حمار في حضرة الفرسان

1

اشترى أحد السَّفِلَة جحشاً من سوق الرقيق، نعم من سوق الرقيق، فعندما كان يتجول في سوق الرقيق وكزه رجلاً من الشرفاء وقال له:

اخرج من السوق وإلا باعك أحد النخاسين بثمن بُخس!

وعند خروج السافل من السوق وقعت عيناه على جحش يُشبهه بيد نخاسٍ يريد أن يبيعه، فاشتراه، وذهب إلى داره فرحاً مسروراً، فقد اشترى مخلوقاً لايشعر أمامه بالدونية.

2

رباه ورعاه على عينه، وأطعمه وسقاه مما يأكل ويشرب، واهتم به أكثر من اهتمامه بأولاده.

3

كبر الجحش، وبلغ طور التحمل، وتمرن على النهيق والعض والرفس، حتى صار يُضرب به المثل في الغدر والكر والفر.

4

زاد اهتمام صاحبه الذي يُشبهه، فاشترى له سرجاً يُشبه سرج الخيول ووضع برقبته الأجراس والشخاليل، وكلما سمع عن سباق للخيول أخذه وذهبا ليراقبا السباق من مكان قريب.

5

وراود السافل حلماً غريباً، وتلبسه الحلم وعشش في تخيلاته؛ أن حماره الذي يُشبهه صار حصاناً يستطيع أن يشترك في سباقات الخيول،

ولم يستح أن يُذيع حُلمه بين خاصته، فانتشر الخبر، فصار أضحوكة البشر.

ونصحه أحد الغوغاء من عشيرته أن يضع حماره في اسطبل أحد الشُرفاء كخادم يُركب ويحمل التبن والشعير، فتقبل النصيحة وأسرع إلى أحد الشرفاء الذي لبّى طلبه.

وعاش السافل هو وحماره الذي يُشبهه في الإسطبل، يأكلان مما تأكل الخيول، ويركضان خلفهم عند التدريب، ويحاولان النوم وقوفاً، كما تنام الخيول.

6

وذات يوم، اتفق أصحاب الجياد على يوم السباق، وحددوا الميقات، وبدأت التدريبات على أشدها، والسافل وحماره في الإسطبل يجتهدان ويبذلان أقصى مجهود ويُقلدان الخيول في حركاتها وسكناتها.

توسل السافل عند الشريف صاحب الإسطبل ليُشرك الحمار في السباق، فاستغرب الشريف من الطلب وضحك وقال:

كيف يشترك الحمير في سباق الجياد؟

فبكى السافل وركع متوسلاً أمام الشريف، لكن الشريف بطبعه الكريم وافق على استحياء، قائلاً:

الحمير بين الجياد في السباق مسخرة!

لكن خدمتكما، أنت وحمارك لنا، تمنعنا أن نرفض طلبكم.

7

وجاء اليوم المشهود، وعلى أرض السباق، وقفت الخيول على خط البداية، في انتظار صافرة البدء، والسافل وحماره على حافة الخط في محاذاة الخيول.

صرخت صافرة البدء، فانطلقت الخيول، لكن الحمار جاوب صوت الصافرة بالنهيق، وراح يتلفت يميناً ويساراً، فوكزه السافل صاحبه فبدأ الركض مُتعثراً، والخيول صارت على مرمى بصرهما،

وقعت عينا الحمار على بعرة فتوقف فجأة ليشمها، فوكزة السافل بشدة، فأعمل الحمارالرفس وانطلقت حنجرته بالنهيق وتمطوح واهتز اهتزازا عنيفاً حتى رمى السافل عن ظهره رمية عنيفة فشوه وجهه.

علق الشريف القابع في مقصورته على الموقف قائلاً:

ربى الحمارُ حماراً يُشبهه،

فشوه خلقته وحطم مفاصله.

وتسلى المشاهدون بالنكات وعبارات المسخرة.

8

ورجع السافل والحمار الذي يُشبهه إلى الإسطبل بالحسرة والندامة والذل والعار.

وكعادة الشريف، بعد كل سباق أن يستقبل خيوله بلمس رؤوسها ورقابها وإطعامهم السكر، وعندما اقترب من الحمار ليعامله معاملة الخيول نهق ورفس وازدرد السكر وعض يد الشريف، ثم تقيأ مافي بطنه برائحة العفن.

وقف الشريف بين جياده، وخطب خطبة عصماء، أنهاها بعبارة خرجت كالسهم، وهو يُشير إلى الحمار:

لا تشـتَـرِ الـحمار إلا والـسوط مـعــه

ثم أشار إلى صاحب الحمار، وأكمل عبارته:

إِن السفلة لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد