اللايك.. بين "واجب الضيف"و"السُلطة الشعريّة"
أصبحت الأبواب تُدقّ في زمن السوشال ميديا، عبر انعكاس الصورة ومغرايات ما قدّمه أو قدّمته صاحب ذاك الحساب. إن كان في صورته الشخصية أو حالاتها المغرية المحفوظة على جدار خزائنها الإفتراضيّة و ويّحُ من أخفى هويّته عن المارّة أو ألغى تعريفه بنفسه حتّى يسارع كلّ من مرّ به لإلغاء وزنه وعدم الاكتراث بطلبه أو طرحه وهكذا دواليك..
الآفة جمّ الآفة المنتشرة في زمن البيوت الإفتراضية والتعارفات المستحدثة الإفتراضية وصالونات الضيافة والمجالس الهامّة بالزوّار الإفتراضيّة، ألغت المفهوم العربي عن الضيافة وأسر المضيف أمام الضيف باحترامه والانصات لمراده وإكرامه عوادة لما جرّ الزمان عن العادات والتقاليد العريقة، فيما تحوّلت صيغة اكرام الضيف واحتوائه ممّا قد يريد، إلى إظهار محاسن المضيف وابراز عضلاته الثقافيّة و انجازاته الخُلبيّة!
والغير عاديّ في ما ربّاه أصحاب الكوفيّات وربطات العنق الضيّقة العتيقة على رقاب الأجداد، أن تتحوّل مفاهيم الضيافة كلّها بزمن الفيسبوك والأنستا ويوتيوب وتيك توك، إلى حكم المضيف على الضيف والزامه بقبول رأيه أو سماعه ورؤيته وطرده حتّى إذا ما شاء ذاك الضيف أن يبقى عددًا بين قائمة الأصدقاء المغلقة، جرّاء امتلاء العدد الأقصى والبحث عن ضيفٍ أو كما يحلو للموقع تسميته، "بصديق"..!
وفي زمن الانتشار اللا محدود واللا مسؤول على حد سواء، تتطال ثقافة التغيير في الوعي الجمعي، ليس فقط ما دوّن دون دفترٍ وقلمٍ ومحبرة، وتعدّى على عادات وتقاليد كانت تتغنّى فيها شعوب، بل وحتّى كانت تمارس حجّتها السياسية وخطاباتها الأمميّة إلى العالم، وهنا المؤشّر عليه مفهوم الضيف والمضيف، فمن حاتم الطائي وذبح فرسه ليطعم ضيفه، إلى سلطان الأطرش واعلان المعركة وحرق داره غضبًا على انتهاك مجيره، كان الضيف جيبًا من حمولة الرجال وركنًا سادساً وصلاةً ثامنة. فزدهر جود الكرم وسخيّه و آوى المظلوم حتّى الظالم إن استجار. وجميعها إكراماً للضيف!!
ومن الثقافات التي تعدّى عليها نمط التّواصل الالكترونيّ والذي إن كان تعريفه فنًا خطابيًّا عربيًّا قلّ مثيله بين اللغات. نسبة للغة التي يتحدّث فيها ألا وهي العربيّة، سيرى بأنّ الشعر هو المكمن والفريسة التالية لهذا العصر الافتراضيّ، فمن يراقب الـ"فيسبوك" العربي يخال له أن الشعر استعاد زمنه الذهبي، وأن المعلقات عادت من جديد، لكنْ على جدران الكترونية هذه المرة.
هي حمى لا سابق لها في تاريخ الشعر، إلى درجة تجعلك تظن أن القاعدة الآن هي أن "كل إنسان شاعر وحتى لو لم يثبت العكس"، وعدّاد اللايكات بيننا معيار وحكم.
لا شك أن تقنية الكتابة في هذا الموقع شعرية بالأساس. فهي تقوم على الاقتصاد اللغوي والالتقاطة الذكية والقفلة المتقنة (إلخ..)، وهو ما شكّل الإغراء الأكبر لهذا الاكتساح الشعبي.!
إلا أن الطامة الكبرى ليست في الكتابة، فهي نفسها حفلت تاريخياً بالقولبة والتنميط، بالرديء والعادي والركيك والجيد، بل في الجهل الفادح بأساسات اللغة العربية، كأن يكرّر عشرة أشخاص الخطأ ذاته فيكتبوا "قالا" بدلاً من "قال"، إضافة إلى غياب النزاهة، إذ دائماً ما يضيع نسب النص لكثرة سارقيه، ولعدد مرات سرقته.
هذا غير ألعاب الخفة والتشاطر لإبقاء النص متداولاً، وذلك بالاستجارة بالأصدقاء لـ"تلييك" قصائد قديمة كي تعود إلى الواجهة، علماً أن النشاط على صفحات الآخرين يجعل منشوراتك نشطةً نظراً إلى طبيعة الإتيكيت الفيسبوكي.
"اللايك" هو الآفة. بعدما كانت القصائد تزان بالذهب وأعمار الرجال، صارت تقاس بكبسة زر كسولة، وأصبح الأغرب من ذا وذاك أن الذين يحصلون على تلك الإعجابات يتصرفون تصرّف المحصنين، إلى جانب شعورهم بأنهم مؤهلون لأي عمل، وما من شيء صعب على الإطلاق بوفرة الرصيد. فبالبساطة التي تحوّل بها الكثيرون إلى ناشطين سياسيين دون ثقافة ووعي سياسيين؛ تحوّل الكثر إلى شعراء دون أية ثقافة أدبيّة تذكر، اللهم ما خلا ثقافة "يوتيوب" و"فيسبوك" نفسه.
صحيح أن الشعراء على "الفيسبوك" أكثرية مسترخية في حفلات إشهار لا تنتهي، وصحيح أننا نعرف المئات منهم، لكن الصحيح أكثر أننا لا نعرف مئة قصيدة.!
