كمن لا يبدو عليه شيء.

ليسَ من الغريب أن يشرع الكاتب بالكتابة عن شيءٍ يجهله, أو أن يدفن رأسه بين الورق لساعاتٍ دون أن يكتب جُملةٍ واحدة! تراهُ كأنما يركع على ركبتيه بعد جري طويل في مطاردة كلمة تفسرُ ما بداخله, وحينما يصطادها يكتبها على عجلٍ خوفاً من أن تهرب منه ثانيةً, تراهُ يكتب بعد الكلمة كلمةً أخرى ويتبعها بأخرى, يقلبُ الصفحة سريعاً, يلفظُ أنفاسهُ كما لو أنهُ لا زال يركض! بينما هو مسترخي على مقعده, هادئٌ جداً, والفوضى عارمه بحجرةِ عقله, يعيشُ صراع الكلماتِ وتضارب الأفكارِ لأجلِ كلمة. الكلمة التي حينما أحسَ بأنهُ قد وصلَ إليها هَرِعَ من نومهِ مفزوعاً ذات يوم لدفتره الصغير.
بالأمس حينما هبت رياح الليل وأردت أن اكتُبَ، بدأت الكلماتُ تتدفقُ على هوادة، كأن كُل كلمة تعرفُ مكانها بأي سطر، لساعاتٍ دون أن أشعر غُصتُ في عمقِ الورق وحينما انتهيت من سطوري تنفستُ الصعداء وتأملت اصطفاف الكلمات كأنها بنيانٌ مرصوص، بدأتُ بقراءةِ أول كلمة وكأني لم أكن أنا من قد كتبها، وجدت نفسي حينما غصت في عمق الورق لأكتب لم أكن سِوى أغوصُ في عمق جُرحٍ دفين لم أكن أودُ لمسه! ولم أكن أريدُ لهذا الجرح أن يتسع، لكنه أنفتقَ كما لو أنه كان قد ألتام على اعوجاجٍ لم ألمحهُ إلا حينما كتبت كلمة!
لم تكن المرة الأولى التي اشعر بها بأني أمارسُ النداء حينما أكتبُ جُملةٍ ما, لم أكن حينها أودُ نداءً ولا إجابة! لطالما قد مارستُ الكتابة لأجل الهروب, لعل أجد نفسي حينها في جملةٍ قصيرة, تكونُ وفيةً بالقرب, عميقةُ المعنى, حرفها الأخير ساكنٌ يشبهُ تماماً ما أبدو عليه من هدوءٍ حينما أكتب. مختلفٌ جداً عما يحدث بعقلي.
هذا ما قد حصل حينما كتبتُ مخاوفي, وجسدتُ احساساً سبقتُ مجيئه, وكتبتُ الكلمةَ التي لطالما خشيتُ أن تفضحَ سري, كأني بها قد ناديتها وها هي استجابت لي! هذا ما حصل حينما أردتُ الهروب إذ وجدتني عند نهاية السطر الأخير أبكي, أنتحبٌ, أشكو الحياة تارةً ونفسي تارةً أخرى!
وختاماً.. كما هي العادة تظلُّ الكلمة حبيسة الورق, سجينة السطور لكنها تبقى المنتصرةُ دائمًا, وانا الضائعة في متاهات السطور أبحثُ عن كلمة تفسرُ ما بداخلي, وأظلُّ في مطاردتها, وحينما اصطادُها اكتبُها على عجلٍ خوفاً من أن تَهرب مني ثانية, اكتب كلمة أتبعها بأخرى, أقلبُ الصفحةَ سريعاً, ألفظُ أنفاسي, وأجرُ الكلمة وأتبعها بأخرى, كما لو أني لا أزال أركض! بينما أنا مسترخيه على مقعدي, هادئة جداً..جداً هادئة.
بِقلم: مِيعاد عبدالعزيز.
