أريد الكتابة كي أنتشل روحي من وهدة السقوط المدوي والإنحناءة المنكسرة، أريد أن أكتب، لأن الكتابة توقظ إنسانيتي وتبعثني من بين ركام الحياة !
راقتْ لي نفسي يوماً ما !
وفي يومٍ هادئ ملئ بالنسمات المروّحة، راقت لي نفسي شيئا وأيقظت مكامن الشعور النائمة بداخلي، ذكّرَت عقلي الشارد بما كان من عزٍ قد مضى وانطوى ورحل بعيداً !
ذكرَتهُ بأيام الصدِّيق والفاروق وعمر بن عبد العزيز، ذكرَتهُ بغزوات الداخل والناصر ويوسف بن تاشفين، ذكرَتهُ بشجاعة الغازي سليمان والفاتح والأيوبي، ذكرته بتضحيات العز بن عبد السلام والنورسي وقطب !
أحيت به أشياءً قد ماتت به منذ زمن بعيد ووُريت تحت التراب !
ففتشت هَهُنا وهناك عن أي شئ يحملُ معنى العزِّ والفخر في سابق التاريخ المُشرِّف، قضيتُ ليلةً غريبةً بعض الشئ، قضيتها وأنا أتقلب على فراشي ولم يكن جسدي وحده هو من يتقلب بل كان عقلي يركض في راسي ويقفز ويهرول بعيداً وبعيداً ... انحصر عليه التفكير في الماضي و التفكير في رجالٍ من عظماءِ أُمتنا
لا أدري لماذا تعلقت لهذه الدرجة بهذا الأمر ؟ .. ربما لما قد صرنا إليه .. ربما !
أغمضتُ عيناي بعد صراع عنيف مع عقلي وجسدي، اغمضتُ عيناي ولم أغمضها عن الأحلام والخيالات، رأيتُ في منامي عظيماً من عظماء الأمة ; لا أتذكره تقريباً
كان شخصاً غريباً فطوبى للغرباء !
لم يكن إنساناً عادياً ربما كان روحاً .. لستُ أدري ! .. وجدته قابعاً في موضع جِلسة ما على ربوة عالية، لم يستطع لساني الأنتظار واستبق أنظاري وناديت بصوتٍ عالٍ هل هذا أنت ! هل هذا أنت ! ... رددتها مرات عديدة وقلبي يتراقص فرِحاً مسرورا، هرولتُ تجاهه وأنا أكرر تلك الكلمات ثم أُتبعها بلفظ الجلالة الله! الله!
فعندما اقتربت منه رايت في عينيه النُضر والتلألُأ، سُبحانك يارب أيُّ طُهر هذا يارب!
شرعتُ أدقق النظر إليه وإلى عينيه الحالمة الفريدة، ومرّت بعض الدقائق والعينان كما هما ممتلئتان ببعض الدموع النقية الخفيفة.
وفي لحظة خاطفة احتضنته بأضلعي ! .. فضمّني إلى صَدرِه فأخذتُ أبكي وأبكي، وتساقطت دُموعي على ملابسه حتّى ابتَلتْ !
فأخذ يُهدِأُ منْ روعي، ثم صمت قليلاً وقال لي : ماخطبُكَ يافتى ؟
قلت له بصوتٍ نحيفٍ ضعيفْ : كمْ كُنّا نحتاجك في اُمتنا في أيامنا الذليلة هذه، كم كُنّا نحتاجُ شُعلةً من موقدك المُنير التي تُنير به الأفاق المظلمة، كم كُنّا نحتاج لنفحة من نفحاتك الربيعية التي تَبُثُ الحياة في القلوب الواهية، كمْ كُنّا نحتاج لحُسامك المقدّام لنفتح به بلاداً قد طغت على بني أُمتنا وأذلّتهم، كم كُنّا نحتاح لراية من راياتك اللامعة لنتوحد خلفها ونمضي في طريق الحق المُبين، كمْ كُنت أُريدُكَ أن ترشدني إلى الدربِ المستقيم الخالي من الإنحناءات والمخاطرْ ، كمْ كُنت أحتاجُك في أيامي وساعاتي كي أنهل منْ خبراتِكَ الكثيرَ والغزيرْ .... ولكنْ ترْحلون أنتُم ونظلُ من بعدِكُمْ تائهينَ مُشّردين ، ونستمدُّ منْ بصيصِ نوركم الكثيرَ والكثيرْ !
ونعيش على طيب ذِكراكم فما تُزيدنا إلا حُرقةً وألما ...
فقاطعني بصوته الحنون : تريث ! تريت ! تريت !
ما نحنُّ وما أنتم، إننا لم نفعلُ إلا ما يُرضي ربنا ولم نطلب الدنيا ولم نجري خلفها، قد سرنا في الدروب نحمل هم الدعوة وكيف لها أن تصل إليك وإلى غيرك ..
فلا تتعلق بنا يا بُني فإن لكل عصر رجاله المُخلصين، ولما لا تكونَ انت رجُل عصرك، غارسُ فسائل العزة في أراضِ بني أُمتك ؟
لما لا تكون أنت قاهر عدوك ... يا بُني لا تقف على أطلال ماضينا وتبكي !
لكن استقي منا الحكمة والفضيلة واعمل بها أضعاف ما عمِلنا ولا تنظر خلفك واسعى قُدُماً فإن الله لم يخلقك هباءً منثوراً لكنه خلقك لغاية كُبرى .. واعلم أننا لم نستكن ولم نركن إلى الأعداء والظالمين ولم نهَب سيوفهم وجحافلهم الجرّارة، بل كانت لدينا قوة أقوى من منهم إنها قوّة الإيمان يا بُني !
وأخذ يردد ( أليسَ الصُبح بقريب .. أليسَ الصُبح بقريب .. أليسَ الصُبح بقريب )
استيقظت من نومي وأنا أُكررها وكمْ أتمنى أن أعمل بما قالْ .. فإن بداخلي قوّة لو انفجرت في وجوه الأعداء لما تركت يابساً ولا أخضراً ... فطوبى لكمْ لم تستكينوا ولم تركنوا ... طوبى لكمْ
