’ إنَ الضريرَ هُو أكثرُ العارفينَ بنِعمةِ الإبصَار ’ ...

إننا لا ندرك كنهَ النور حتى يُخيمَ الظلام ، ولا نقدِّر نعمةَ الصحةِ إلا عندما يدكُ حصونَنا المرض ..

وفي الحقيقة لا وجود لشيء يُدعى المرض .. ولا الظلام .. ولا حتى الخوف ، وكل أولئك الأشياء ليست سوى صفات متنحية فإذا غابت سيادة النور كان الظلام ، وإذا توارت الصحة إلى الظل كان المرض المتنحي قرصَ الشمس الساطع ، وإذا اختل ميزانُ العدل ظهر الظلم فاغرًا فاهه ليهلك الحرثَ والنسل ..

وتلك النظرية الفلسفية التي أورثنيها فضيلةُ الإمامِ الشعراوي – رحمه الله تعالى – يمكنها أن تلخص كل شيء في تلك الحياة .. فالأصل هو الخير حتى إن غاب ظهر ما يسمى بالشر .

ولذلك فإن الفطنَ هو من أدرك ذلك قبل فوات الآوان .. هو من يدرك قيمة النور قبل مجيء الظلام ، ويحمد الله على الصحة قبل أن يطرق بابه الداء .. ولكن هيهات هيهات !

ولذلك قد صح علينا الآن خصيصًا تلك المقولة المقتبسة ’’ تتفكر في المفقود ولا تشكر الموجود .. أفلا تبصرون ؟! ’’

وبهذا فإن الضريرَ هو أكثر العارفين بنعمة الإبصار .. فوحده من يخيم على عينيه الظلام ووحده من يعي فضل النور ولو لم يشهده أبدًا ! .. بينما نحن - ربما - لم نتوقف أمام تلك الحاسة يومًا ولم يتبادر لذهننا المنشغل بالزاد والزواج وجني الأموال أن نتبدر في تلك المِنة الإلهية العظيمة ..

فنعَم قد كان كفيف البصر حقًا لكنه كان بصيرَ الفؤاد .. وأما نحن فلقد أصاب الجحود بصرنا وبصيرتنا فقست القلوب وتربصت العيون فكنا نحن العميان بحق ..

والمبرر لذلك كله هو نظرية ’ المعترك ’ ..

نعم معترك الحياة ، فسكين الحياة سارقة كما يقولون ..

 تلك الطفرة التي أصابتك في مقتلٍ ما بين طفلٍ رضيع أقصى أمنياته أن يُهديه والده لعبةً صغيرةً أو دُميةً تحاكي بطلاً لأفلام الرسوم المتحركة التي يعشقها .. وما بين ذلك الشاب العشريني الذي قد شاب فؤاده قبل رأسه بعقود وعقود !

كل ذلك هو أثر ’ المعترك ’ فلقد خرجنا من صومعة بيتنا الدافئ وجناح والدينا الحانيين إلى عراء ذلك المعترك الدامي ..

فصار الخوف ودبّ اليأسُ وانكمش الفتيان وصاحت الفتيات أن أماه أين أنتِ ؟! .. وبعد تلك الصدمة تفرق الجمعُ ، فعلى العصفور أن يتعلم الطيران يومًا ما بمفرده وكما يُقال ’ فإن الإنسان لا يتعلم السباحة إلا وهو غريق ’ ..

والحقيقة أن ذلك مسارٌ طبيعي في الحياة .. فسُنة الكون في الإعمار والموت ، والحياة ممر وليست دار مقر بل هي جسر مؤقت غامض التوقيت لعالم البرزخ .. فبدلاً من أن نبكي الماضي الذي لن يعود الأَولَى أن نواكب تلك الفطرة .. وبدلاً من أن تتقوقع كجنين - لن تكون له الحياة أبدًا كرحم أُم - اغتنم شبابك قبل هرمك ،

والمعترك لا يكف عن شحذ أسنانه سنةً بعد عام .. فتجد من إغرائه الفيض الغزير وإن فشل لجأ للمشتبهات التي تحتمل التأويل .. حتى إن كف العصفور جناحه عن ذلك كله عمدَ إلى وجهه المسودِ الكظيم فأخرج سوطه وراح ينهال عليه بالضربات تلو الأخرى ..

وكل تلك الأساليب ليست بالجديدة لكن نحن من جدبَ علمنا أو ربما لم نُحذّر جيدًا من خطورة ذلك المعترك فاخترلنا الحياة الدنيا في أمان وبراءة الطفولة .. أو نحن مكابرون متعنتون نعلم وندعي الجهل !



وإليك دليل مبسط ..

قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ’’ "ليس عامٌ إلا الذي بعده شرٌ منه"،

وانظر لقول رب العالمين ’’ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ’’

وهذا الغيض من الفيض يمكنه أن يلخص الكثير والكثير .. فالزمن ثمرة قد نضجت واستوت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما زادها العمر بعد ذلك إلا عطبًا .. فبعد القمة ماذا يكون ؟!

ووقفة طويلة مع الآية .. فالله يحذرنا مرارًا وتكرارًا من ذلك المعترك ومن أساليبه الماكرة جمعاء .. ويرشدنا إلى أسرار ذلك الأخطبوط ، فكأن الله يحذرنا من أن تُسحر أعيننا بسحرٍ أشد وأعتى من كيد سحرة فرعون .. فنعم يا عبادي هناك لهو ولعب وإغراء سيجذبكم .. ونعم يا عبادي سيكون هناك أموال وأولاد ترفع المكانة وتصبح مصدرًا للتفاخر ، لكن ذلك كله لا شيء .. سحرٌ للأعين وسراب يضيع عمرك حتى إذا وصلت إليه وجدته لا شيء ’ حطامًا ’ .. والحقيقة كل الحقيقة أن ذلك المعترك مغناطيس جذّاب نحو الهاوية ليس إلا ..

ورب العالمين لم يتركنا أبدًا في الهاوية – كما يدعي الجهلاء – فمنذ هبوط آدم الأرض كانت الشريعة والمنهاج الذي يسير عليه الإنسان في ذلك الكون الفسيح .. ولم يتركنا للعشوائية والأهواء وإلا لفسد الكون وهلك نسل آدم في لمح البصر .. وإلا فكيف التجأ الأخوان إلى تقديم القربان ؟ من علمهما ذلك ؟ ولما أقدما على تلك الفعلة ؟ .. ومن الذي كانا يرجوان قبوله من رفضه ؟ ..

هكذا كان الأمر دومًا وسيظل دائمًا .. إن الله دائمًا وأبدًا معنا وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ’ الوريد الوداجي بالرقبة ’ وهو معنا أين ما كنا .. لكن هي آفة العمى وغفلة الإدراك وسحر المعترك .. فنحن نسبح في ألم المفقود ونغفل عن فيض الموجود حتى إذا أضعناه هو الآخر عدنا لنعضَ أصابع الندم ..

السؤال الذي يطرح نفسه حالاً ’ تُرى هل أدركنا الآن ؟ أم أننا ندرك ذلك بالفعل ونختار درب العمى بمحض إرادتنا  ’ فالفرق بينهما مصيري لو تعلمون .

#مُحمد_الرويني