عبد الله (إنما مودةٌ بينكم) وهما شاهدان لمن رفع. فمن رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله(في الحياة الدنيا)وينقطع الكلام عند قوله (إنما اتخذتم من دون الله اوثانا)"(ص315).
فمن خلال مقارنه بين هذه الإختلافات فمنهم من قام بتنوين الرفع بغير تنوين والقراءة المشهورة هي بالنصب والإضافه مودة بينكم قد تكون أقوى من سائر غيرها, وأيضاً قوله تعالى(لقد تقطع بينكم)(سورة الانعام94)
فقد جاء في تفسير هذه الآية في صفوة التفاسير للصابوني "قوله تعالى(قد تقطع بينكم), أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون، أي ضاع وتلاشى ما زعموه من الشفعاء والشركاء"(ص406), فالشاهد في هذه الآية (بينكم):
حيث ورد في كتاب مشكل إعراب القرآن للقيسي قوله:"(لقد تقطع بينكم) من رفع (بينكم) جعله فاعلاً لتقطع وجعل البين بمعنى الوصل تقديره: لقد تقطع وصلكم أي تفرق واصل بين الإفتراق ولكن اتسع فيه استعمل إسماً بعد ظرف بمعنى الوصل، فأما من نصبه فعلى الظرف والعامل فيه ما دل عليه الكلام من عدم وصلهم فتقديره: لقد تقطع وصلكم بينكم، فوصلكم المضمر هو الناصب لبين، وقد قيل: أن من نصب بينكم جعله مرفوعا في المعنى بتقطع لكنه لما جرى في أكثر الكلام منصوباً تركه في حال الرفع على حاله"(ص262), وقد جاء في كتاب معاني القرآن للفراء قوله(لقد تقطع بينكم)"قرأ حمزه ومجاهد بينكم يريد وصلكم وفي قراءة عبدالله (لقد تقطع ما بينكم) وهو وجه الكلام. إذا جعل الفعل لبين تركا نصباً، كما قالوا أتاني دونك من الرجال فترك نصبا وهو في موضع رافع؛ لأنه وصف، وإذا قالوا: هذا دون من الرجال رفعوه في موضع الرفع. وكذلك تقول: بين الرجلين بين بعيد، وبون بعيد، إذا افردته اجريته في العربيه واعطيته الإعراب"(ص345).
وورد في الجامع لإحكام القرآن القرطبي قوله:"لقد تقطع بينكم, قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف، على معنى: لقد تقطع وصلكم بينكم. ودل على حذف الوصل قوله(وما نرى معكم شفعائكم الذين زعمتم) فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم، فحسن إضمار الوصل بعد تقطع لدلالة الكلام عليه وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه: لقد تقطع بينكم، وهذا لا يجوز فيه إلا النصب؛ لأنك ذكرت المتقطع وهو(ما) كأنه قال: لقد تقطع الوصل بينكم. وقيل: المعنى: لقد تقطع الأمر بينكم. والمعنى متقارب، وقرأ الباقون (بينكُم) بالرفع على انه اسم غير ظرف، فاسند الفعل اليه فرفع"( ص464).
وقد جاء في كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها قوله:"لقد تقطع بينكم، قرأه نافع والكسائي وحفص بالنصب وقرأه الباقون بالرفع، وحجت من رفع أنه جعل البين إسماً غير ظرف، فأسند الفعل إليه، فرفعه به، ويقوي جعل بين إسماً دخول حرف الجر عليه، في قوله: ومن بيننا وبينك حجاب، هذا فراق بيني وبينك، ولا يحسن أن يكون مصدرا، وترفعه بالفعل، لأنه يصير المعنى، لقد تقطع افتراقكم".(ص440).
فقد ورد في الآية الكريمة عدة أوجه منها: الرفع، وجعل البين بمعنى الوصل إسماً غير الظرف، ومنهم من قال: النصب؛ فوصلكم(لقد تقطع وصلكم بينكم) المضمرة هو الناصب لبين، قد نجد أن الأوجه كلها مقبوله(السابق, ص441).
الإختلاف في الجر:
الجر لغة: جاء في كتاب معجم مقاييس اللغه لإبن فارس قوله:"الجيم والراء أصل واحد، وهو مد الشيء وسحبه. يقال جررت الحبل وغيره أجره جراً"(ص410).
اصطلاحا فقد جاء في كتاب الأصول في النحو لإبن السراج قوله:"حروف الجر تصل ما قبلها بما بعدها فتوصل الإسم بالإسم والفعل بالإسم ولا يدخل حرف الجر إلا على الأسماء، فأما ايصالها الإسم بالإسم، قولك: الدار لعمرو، وأما وصلها الفعل بالإسم فقولك: مررت بزيد، فالباء هي التي اوصلت المرور بزيد".(ص408).
ومن الأمثلة في اختلاف النحاة في الجر قوله تعالى(وإذ قال ابراهيم لأبيه آزر)(سورة الانعام74),ففي تفسير هذه الآية:"وقت قول ابراهيم الذين يدّعون أنهم على ملته لأبيه آزر منكر عليه اتتخذ أصناما آله"(الصابوني ص401).
فقد ورد في كتاب مشكل إعراب القرآن للقيسي قوله "لأبيه آزر، من نصب آزر، جعله في موضع خفض بدلاً من الأب كأنه إسم له، وقد قرأ يعقوب وغيره بالرفع على النداء كأنه جعل آزر لقباً آله"(ص207).
وجاء في كتاب معاني القرآن للفرّاء قوله:"يقال: آزر في موضع خفض ولا يجرأ لأنه اعجمي، وقد قرأ بعضهم لأبيه آزر بالرفع على النداء(يا) وهو وجه حسن. وقوله(اتتخذ اصناماً آله) نصبت الأصنام بايقاع الفعل عليها، وكذلك الآله" (ص340).
وفي كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبي قوله:"آزر فيه قراءات: أإزراً بهمزتين، الأولى مفتوحه والثاني مكسوره، ويجوز أن يجعل إزراً على أنه مشتق من الأزر، وهو الظهر، فيكون مفعول من أجله، كانه قال: أللقوة تتخذ اصناماً".(ص435).
وورد في كتاب إعراب القرآن للنحاس قوله:":يكون هذا مشتقاً من الأزر وهو الظهر ولا ينصرف لأنه على أفعل ويكون بدلاً كما يقال: رجلاً أجوف أي عظيم الجوف"(ص76).
وقد جاء في كتاب التبيان في إعراب القرآن قوله:"(وآزر) يقرأ بالمد ووزنه أفعل، ولم ينصرف للعجمة والتفريق على قول من لم يشتقه من الأزر أو الوزر، ويقرأ بفتح الراء على أنه يدل على أبيه، وبالضم على النداء".(العكبري ص510).
وقد اختلف النحاة على إعراب كلمة(آزر) فمنهم من قال: بالرفع على النداء وتقديره يا آزر وكما قال القيسي في مشكل إعراب القرآن، تأويله يا معوج الدين اتتخذ اصناماً آله، فليس من آداب الأنبياء أن يخاطئوا أبائهم بهذا القول، وقد وردت بالنصب أو بالجر.
الخاتمة
خلاصة القول وخاتمته, إن علم الإعراب يرتبط بتفسير القرآن الكريم ارتباطاً وثيقاً, ولا بد من الشخص الذي يريد تفسير القرآن الكريم أن يكون ملماً بالعربية وعلومها, لأن المعنى يتغير ويختلف بإختلاف الإعراب, وتتجلى في ضبط الحركات, لأن الإعراب يميز المعاني عن بعضها, وبها تتضح الصورة الجمالية للكلمات, ولا يتذوقها القارئ مالم يكن ملماً بإصول الإعراب وقواعده.
