يُراد للهولوكوست أن يكون احتكارا صهيونيا. سيُرفض باستمرار استخدام الكلمة "هولوكوست" لوصف أي مذبحةٍ أخرى. فالكلمة تحولت إلى ما يشبه العلامة التجارية (براند) التي تحقق مكاسب سياسية كثيرة، بل تحولت إلى أداة ابتزاز. 

حاول المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، قبل يومين، استخدام هذه "العلامة التجارية"، عندما علق على استخدام الأسد السلاح الكيماوي، بقوله "حتى هتلر لم ينحدر إلى حد استخدام السلاح الكيماوي"، تعبيرا عن فظاعة ما ارتكبه النظام السوري في خان شيخون. وتمت مواجهة هذا التصريح حالا في المؤتمر الصحافي نفسه، إذ سُئل سبايسر عن هذه النقطة، وأجبر على توضيحها، فأكد أنه لا يريد التقليل من فظاعة المحرقة، الأمر الذي كرّره بعد المؤتمر الصحافي في لقاءات تلفزيونية.

بطبيعة الحال، لم يشعل تصريح سبايسر فقط ردود فعل ليبرالية أميركية غاضبة من "التقليل من فظاعة الهولوكوست"، لكنه استفز الصهاينة وإسرائيل بدرجةٍ أكبر، لأنه استخدم وصف الهولوكوست في غير السياق الصهيوني. لذا طالب وزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، المتحدث باسم البيت الأبيض، فوراً، بـ "الاعتذار أو الاستقالة". وما زالت الهجمات تتوالى على الرجل، وسط تسريباتٍ حول تأزم في علاقته مع صهر الرئيس دونالد ترامب، المتصهين جاريد كوشنر، قبل هذه "السقطة".

وقد "أظهر" الإسرائيليون أيضا "تعاطفهم" مع السوريين، فتحدّث رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عن خان شيخون "يجب على الصور الصادمة من سورية أن تهز مشاعر كل إنسان. إسرائيل تدين بشدة استخدام الأسلحة الكيميائية عامة، وخصوصا ضد المدنيين الأبرياء". والسؤال هنا: لماذا "يظهر" الصهاينة "تعاطفا" مع السوريين، في وقتٍ يرفضون فيه اعتبار ما يحدث لهم "هولوكوست"، على الرغم من أنه لا يقل فظاعة ودموية عنه؟ بل في وقت يرتكب الصهاينة جرائم في حق الفلسطينيين؟ 

يتعلق الأمر باستخدام المحرقة أداة ابتزاز، واستخدام المجازر في سورية أداة تخويف. 

يكتب الباحثان الإسرائيليان، أربيلا أزولي وآدي أوفير، "نحن آخر بقعة في أوروبا ما زال فيها ماضي النازية مفيدا. فدولة إسرائيل حولت إبادة يهود أوروبا إلى ملكيةٍ قوميةٍ ورأسمال رمزي". وهنا لا يجوز، صهيونيا، استخدام المحرقة في سياقٍ مختلفٍ لسياق دعم إسرائيل، بغض النظر عن هويتي الضحية والجاني. 

أما تصريحات نتنياهو، فتأتي في سياق ما رسخه قيام الكيان الصهيوني نفسه. فالعالم منقسمٌ، من وجهة نظر الصهاينة، إلى "ضحية وجلاد"، فاختار الصهاينة أن يكونوا جلادين. يكتب جورج أورويل عن هذه الثنائية المستنتجة من المحرقة "رفع بعض القادة السياسيين الإسرائيليين هذا الدرس إلى مرتبة السياسة الرسمية للدولة، بل جعلوه حجة للدفاع عن سياستها الدبلوماسية". 

ما يريد نتنياهو أن يقوله من خلال التباكي على الضحايا السوريين "انظروا إلى ما يفعله العرب ببعضهم، لكم أن تتخيلوا ماذا سيفعلون بنا مستقبلا". وهذا لن يعني، في منطق نتنياهو، الالتفاف حول الكيان الإسرائيلي والدفاع عنه فقط، بل سيعني أيضا ارتكاب مزيد من الاضطهاد ضمن الثنائية التي رسختها المحرقة، حول "الجلاد والضحية".

يكتب جورج أورويل أيضا "المفارقة المخيفة للاضطهاد الوراثي هي توليد اهتمام دائم بعداء العالم، وبتأجيج هذا العداء والحفاظ عليه". وهنا، يأتي الدرس الأهم، والأكثر عمقا للمحرقة في القرن الماضي، بحسب أورويل "قبل ما لا يزيد عن نصف قرن مضى، كان من المستحيل تصور وقوع الهولوكوست. ومنذ نصف قرن، كان لا يزال معظم الناس يرون الهولوكوست شيئا لا يصدق. أما اليوم، فلا يمكن تخيل عالم يستحيل فيه حدوث المحرقة"، فالمجازر والإبادات الجماعية أصبحت "واقعا متفهما" اليوم، يتم النقاش بشأنها وفق القانون الدولي، وتبريرها في سياقات سيادة الدولة، أو "خصوصيات الجماعة" أحيانا! 


(صحيفة العربي الجديد)

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/4/12/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%88%D9%83%D9%88%D8%B3%D8%AA-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88-1