«التنظير الديني في أبهى صوره!».
«التنظير الديني في أبهى صوره!».
قال لي صاحبي: أرأيتَ كل هؤلاء الفتيات المتبرجات؟
قلت ضاحكًا: ما لك ولصبايا النسيم!
قال: إنهنَّ في النار.
قلت: وماذا أيضًا؟!
قال: وكل هؤلاء المحتشمات في الجنة!!
قلت: من أعطاك الحق أن تُصير نفسك إلهًا وتحكم على هذه وتلك؟!
قال: إنهنَّ يقترفون أشد الذنوب، وقد حذر النبي ﷺ من هذا وأنت تعلم الحديث جيدًا.
قلت: وقال أيضًا - صلوات اللّٰه وسلامه عليه - : «رب كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة»!
أي أنَّ الأمر لا يقتصر على المظهر فقط يا صاح!
قال: إن ذنبهنَّ عظيم، انظر كم رجلٍ ينظر إليهنَّ حزينًا على ما وصل إليه حال المسلمين!
فضحكتُ وقلت له: وهل أنت من هؤلاء الحزانى؟!
قال: بالتأكيد!
قلت: وهل لا بدَّ أن تنظر لكل فتاةٍ حتى يتملكك الحزن؟!
قال: ماذا تقصد؟!
قلت: أقصد أنك لا تجاهد نفسك، ووقعت في معصيةٍ لا تقل عن أختها فأنت لا تغض بصرك.
ثم تشكو مدعيًا الحزن! وهذا الدور لا يليق بك يا صاح!
قال: لمَ تدافع عنهنَّ أم أنك أصبحت منفتحًا على الغرب وثقافته؟ لمَ تهون ذنبهنَّ؟!
قلت له: لمَ تريدني أن ألحق بصفٍ دون الآخر؟! إنك غائبٌ عنك أشياء!
قال: وما هي؟
قلت: إنَّ المرء لا يدري بما تشعر به المرأة الظاهرة لزينتها، فقد تكون مقصرةً في زيها - كما هو ظاهرٌ لك - وتعترف بتقصيرها فيما بينها وبين اللّٰه، تعترف بذنبها وتجاهد نفسها لكي ترتقي مع ربها، فلا تأتِ أنت أيها المُبرء وتُشعرها أنها ستكون يقينًا في جهنم، فإن أبواب الدارين ليست في يدك، وكما يقول ابن عطاء اللّٰه السكندري: «رُبَّ معصيةٍ أورثت ذلًا وانكسارًا خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزًا واستكبارًا»ا.ه.
قال: هي يقينًا في النار!
قلت: ويحك لمَ تتخطى حدودك مع ربك، إنَّ الأمر إليه إن شاء عذب أو غفر!
ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟!
أليس التبرج مما هو دون ذلك؟!
قال متهربًا من سؤالي: أتراها تصلح أن تكونَ ربة بيت؟!
قلت: يا هذا وما الذي يمنع إن كانت تؤدي بقية حقوق زوجها؟
أم أنك تريد مني حكمًا بتطليقهنَّ كآفة لكي ندمر البيوت وترتاح نفسك؟!
قال: عاجلًا أم آجلًا سيُخرب البيت لأنه ملعون!
قلت له مقاطعًا: وعلى هذا أنت ترى أن نسبة الطلاق زائدة بسبب التبرج أليس كذلك؟
قال: نعم!
قلت: ليس هذا واقعًا بل إن أغلب أسباب الطلاق نابعةٌ من الأمور المادية!
وكم من نساءٍ محتشماتٍ طُلقن لزواج أزواجهم عليهنَّ!
وهناك بيوت عامرة بالمشاعر رغم تلك المشكلة أخرجت أناسًا صالحين خُلقًا وسلوكًا!
قال: تلك استثناءات!!
قلت: قد حان موعد رحيلي فلقد تأخرت عن موعد المحاضرة، وما استفدت بحوارك هذا بطائل!
وعدتُ في نهاية يومي أفكر في ما قاله صاحبي المتعنت!
وشغلني قوله: إن البيوت عاجلًا أم آجلًا ستُخرب وهذا أمرٌ سيؤثر على تربية النشء!
وبينما أقرأ - كعادتي - في مجلة الرسالة وقعتُ على كلامٍ أعجبني للأستاذ أحمد حسن الزيات يقول: «وأما الاعتقاد بأنَّ احتجاب المرأة هو الضمان الوحيد لحصانتها وعفتها فذلك إفلاس للتربية، وسوء ظن بالدين، وإلقاء بالنفس إلى الرذيلة!
فلو أن الفتاة وهي صغيرة فتحت عينها على القدوة الحسنة، وأذنها لصوت الواجب، وقلبها لنور اللّٰه لوجدت من روحها القوي وضميرها النقي وزرًا من الفتنة وعصمة من الغواية.
فالتربية الصحيحة إذن هي الضمان الذي لا يضر معه سفور، ولا ينفع بدونه حجاب، وهي وحدها السبيل المأمونة إلى الغاية التي قصدناها من تلك الكلمة، ولا زلنا نعتقد اعتقادًا لا ظل عليه للريب أنَّ غاية الكمال الاجتماعي أن يكون الرجل في كفة والمرأة في كفة من ميزان المجتمع، وتلك هي السنة التي فطرنا عليها اللّٰه، والنظام الذي فرضته علينا الطبيعة، والواجب الذي يتطلبه العدل»ا.ه.
وودت أن أرسل لصاحبي تلك الكلمات، بيد أنني قلت في نفسي: إنه لديه مرضٌ أشد من التبرج وهو التنظير الديني!
فالمسألة ليست في إقناعه، بل في تنقية قلبه، وعليه أن يحب الخير لكل الناس، وألا يكون غليظ القلب حتى لا ينفض الناس من حوله كما فعلت!
ثم لجأت إلى يومياتي أدوّن بعض الخطرات، ومما كتبته وأنا أحتسي كوب القهوة مع غناء سيدة الغناء العربي أم كلثوم (للقلب يعشق كل جميل):
إنَّ النساء المتبرجات قد يمثلن نساء النهضة في عصرنا هذا!
ولا حاجة للإندهاش من هذا، فهنَّ يمثلنَّ نسبةً كبيرة في المجتمع العربي؛ فمنهم العاملات ومنهم الأمهات الساهرات لرعاية أبنائهم، ومنهم من تولت وزارات وكان لها شأن، ومنهم من تتقي اللّٰه في عملها أو دراستها، ومنهم... ومنهم...
إن إنطفاء جانبٍ لا يعني أن ترى كل الجوانب سوداء.
وكما علمني أستاذي الدكتور حامد البحراوي أنَّ الثوب قد يكون أبيضًا جميلًا، بيد أنَّ به بقعةٌ سوداء!!
فلا تترك جمال الثوب كله وما فيه من خيرٍ وتحقره لأجل بقعةٍ صغيرةٍ كان بإمكانك أن تتغاضى عنها!
ولا يغرنك من ينتسبون للدين فإن عشق الشكليات موجودٌ عند بعض أدعياء الدين الذين يظنون أنهم أوصياء على دين اللّٰه. وكأنهم ارتقوا إلى منزلةٍ أعلى من منزلة سيد الخلق النبي ﷺ حين قال له ربه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغ﴾.
بيد أن ربه عز وجل حذره من إكراه الناس على الخير فقال له: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾؟!
فما بال أناسٍ تجاوزوا كل الحدود بحجة أنهم يأمرون بالمعرف وينهون عن المنكر.
والحقيقة أنهم أصيبوا بداءٍ يُسمى بالتنظير الديني.
ومثل هؤلاء يُقال لهم ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
إنَّ العاصي لابدَّ أن يكون طبيبه ذا رحمة، والعلاج مرير، فلا يكن العلاج والطيب معًا عليه.
وإنَّ إصلاح النفوس وتطهير السرائر أجدى عند اللّٰه من قوَّام ليلٍ يسيئون للناس بلسانهم ويحسدونهم على ما آتاهم اللّٰه من فضله.
وهاك الحديث المعروف عن النبي ﷺ حين سئل عن امرأةٍ عابدةٍ بيد أنها تؤذي جيرانها.
قال - صلوات اللّٰه وسلامه عليه - : هي في النار.
هؤلاء الناس يسيرٌ عليهم أن يلوكوا بألسنتهم بعض الأوراد والعبادات، ولكنَّ قلوبهم غافلة منقطعة عن اللّٰه.
وهذا الصنف من الناس تجده يُقيّم خَلْق اللّٰه، ويقول هذا صالحٌ، وهذا فاسدٌ، وهذا لا يرضى اللّٰه عن أمثاله.
وحين تقول له: يا هذا إنك تعشق التنظير الديني فلتترك العباد لربهم.
تجده يصيح في وجهك: إن الدين النصيحة، ولولا النصيحة لهلكنا!!
بيد أنَّ صاحبنا هذا تناسى أن «الدين المعاملة» قبل أن يكون «الدين النصيحة».
وما دخل الناس في الإسلام إلا من حسن المعاملة والأخلاق الكريمة التي رأوها في المسلمين.
كما أن الدين نعم هو النصيحة، ولكن أتظن يا هذا أن نصيحة سيدنا رسول اللّٰه ﷺ وأتباعه كانت بهذا الجفاء!!
إننا نعاني من تقديم شكلياتٍ وفروعٍ على أصولٍ وأساسيات.
والكلام يطول في هذا، والحديث ذو شجون في داء «التنظير الديني».
وأعلم أن هناك من سيأتي لي بقول الحق تبارك اسمه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
ويقول لي لولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما نالت أمتنا الخيرية.
وأوافقك الرأي بيد أنني أودُّ أن أنقل لك كلامًا في غاية الأهمية للإمام أحمد بن حنبل - رضي اللّٰه عنه - فقد سُئل ذات مرة: «إذا أمرته بمعروفٍ فلم ينته؟
قال: دعه، إن زدتَّ عليه: ذهب الأمر بالمعروف، وصرت منتصرًا لنفسك، فتخرج إلى الإثم، فإذا أمرتَ بالمعروف: فإن قبل منك، وإلا فدعه»ا.ه.
وبعض الآباء والأمهات لهم غايات يريدون تحقيقها في أبنائهم وهي غاياتٌ جليلة، بيد أن الأبناء يأبون!!
والقصة ليست مبدأً أكثر من كونها اهتمامٍ بالقيل والقال، وماذا سيقول عنا الناس لو... ولو...
وانظر في سيرة الأعلام تجد كثيرًا من الصالحين ما تحكّم في ابنه أو ابنته رغم البون الشديد بينه وبين أبنائه، ومنهم من حاولَ ولكنه صبر على ما لقيَ من أبنائه وعدَّ هذا بلاءً يؤجر عليه، وليس هذا ضعفًا منهم، بل علمًا بما لهم وما عليهم في شرع ربهم.
أخي الفاضل لا تحمل كلامي أبدًا على أنني أقول لك: توقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
ولكن لا تجعل من تأمره أو تنهاه يستثقل سماع نصيحتك!
فتعلّم كيف تنصح ومتى تنصح وإلى متى تنصح؟ قبل أن تأذي الناس رغم نيتك الحسناء!
وكما يقول الشيخ محمد الغزالي - طيَّب اللّٰه ثراه وعطر مثواه - : «ليس هناك أخطر من فساد التوجيه، سواء حسنت النيات أم ساءت!»ا.ه.
وها هو الإمام الشافعي - رحمه اللّٰه - يقول في أدب النصيحة:
تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي ... وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَه
فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ ... مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه
واللّٰهَ أسأل أن يجعلنا خيرَ دعاةٍ لدينه، وأن نكون سببًا في هداية عباده بلينٍ من القول والفعل!
واللّٰه المحمود على ذلك الحديث!
وهو بالتوفيق خير كفيل!
– أحمد حامد.
