مجتمعات إفريقية
تعتبر الخارطة الطبيعية للمناطق ضرورية جدًا لفهم توزيع المجتمعات البشرية فيها،ففقدان الأمن في بعض المناطق الإفريقية وتعرضها لعمليات النهب والتدمير؛أجبر عدد من مجتمعات تلك المناطق على الانطواء والانعزال بعيدًا عن كل شيء، ومن هذه المجتمعات البوشيمان والأقزام.
البوشيمان:
يعد البوشيمان من أقدم الجماعات التي ظهرت في إفريقيا الجنوبية،فمنذ عدة قرون خلت كانوا يشغلون المنطقة التي تقع جنوب نهر الزامبيزي،ولكن أحفادهم الذي جاؤوا بعدهم قد تراجعوا وأصبحوا اليوم يتنقلون في صحراء كالاهاري فقط،حيث لا يوجد هناك سهل خصب ولا مروج تجذب إليها المزارعين.وأن هذا المجتمع الذي لوحق في كل مكان قد رأى الطرائد تختفي من حوله بحيث قضت عليها الأسلحة النارية بعد أن كانت تشكل غذاءه الأساسي، ولا يزيد عدد البوشيمان؛اليوم عن بضعة ألوف، وأن أكثرهم قد لجأ إلى السهول المستنقعية المليئة بالبحيرات في الجنوب الغربي من إفريقيا ومن أنغولا، ورغم تأثرهم ببعض جيرانهم إلا لا تزال هناك بعض آثار مدنيتهم الصحيحة، تلك المدنية التي تتميز برسومها المنقوشة على جوانب الملاجئ الصخرية بواسطة فحم الخشب أو التراب الأحمر(المفره)أو دهن الحيوان الممزوج بالماء وتصوّر هذه الرسوم بعض مشاهد الصيد وبعض مشاهد الرقص التي ترمي إلى سحر الطريدة بحيث يُري بعض الراقصين يقلدون حركاتها، كما تُرى في بعض الأحيان لوحات تمثل القتال بين البوشيمان والسود،وكذلك تؤكد بعض الرسوم القديمة وجود الحيوانات مثل الحمار الوحشي والجاموس والفيل والوعل وكل واحد من هؤلاء له منطقة خاصة وموسم خاص لصيده. وتقتضي ملاحقة الطريدة للبوشيمان والبحث عن مواضع المياه النادرة حياة دائمة الترحال والتنقل،وأينما وجدوهما يقيمون أكواخهم المصنوعة من قشور الأشجار والمغطاة بأغصانها، فلا زراعة لديهم ولا تربية مواشي، وأن الكلب هو الحيوان الأهلي الوحيد لديهم. ومن الرسوم الصخرية رسم يمثل صيادًا مسلحًا بقوس ولابسًا جلد نعام بحيث يتمكن من أن يقترب من الحيوانات، هذه الحيلة لا تزال موجودة عند بعض الشعوب الإفريقية،أما القوس الذي يصنعه البوشيمان فيتميز بالقصر كما أن خشبه على شكل مقطع دائري أما الوتر فيصنع من خيوط عضلات الحيوانات، وبما أنه لا يوجد من يعمل بالحدادة عندهم،فمضطرون لجلب الرؤوس الحديدية الصغيرة من جيرانهم والتي يضعونها في طرف قناة من القصب بحيث يمكن انتزاعها بسهولة،وفي حالة عدم وجود الحديد فإنهم يستخدمون رؤوسًا من الحجارة أو العظام، أما السهام فهي مسممة بواسطة مزيج من سم الأفعى ومن بذور الرتيلاء المطحونة، وعندما تجرح الطريدة ولا تسقط يضطر الصياد إلى اللحاق بها كي ينتزع من جرحها الرأس الحديدي الثمين ويضعه في قناة أخرى، والبوشيمان بطبعهم لا يستعملون الفخاخ التي يستعملها بقية السود في إفريقيا. أما النساء فمكلفات بأعمال اللقاط والجمع من الأرض، وقد ازدادت مسؤولياتهن إثر النقصان الشديد للطرائد، أما الآلات التي تستخدمها النساء فهي تنحصر آلة على شكل عصا طويلة مثقلة بحلقة من الحجر وذات طرف مدبب صلب وأحيانًا يوضع فيه قرن حيوان،كما تقوم النساء بجمع أدران النباتات من الأرض وجمع الأفاعي ودود الخشب والجراد والديدان الأرضية، أما الأدوات الفخارية أو الخزفية فغير موجودة،ولذلك البوشيمان يمتصون الماء بواسطة قصبة توضع في فوهتها بعض الأعشاب لتصفي مياه المستنقعات، وبعد عملية الامتصاص يوضع الماء في قحف بيض النعام أو في قرب جلدية صغيرة.أما ملابسهم فهي عبارة عن جلد حيوان يضعونه حول خواصرهم ويمر من بين الساقين مع جلد آخر يغطي الكتفين، أما الحلي التي يستعملونها فثمينة وهي عبارة عن حلقات مصقولة من قشر بيض النعام؛مترابطة بدقة على شكل تاج أو إكليل، كما يوجد من الحلي الخرز والحلقات النحاسية التي يحصلون عليها من جيرانهم السود.بالإضافة إلى أصداف السلاحف الصغيرة أو قرون الوعل التي تحتوي على مرهم له قيمة سحرية،لأن الحلي عندهم هي نوع من الطلسم قبل كل شيء.
ويتشكّل مجتمع البوشيمان من وحدات سياسية واجتماعية، كل وحدة منها يقودها أمهر واحد فيها، ويبلغ عدد أفرادها نحو خمسين ونادرًا ما تكون أكثر من ذلك، وذلك حتى تستطيع هذه الوحدة أن تنقسم بسرعة في حالة ملاحقة الطريدة، كما يوجد في بعض الأحيان إلى جانب الزعيم المنتخب للصيد،زعيم آخر كخليفة له يوجه المجموعة كلها، وكذلك تكون حدود المنطقة التي يمكن للوحدة أن تصطاد فيها وأن ترتوي من مياهها وتجمع إنتاج نباتاتها، معينة بواسطة شجرة مثلًا أو بركة ماء أو بخط من الكثبان الرملية، ولعل أكتر الاصطدامات التي تقع بين الوحدات سببها خرق تلك الحدود،أما المجموعة الثابتة والتي لا تتغير فهي العائلة التي تتكون من الزوج والزوجة والأولاد الصغار.أخيرًا ان قساوة المناخ وظروف العيش واختفاء الطرائد من المنطقة،أجبر أحفاد البوشيمان على إتباع نظام نباتي معرض للزوال، ومع عدم استعدادهم لتبني حياة جديدة أخرى يصبحون مهددين بالانقراض تمامًا.
الأقزام:
خلافًا لما عُرف عن البوشيمان فإن الأقزام في الغابة الاستوائية يعيشون على اتصال مع جيرانهم السود الذين يقدمون لهم اللحوم ويأخذون مقابلها الموز وشحوم الطرائد، كما لكل جماعة من الأقزام زعيم أسود يحميها، وينتقل عبء الحماية من بعده إلى ولده. والأقزام يقلدون جيرانهم المجاورين بحيث يحصلون على أشياء كثيرة منهم إلى جانب التنظيمات الاجتماعية وأعرافها بما في ذلك والختان، ومن هنا يصعب عزل مدنية الأقزام بحيث لا تُرى منها عناصر صافية أبدًا. أما لغتهم فهي لغة أسيادهم السود،كما أن البعض منهم استطاع أن يحافظ على لغة خاصة به إلا أنها لا تحمل ميزات واضحة، ويمكن تقسيم الأقزام إلى ثلاث مجموعات:
-الأقزام الشرقيون أوالبامبوئي( أي رجال الغابة) وهم الآك، الايفي والبازوا.
-أقزام المنطقة الوسطى وهم جماعة الباكوا،ويسكنون منطقة الأنهار التي ترفد نهر الكونغو اليسرى،وجماعة البابينغا التي تسـكن منطقة
الأوبانجي والسانغا.
-الأقزام الغربيون ويسكنون منطقة الغابون وهم جماعة الآكوا والبابونجو، والبيكوي وقسم آخر يسكن منطقة الكاميرون وهم الباكا،والباجيللي.ويبلغ عدد الأقزام كلهم مع من امتزج بهم نحو أكثر من مائة ألف نسمة، غير أنهم مبعثرين في مجاهل الغابات الإفريقية، وبين بحيرة ألبرت والمحيط الأطلنطي،والميزة الظاهرة عندهم هي تعلقهم الشديد بمناطقهم السكنية، كما أن الغابة تحدد حياتهم، فالزوابع والعواصف نادرة فيها، بيد أن هطول الأمطار يستمر معظم أيام السنة وكذلك الرطوبة فهي ثقيلة جدًا، فعند الصباح يُرى ضباب كثيف يرتفع من الأرض المغمورة بالمياه بينما تبقى الآجام مبللة،غير أن الأقزام لا يخرجون من مخابئهم أبدًا،إذ أنهم يتجنبون أوراق الأشجار المبللة، ولذلك تراهم ينتظرون شروق الشمس لينتشروا بعد ذلك بحثًا عن قوتهم اليومي.أما مراكز سكنهم فهي عبارة عن حلقات من الأكواخ المبنية على شكل نصف دائري فوق جذور الأشجار الضخمة، وبناء تلك الأكواخ من اختصاص النساء ويتألف الكوخ من مجموعة من الأغصان على شكل قوس،ثم تغطى جوانبه بالأوراق العريضة، والباب هو الفتحة الوحيدة في الكوخ، هذا ويستعمل الأقزام بعض الأحيان المغارات أو الكهوف كملجأ لهم في الأوقات العصيبة. ورجال الأقزام مغرمين جدًا بالصيد، فالقوس عندهم على شكل مقطع دائري ويصنع من غصن ليس له قشر منحي بواسطة النار،أم الوتر فيصنع من شجر نخل الهند ثم يثبت في طرفيه حلقتان من الخشب، وكذلك السهم فهو يحمل ورقة ملفوفة على شكل ريشة الطائر؛كما كانت السهام قبل حصولهم على رؤوس الحراب الحديدية، تصنع من الخشب الرفيع القاسي بحيث كانوا يعرضونها مدة فوق النار،وهذه السهام تحمل في رؤوسها نوعًا من السم يحصلون عليه من بعض النباتات المعرشة، أما طقوس الصيد فتستدعي مشاركة النساء حيث يرقصن طوال الليل الذي يسبق صيد أحد الفيلة، كما تظهر عودة الصيادين المنتصرين بالاحتفال الجميل الذي يقام لهم حاملًا طابع الحماس ولا ينتهي الرقص والغناء إلا عندما يصاب الراقصون والمغنون بالإعياء،والظاهرة البارزة عند الأقزام هي احتقارهم للفخاخ،بل يهجمون على الفيل بالحراب ويركزون هجومهم على قوائمه الخلفية لقطع أوتارها، وما أن يقع على الأرض حتى يقطعوا خرطومه محدثين بذلك نزيفًا مميتًا، وفي بعض الأحيان يخاف الصيادون من أن تطأهم قوائم الطريدة الكبيرة، ولذلك تراهم يقتربون منها ويطلقون حرابهم المسننة في بطنها حتى تنقطع من تلقاء نفسها عن كل مقاومة أو حركة، كما أنهم يمارسون الصيد الجماعي بواسطة الشبكة التي يبلغ طولها عشرة أمتار تقريبًا وارتفاعها متر واحد؛وتوضع هذه الشبكة حول بعض الشجيرات على شكل نصف دائرة، وبعد تركيزها يبدأون باطلاق الصيحات وبتحريك أغصان الشجر ليدفعوا الطريدة نحو الشبكة؛والوعول الصغيرة التي تقع فيها يقبض عليها حية أما الكبيرة فتقتل في الحال.
وفي كل صباح تنطلق النساء في الغابة؛وهن يدفعن بأولادهن أمامهن وبأيديهن أوتاد طويلة تستعمل في نزع أدران النباتات من الأرض،كما يحملن السكاكين لقطع سوق النبات وتقشير الساق الطرية منها،وعدا عن ذلك يجمعن أيضًا الحلزونات والسراطين وديدان الخشب وديدان القز والأفاعي، ثم تضع كل منهن محصولها في سلة تحملها فوق ظهرها بحيث تربطها بحبل يمر فوق جبينها. كما تقوم النساء أيضًا بجمع عسل النحل من الأرض وذلك بحفر ثقوب تصل إلى مستوى أقراص الشهد، أما الرجال فهم يقومون بجمع عسل النحل من على الأشجار وذلك باطلاق الدخان على الخلايا. ومما هو متعارف عليه أنه مجرد قتل الطريدة والانتهاء منها يترك الأقزام مكان إقامتهم ليقيموا بعيدًا، ولكن دون أن يتخطوا حدود مناطقهم الواسعة والتي يعرف كل فرد منهم حدودها التي تعين بواسطة نهر أو جدول أو خندق كبير، وشيء آخر هو أن الطريدة المقتولة تخص أعضاء العشيرة التي تملك الأرض التي قتلت فيها،أما الصياد الغريب الذي يحاول امتلاك تلك الطريدة فإنه بلاشك يطرد. والأقزام مثل البوشيمان يعترفون بالملكية الفردية الخاصة التي تنشأ عن عمل الفرد ومن استخدام الأدوات الفردية، وهذه الأدوات بسيطة للغاية وتصنع من القشور والخشب وبعض النباتات المعرشة، هذ في نفس الوقت حاجات يسهل تجديدها ونقلها من مكان إلى آخر،فهناك العصا الطويلة لحفر الأرض والصفائح لتغليف اللحم الذي يستوي تحت الأحجار الساخنة، وصفائح أخرى مطوية على شكل بوق بحيث يسهل نقل الديدان فيها، أما سرير النوم فهو عبارة عن مجموعة من الأوراق أو خشبة كبيرة.وعندما تأتي ساعة الرحيل يأخذ الرجل سلاحه ثم ينادي كلبه وهو الحيوان الأهلي الوحيد لديهم، أما المرأة فتحمل سلتها وتدفع بصغارها ثم ينطلق الجميع على الطريقة الهندية الواحد وراء الآخر.وكل ما يملكه الأقزام من أدوات حديدية وخزفية يحصلون عليه من جيرانهم السود لقاء تقديم الطرائد لهم،وفي حالة عدم وجود قطعة حديد التي تستعمل في اشعال النار،يلجأ الأقزام إلى طريقة قديمة يعرفونها كي يحصلوا على النار وتتخلص هذه الطريقة بركوع أحد الرجال على الأرض ثم يمسك بين رجليه عودًا من الخشب الطري توجد فيه عدة ثقوب، كما يأخذ بين راحتيه مثقبًا من الخشب القاسي بحيث يوضع طرفه بصورة عمودية في أحد ثقوب الطري،ثم يبدأ بفرك المثقب بسرعة من طرفه الآخر،فلا تلبث نشارة الخشب المتوهجة أن تسقط فوق ليف جاف أو بعض القطن الذي يشتعل نورًا، ثم يبدأون في الحال بنفخ قطعة الليف أو القطن كي تلتهب النار.أما فيما يتعلق بالحلي وزينة الجسد، فالأقزام دون سواهم لا يعرفون من ذلك شيئًا، أما ثياب المرأة فهي عبارة عن مجموعتين من الأوراق تربطان حول وسطها،واحدة من الأمام والثانية من الخلف، بينما يجعل الرجل جلد حيوان أو مجموعة من قشور الأشجار الطويلة المدقوقة، حول خصره بحيث تمر من بين ساقيه.أما التنظيم الاجتماعي فجماعة الرجال الذين يجاورون بعضهم ويمارسون الصيد سوية فهم أقرباء ويعترفون بسلطة من هو أكبر منهم سنُا، أما المجموعة التي لا تتغير فهي العائلة التي تضم الزوج والزوجة والأولاد الصغار فقط، كما أن أقدم طريقة للزواج عندهم تقوم على أساس المبادلة(رأس برأس) فالخطيب مثلًا يعطي أخته أو إحدى قريباته إلى جماعة خطيبته،وإذا كانت إحدى الفتيات التي وقع عليها التبادل عقيمًا فلزوجها الحق بطلب واحدة أخرى.
أما التقاليد التي تخص السحر، فهي لا يمكن تميزها عن تلك التي
توجد عند جيرانهم الزنوج، كاشعال النار لطرد العاصفة، ورمي الأوراق فيها لتبعث دخانًا كثيفًا،وكذلك تثبيت القطعة الخشبية التي شحذ بها الوعل قرونه في القوس، ووضع بعض الأغصان الصغيرة التي لمستها الصاعقة فوق الكوخ لإبعاد الصاعقة عنه.أما الطقوس التي تتعلق بالموتى فهي تظهر بتقديم الأطعمة لهم، وكذلك الطقوس التي يطلبون فيها العون من أجدادهم قبل بدء عملية الصيد؛كل هذه موجود عند الأقزام.
ختامًا لا زال هنالك العديد من المجموعات الإفريقية التي تحيا حياة الغابة، تمتهن الصيد،وتأكل الطرائد،وتمشي في أسمال من الجلد وتسكن الأكواخ والكهوف،ومن هذه المجموعات مجموعتي البوشيمان والأقزام، اللتان يمكن أن تكونا خير شاهد على طريقة حياة كانت قديمًا واسعة الانتشار في أدغال القارة السمراء.
***
بقلم الأديب: أحمد سليمان أبكر
