لماذا يجب أن يبقى السمين سمينًا.. وكذلك النحيف؟
لا شك أن السمنة من المشاكل الكبرى للعصر الحديث، حيث الأكل السريع والعمل الذي لا يعتمد كثيرًا على المجهود البدني، والعادات الصحية الخاطئة سواء في الطعام الشراب أو النوم والرياضة.. لكن لا تقلق فهناك دومًا حل لهذه المشكلة.
مراكز الإعداد البدني والعلاج الطبيعي تملأ العالم، وأطباء التغذية العلاجية وعلاج السمنة تكاد تجدهم في كل مكان الآن، وحملات التوعية بالسمنة وخطرها لا تكاد تحصى.. وبالتأكيد لا تنسى الأدوية المختلفة التي يتم تطويرها وإنتاجها كل يوم.. فدومًا هناك الحل السحري لكل المشاكل التي تواجهنا.
بالحديث عن الحلول السحرية
لو فكرنا أن نوجد اصطلاحًا يمكننا من وصف طبيعة النظام الذي نعيش فيه الآن فيمكننا أن نطلق عليه نظام المشكلة/الحل حيث معرفة المشكلة هي الطريق إلى حلها، والحل في ذاته جزء من المشكلة.
عند الحديث عن إيجاد الحل لأي مشكلة، فأولى الخطوات هي البحث عن المشكلة، يليها معرفة الأسباب وتحليلها، يليها البحث عن الحلول، يليها المفاضلة بينها فاختيار الحل المناسب.. فلنأخذ السمنة كمثال.
المشكلة هنا هي السمنة، وأسبابها كثيرة جدًا، يمكن أن نحصرها في ثلاث نقاط: الطعام والشراب، والعادات اليومية كالرياضة والنوم، وسبب آخر جيني يختلف من شخص لآخر. ولكن حتى الجينات لن تجعل من الشخص سمينًا بمفردها، فلابد أن يصاحبها شيءٌ آخر.
ستجد من يتحدث عن حلول مشاكل السمنة يذكر هذه النقاط في عجالة سريعة، ثم يسلط الضوء بصورة أكبر على الطريقة التي يوفرها منتجه في حل هذه المشكلة، فمثلًا صالة الألعاب الرياضية ستحدثك عن ضرورة الرياضة في القضاء على السمنة، مصحوبة برسائل الحصول على الجسم المثالي وفورمة الصيف أو الساحل. والأدوية التي تتناول جزء الطعام ستحدثك بشكل أكبر عن أضرار الإفراط في الطعام أو العادات الغذائية السيئة.
ستجد الجميع يقفز من المشكلة إلى "الحل" مباشرةً
حلول مختلفة أم حل واحد؟
هل جميع المشاكل التي تواجه الإنسان في هذا الزمن ليس لها إلا حل واحد؟ أم أن كسل الإنسان المعرفي في البحث عن الحلول المختلفة يجعله يتجه إلى أقرب الحلول وأسهلها حتى وإن كان هذا الحل في نفسه مشكلة أكبر من المشكلة ذاتها؟
هذه مشكلة الإنسان المعاصر الحقيقية، أو إحدى مشكلاته الحقيقية، وهي أنه لا يعرف المشكلة التي يقع فيها فعلًا. فلا يدري السمين أن سبب سمنته هو يتمثل في "استهلاكه" استهلاكه للطعام الذي يروجه له النظام بصورة تسيل اللعاب، أو إدمانه للألعاب المختلفة وإيجادها بديلًا عن الرياضة النافعة، أو استهلاكه لكثير ن وقته في مشاهدة برامج صنعها النظام له خصيصًا لتقلب له نظام يومه ونومه.
ولا تقف المشكلة عند هذا الحل فقط، فالنظام يقنعك أن سبب مشكلتك الحقيقية أنك لم تستهلك بالشكل الكافي، فإصابتك بالسمنة تعني أنك لم تشترك في صالة الألعاب الرياضية القريبة، أو لأنك لم تحاول الاقتداء ببطلك المفضل في آخر عرض تليفزيوني شاهدته، أو لأنك لم تشترِ عقار التخسيس الطبيعي الذي استخدمته نجمة التمثيل الشهيرة.
المشكلة دومًا أنك تستهلك أقل، والحل بالتأكيد أن تستهلك أكثر.
ليست السمنة هي المشكلة
تصلك الرسائل الداعية للإستهلاك والمسماة بالرسائل التسويقية في كل مكان، في التلفاز وعلى الهاتف وفي الطريق، حتى في نومك تأتيك الأحلام المختلفة؛ فهذه سيارة الأحلام، وتلك وظيفة الأحلام، والحلم التالي هاتف الأحلام الذكي، والحلم الآخر يكون عن الجسم المثالي الذي تحلم به والذي لن يتحقق إلا باقتنائك حزام شد البطن الذي يأتيك في الأحلام أو أي شيء يأتي في الأحلام.. المهم أن تستهلك.. حتى أحلامك نفسها صارت مادة استهلاكية وجزءًا من المشكلة/الحل.
باعتبار السمنة مشكلة، فليست السمنة مشكلة في ذاتها، ولكن عدم إدراك طبيعتها وأسبابها هي المشكلة الحقيقية، وبالتالي الاستسلام لنزعات الاستهلاك المختلفة يكون الحل.. ولكن إذا أردت أن تجد الحل الصحيح والذي لن يخبرك به المسوقون، ستجد أنه في الاستهلاك أقل.. دومًا سيكون في الاستهلاك الأقل.
المشاكل المستمرة هو وقود الاستهلاك.. إلا مشكلة وحيدة لو أدركتها ستضرب الاستهلاك في مقتل.. وهي أن الاستهلاك هو المشكلة وليس الحل!
ولكن هل يعني هذا أن نظام المشكلة/الحل يحتاج منك أن تظل سمينًا كي يبقى؟
بمجرد أن تتعافى من مشكلة السمنة سيجعل منك هذا بالتأكيد عنصرًا غير فعال في سلسلة علاجات السمنة الاستهلاكية، ولكن بالتأكيد لم تنتهِ المأساة الاستهلاكية الخاصة بك هنا، فأنت بحاجة لأن يظل وزنك ثابتًا، وبحاجة لإصلاح علامات السمنة المتبقية في الجسد، وبحاجة لبناء العضلات بدلًا من الدهون.. لا تقلق ستظل دومًا بحاجة إلى شيئٍ ما.. لا تهم طبيعة هذا الشيء، فأنت دومًا جزء من المشكلة/الحل.. عليك فقط أن ترخي دفاعاتك وتستسلم للرسائل التي تدعوك إلى الاستهلاك.. وهذا ما يجعل النحفاء أيضًا هدفًا تصوب نحوه سهام الاستهلاك.. كيف؟ يمكنك استنتاج ذلك بنفسك.
رأى عمر بن الخطاب لحماً معلقاً بيدي، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحماً فاشتريته. فقال: أو كلما اشتهيتَ اشتريتَ يا جابر! أما تخاف هذه الآية: {أَذْهَبتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا}
