كثيرا ما أستوقفتني الآية: ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)) [الإسراء: 33]. ((والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق..)) [الفرقان: 68]. فالله تعالى يأمر بعدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. والسؤوال الذي يتبادر للذهن: ما هو القتل بالحق إذن؟، أو ما هو الحق الذي يجعلك تتجرأ فتقوم بقتل إنسان آخر.

أولا، ليس هناك حقوق كثيرة تجعلك تقتل إنسانا آخر، إنما هو حق واحد فقط. والإجابة تستنبطها من آي الذكر الحكيم. فالله تعالى يقول: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر....* ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)) [البقرة: 179]. فالقتل إلا بالحق هو قتل النفس التي قتلت نفسا أخرى عمدا، وليس أكثر من ذلك، وتجاوز ذلك تماديا بقتل آخرين بجريرة القاتل الأول يوقع في الباطل أيضا. ((ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا)) [الإسراء: 33]. والسلطان هنا هو حقه في قتل من قتل فقط.


مبدأ عدم الإعتداء...


يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بعدم الإعتداء، وهو من أهم المبادئ التي يجب أن يفهمها الناس عن دين الله عز وجل وهو الذي يترتب بخرقه "البغي": من سلب حقوق الناس من حرياتهم وأكل أموالهم بالباطل، إلى إرهابهم وقتلهم. وعدم الإعتداء يتطلب أولا إحترام كل للآخر في كل شئ بداية من المعتقد، وهذا ما سطره الله تعالى في كتابه العزيز بسورة الكافرون: ((..لكم دينكم ولي دين)). فإلتزام كل فرد بهذا المبدأ يجلب الحرية للكل، لأن حرية كل شخص تبدأ بحدود حرية الشخص الآخر.


ويقول الحق عز وجل: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) [البقرة: 190]. فلا قتال في سبيل الله يجوز أبدا بالمبادرة بالإعتداء. فكل الإعتداءات والقتل الذي يحدث بإسم الإسلام والشريعة ونصرة الله والدولة الإسلامية والحق، فهو باطل باطل باطل والدين منها براء ولئن أتى كل عالم وفقيه وشيخ بكل التشاريع التي تحلل له ذلك، فهو يخالف أوامر الله تعالى الصريحة. فهو يخرق بذلك مبدأ عدم الإعتداء ويستبيح قتل أنفس كثيرة بريئة بغير حق، ويحدث حروب مما يصنع إسراف في القتل، وفساد في الأرض والله جل وعلا يقول: ((إن الله لا يصلح عمل المفسدين))، و((إن الله لا يحب المعتدين)) أساسا.

ولكن بالمقابل، فإن قتال المعتدى عليه للمعتدي قتال بحق لأنه دفاع عن النفس، و المعتدي كان حريص أن يقتله أولا.


وتدعيم آخر في الآيتين: ((ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) [البقرة: 61]، ((ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) [آل عمران: 112]. ويتبادر سؤوال للذهن مجددا: إذا كان الله تعالى يأمر بعدم قتل الأنبياء بغير الحق فهل هناك قتل بحق للأنبياء؟. يمكن أن يكون الحق هو فقط القصاص إن قتل نفسا.

ولكن بالتأكيد لا، وبتاتا، لأن كلمة "بغير" جاءت للنفي و لتثبيت المعلومة الحقة بأن الأنبياء أساسا جاءوا بالحق، ولا يجوز قتلهم لأنهم ليسوا معتدين، ولم يأتوا ليفرضوا دينهم بالإرهاب والقسر وقيام دولة بالإجبار ليبسطوا سلطتهم ودينهم على الناس. إنما جاءوا مبلغين فقط، مبشرين ومنذرين، داعين للأخلاق الإنسانية ويستخدمون فقط لسان قومهم، وهذا أقصى أسلحتهم. وإن تعرضوا للسخرية والإستهزاء فالرد يكون من نفس العمل: ((وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون)) [هود: 38].

ولم يأمروا الناس بأن يعادوا بعضهم لبعض أو قتل من يخالفهم الرأي أو من لا يؤمن بمعتقدهم. فهم معهم الحق ويدعون له بالحسنى وليس بالغصب، والذي معه الحق، يجب أن يسلك سبيل الحق دوما بعدم الإعتداء، مع الحق في الدفاع عن النفس فقط. لذا من يتطاول بالإعتداء عليهم لابد ان يكونوا من أصحاب الباطل. فأصحاب الباطل يدعون الحق أيضا، ويؤمنون بماهم عليه، ولكنهم ليسوا على حق لأن صدورهم تضيق بمجافاة الصواب فيعمدون للبغي دائما ليثبتوا حقهم الكاذب. وهذا ما يؤكده الله تعالى عن صفة الذين يقتلون الأنبياء، وهي الإعتداء. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير الحق -أي بالباطل لأنهم على باطل-. ولاحظ تكرار: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.


قتال الظالمين المعتدين، قتال في سبيل الله..


إن للإيمان درجات، وصفات المؤمنين في كل زمان ومكان ثابتة يوضحها الله عز وجل في كتابه.

يقول تعالى: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)) [الأنفال: 2]. فهديهم الرئيس هذا القرآن العظيم.

ويقول تعالى أيضا: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)) [الحجرات: 15]. فهم صادقون ومتوكلون على ربهم ومجاهدون. والجهاد ليس فقط بالقتال، ولكن يبدأ بقول الحق عند سلطان جائر. وهذا أول مقام للشهادة. فهم لا يهمهم غير إظهار الحق ويعلمون ان هذه الدنيا دار إختبار فقط وفانية. والله تعالى يعرض عليهم صفقة رابحة: ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)) [التوبة: 111].


وباب هذه التجارة مفتوح: ((فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما* وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا* الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا)) [النساء: 76].

يأمر الله تعالى المؤمنين الصادقين، الذين يستصغرون الحياة الدنيا ويوقنون بوعد الله الحق لهم في الآخرة لطاعته، بقتال الظالمين والطغاة الذين يعتدون ويغتصبون حقوق غيرهم بالتشريد والعذاب والقتل، لنصرة المستضعفين.


ويضرب الله عز وجل في الآية التي بعدها مثلا بأناس كتب الله عليهم قتال الظالمين المعتدين لنصرة مستضعفين، ولكنهم خشوهم وتحججوا بالإمهال. وفي الحقيقة إنهم يخافون فقدان متعهم الدنيوية لعدم إيمان عميق بالآخرة ومتعها التي تفوق بمراحل ألذ متع الدنيا. أو لربما يعتقدون إن حياتهم لا تستاهل ان يخسروها من اجل المستضعفين و قضيتهم. لذلك يذكرهم رب العزة بأن متاعهم الحالي قليل مقارنة بما سيجدون في الآخرة: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا)) [النساء: 77].


ويقول الله تعالى لهم، إنكم ميتون ميتون في النهاية سواء في بيوتكم أو قتلتم في تلك القضية: ((أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا* ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا* من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا)) [النساء: 79].

فهذا القتال أمر من الله إلى رسوله الذي يوحي له، وليس تشريعا من عنده. فمن أطاع الرسول قد أطاع الله.

فلا يأتي أحد اليوم ويأمر بقتال آخرين ويدعي إنهم ظالمين فقط. فهل هم ظالمون معتدون ويأكلون حقوق المستضعفين فعلا أم لا.


وفي آيات أخرى يعطي الله تعالى مثالا بتحدي أناس يزعمون أنهم أولياء لله ولكنهم يخافون الموت بعدم إستوثاقهم.

((قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين* ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين* قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)) [الجمعة: 9].


والآيات تواصل حتى الآية: ((فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا)) [النساء: 84]، لتؤكد إن أهمية القتال تأتي لكف أذى المعتدين وعدم الخوف منهم حتى يحل السلم والأمان، ومن ثم يمكن أن ينعم الناس بحقوقهم، ومبدأ الحرية الأول الذي أقره الله تعالى: ((..لكم دينكم ولي دين)).

ومن ثم يقول سبحانه وتعالى بعدها: ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا)) [النساء: 86]. ليسود الأمن والسلام الشامل بهذه التحايا.

وحتى في حال الحرب، من يستجير يجار كما يقول تعالى: ((وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون)) [التوبة: 6].


ثم يلمح الله تعالى بإتقاء المنافقين والمحرضين الذين يريدون سفك المزيد من الدماء، فهؤلاء إن لم يفوا بمبدأ عدم الإعتداء وواصلوا العدوان يمكن قتلهم و لا يجب إتخاذهم أولياء. ولكن هناك من يقع بين نارين، فيجب التحري عنهم فإذا كفوا بأسهم واعتزلوا القتال وألقوا السلم وأقروا بمبدأ الحرية، فليس هناك قتال بحق يجوز ضدهم: ((ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا* إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا)) [النساء: 90].


ولكن بتفصيل القرآن يقول الحق تعالى بعدها إنه لا يزال هناك آخرين: ((ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا)) [النساء: 91]. أي من لم يكف ويرعوي من الإعتداء وسفك الدم فهناك سلطان مبين في جهادهم، أي حق كامل في قتالهم.


قتال المؤمنين بعضهم لبعض..


ثم يقول تعالى بعدها: ((وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)) [النساء: 92].

وهنا نسأل: لماذا لم يقول الله تعالى وما كان لمسلم أن يقتل مسلما إلا خطأ.

أعتقد أن السبب الأول هو أن أي إنسان يقول أنا مسلم ليس بالضرورة أن يكون مؤمن. فالمسلم من سلم المسلمون من أذاه الناس او كما قال صلوات الله وسلامه عليه. فهناك أناس كثيرون مسلمون بمفهوم كف أذاهم عن الناس ولكنهم ليسوا مؤمنين. فالمؤمنين صفات.

ففي محك القتال، يمكن ان يطيع المسلم أوامر فرقته ومذهبه وجماعته التي ينتمي إليها ويقاتل معهم إن كان بحق أو على باطل.

ولكن المؤمن هو الذي يستمع لأوامر الله تعالى فقط، فلا يقتل النفس التي حرم الله أبدا إلا بالحق. وهو لا يمكن أن يقتل مؤمنا مثله لأنه مسلم في المقام الأول ويلتزم مبدأ عدم الإعتداء. فالمؤمن يقول للمسلم: ((لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)) [المائدة: 28]. وحين يتجرأ المسلم للإعتداء ويقتل المؤمن، أو أي شخص آخر دون حق، يخرج من دائرة أنه مسلم ليصبح مجرم. وينخدع البعض في هؤلاء الإرهابيين المجرمين، ويختلط عندهم الحق بالباطل فيواصل بنعتهم مسلمين، ولا يلتفتون لقوله تعالى: ((أفنجعل المسلمين كالمجرمين، مالكم كيف تحكمون)) [القلم: 36].

والسبب الثاني ان المؤمنين مفترض أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس، يعيشون في السلم والأمان بينهم ويكونون قدوة ومثلا لغيرهم، فلا قتل يجب ان يحدث بينهم إلا عن طريق الخطأ.


والمؤمنون الذين يؤمنون بهذا الكلام لا يجوز لهم تعدي ذلك، ومن يتعداه فهو منافق لأنه أصر على إرتكاب هذا الجرم الكبير وهو يعلم والذي يقول الله تعالى عنه: ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)) [النساء: 93].

ولهذا ينصح الله تعالى بالتبين، من هو المسالم ومن هو العدو بقوله سبحانه: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)) [النساء: 94].


لذلك يبقى الخيار الأول لنيل الحقوق هو تحقيق السلام أولا. فالحق يحتاج لرجلين: رجل يفهمه وآخر ينطق به ..