أضيء المساحة المظلمة في العقل بنور الوحي والمعرفة، لا أحب الاقتصار على تخصص واحد، لذة العلم لا تدانيها لذة، لكن العمر لا يكفي..
سلة زهرة المولوتوف! | عناء البشرية بالقنابل الذرية

أيمكن لأمر كهذا أن يحدث في عالمنا؟! وهل يمكن لزهرة مولوتوف واحدة أن تتسبب في كل هذا العناء؟ إذن كيف سيكون الأمر في العالم الآخر؟!!
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
"من أكثر الظواهر البشرية التي تُصيبني بالحيرة والذهول مشهد الفظاعة الإنسانية؛ حين يبغي الإنسان على الإنسان، ويَصب على رأسه أنواعا لا تطاق من الشرور، إنها لحظة من أحط لحظات الإنسان وأكثرها خسة، وسفول يصعب أن يجد الإنسان لنفسه سفولا بعده." (1)
برق صامت:
"مائة ألف هم ضحايا القنبلة الذرية، فيما هؤلاء الستة كانوا من ضمن الناجين، وظل السؤال الكبير يلح عليهم: لم كتب لهم أن يعيشوا في حين هلك الكثير؟! كل واحد منهم يحسب حساب عدد من الأمور الصغيرة كانت سببا في نجاته، إما صدفة هنا، أو قرار اتخذ هناك، خطوة وقعت في الوقت المناسب، أو قرار دخول إلى داخل البيت، أو اللحاق بعربة ترام معينة دون التي تليها، وكل واحد منهم الآن، وفي سبيل العيش والبقاء، يدرك أنه قد عاش عددا من الحيوات، وشاهد كما من الموت ما كان يحلم بأنه سيشاهد مثله في حياته، لكنهم في تلك اللحظة ما كانوا يعلمون شيئا." (2)
مشاهد يوم القيامة:
كانت المشاهد التي نقلها الأحياء في تلك المجزرة، تصف أناسا في حال بين الموت والحياة، فكان الآلاف يفرون من المدينة التي بدأت تشتعل فيها النيران، ولا يكاد يسلم واحد منهم من إصابة تجعل الرائي يتمنى لو أن مات قبل أن يشاهد تلك المناظر التي تبعث في الأذهان مشهدا مصغرا من مشاهد يوم القيامة، وهو قياس مع الفارق!
ولأدع المؤلف جون هيرسي ينقل لنا ما خطه بقلمه، لنتأمل سويا في هذا العذاب الجماعي الذي نال ضحايا الولد الصغير !
“فقد فقدَ بعضهم حواجبه تماما، فيما كانت جلودهم تتدلى من على وجوههم وأيديهم جراء الحرائق. فيما كان البعض الآخر يرفع يديه وكأنه يحمل شيئا من شدة الألم، بعضهم كان يتقيأ أثناء مشيه، وكان الكثيرون عراة، أو في ملابس ممزقة، كانت الحروق تظهر على بعض تلك الأجساد العارية بذات أشكال الأحزمة والحمالات التي كانوا يرتدونها، كانت أشكال الورود تظهر على أجساد بعض النساء؛ إذ كان اللون الأبيض يعكس حرارة القنبلة، فيما الألوان الداكنة تمتص تلك الحرارة، وتمررها إلى الجلد، لتتشكل صور تلك الورود على جلودهن من أثواب الكيمونو التي كن يرتدونها، وبالرغم من تلك الإصابات فقد كان الكثيرون يعاونون أقاربهم الأسوأ حالا، كان الكل تقريبا مطرقا برأسه، شاخصا ببصره إلى الأمام، صامتا، ووجوههم خالية من كل تعبير.” (3)
ورغم بشاعة هذا المشهد إلا أنه غيض من فيض مما هو أبشع بكثير ولم يذكر هنا، مما يجعل المرء يخرج عن سلامه النفسي، ويتجرع غصص المرارة والصدمة من فداحة ما حدث، وينظر نظرة سخط على من تعجل في كي البشرية بهذا السلاح الفتاك، الذي كان يجب أن لا يكون آخر الدواء أبدا.
موعظة من نار الدنيا وتحذير:
قال رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ، قيلَ يا رَسولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قالَ: فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا.” (4)
فكيف بمن يشعلون على أنفسهم نارا لا تطاق من جراء أعمالهم المسخطة للرب عز وجل، وقد جعل لهم ربهم الموعظة فيما يرونه من حال بلاءات الدنيا والمصابين فيها، مما يردع كل عاق ومتمرد، بل وينزجر من هذا حاله في التو والحين، وهو يعلم يقينا بعدم قدرته على رؤية من تعرض لنار الدنيا فكيف بما هو أعظم؟!
أما المؤمنون فقد انخلعت قلوبهم وانفطرت من خشية ربهم، وما زادتهم تلك الآيات إلا إنابة ورجاء في رحمة خالق الأرض والسموات، فأحسنوا العمل بعد أن أحسنوا الظن، ولم يجعلوا للشيطان عليهم سبيلا لتقنيطهم من رحمة الله، وهم في كل ذلك يوازنون في طريقهم إلى الله بين مراتب الحب والخوف والرجاء.
الخاتمة:
“لقد كان الأمر أشبه بلعبة في يد طفل شقي، وكان يخشى أن يحرم من اللعب بها مستقبلا، وكان مصرا على تجربتها، فكان له ذلك، ليس مرة؛ بل مرتين، ولو لم يعلن الإمبراطور بنفسه خطاب الاستسلام من إذاعات المحطات اليابانية لاستمر اللعب ثالثة، ورابعة، وخامسة.
تخيل لو أن المسلمين هم من سبقوا إلى اختراع القنبلة الذرية، ووضع علماء الإسلام على محك السؤال: هل يجوز أن تستعمل قنبلة لمسح مدينة بأطفالها ونسائها وشيوخها عن الخارطة؟ هنا سيظهر لك حجم الضمانات الشرعية المانعة من استسهال تقديم الجواب بنعم، فعلى خلاف معيار المنفعة الحاكم للمنظومة الحضارية الغربية، فإن المعيار الحاكم في الإسلام قيم متجاوزة لهذا الإطار المادي، فالمسلم يتحرك في هذه الحياة لا باعتبارها دارا تمثل نهاية المشوار؛ بل دارا موصلة لغيرها، وينتظر من ورائها حسابا وجزاء، ويرى لزوم الالتزام بحزمة من القيم ولو جاءت على خلاف هواه، ولو كان الأمر على خلاف مظاهر النفع القريبة.” (5)
المصادر:
(1) من مقدمة المترجم: عبد الله بن صالح العجيري لكتاب: هيروشيما، حكايا ستة ناجين من كارثة القنبلة الذرية. لمؤلفه: جون هيرسي. مركز تكوين للدراسات والأبحاث 1440هـ/2019م.
(2) هيروشيما، جون هيرسي، صـ42
(3) هيروشيما، جون هيرسي، صـ86
(4) الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3265 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]. موقع الدرر السنية
(5) من مقدمة المترجم: عبد الله بن صالح العجيري لكتاب: هيروشيما، حكايا ستة ناجين من كارثة القنبلة الذرية. لمؤلفه: جون هيرسي. مركز تكوين للدراسات والأبحاث 1440هـ/2019م.
(6) مصدر الصورة.
