غرفة الانتظار
في غرفة الانتظار مقاعدُ كثيرةٌ متشابهة، جميعها لها ذات اللون والشكل مرصوصة بيدٍ صانعة، مصفوفاتٌ تخالفُ قوانينَ العلم فليسَ باستطاعتك تمييزِ صفوفها من أعمدتها، الصمتُ يلّف وجوه جميع الحاضرين.. يخيل لك وكأنهم صفعوا على أفواههم فما استطاعوا الكلامَ مجدداً، هناك أنا.. أنا الذي لم أدخل دكة الانتظار إلا وخرجت مستخدمًا سُلّم الطوارئ، هنالك ربما بما يقابلني و يبعدني بفرسخين ممرٌ طويلٌ يفضي إلى الغرفة حيثُ لا زلنا نجلس.
في حضرةِ الانتظار تمرُ الدقائق ساعاتٍ طوالٍ يتخللها مللٌ ممتدٌ إلى حيث لا تدري، تشعر وكأنّ التعبَ يلّفك وتتمنى لو باستطاعتك أن تمحوَ وتتجاوزَ هذه الجزئيات، تشعرُ وكأنك في مكانك منذ أيامٍ وليسَ ساعات، عجباً عن كونك مكانك في نظرِ القادمين الجدد وأنت في قرارةِ نفسك كنت قد رحتَ وجئتَ من هناكاتٍ وأماكنَ ليست تخطرُ على بالك زيارتها، الكثير الكثير من الأماكنِ زرتها ومكثتَ فيها ولم تتصور أنك فعلتها، عجبا ً عن كوننا جميعنا كبرنا سناً في هذه الغرفةِ فلا تثقلوا كواهلَ أرواحِنا أكثر.
في غرفة الانتظار مرايا لا تعكسُ دواخلَنا..بل تعكسُ كل شيءٍ إلا دواخلنا، في غرفة الانتظار لا تسمعُ سوى تكاتِ ساعةٍ معلقةٍ على الحائطِ وصرير باب الخروج، على الطاولة بضعُ مجلاتٍ تفتحها وتكتشفُ أنها تزيدُ انتظارك انتظاراً..فأنت تنتظر وجودَ موضوعٍ شيّقٍ يجعلك تتناسى كونك هنا في هذا المكان ثمَّ تنتظرُ بلوغَ النهايةِ لموضوعك الذي اخترت، يعتقدون أنَّ ساعةَ الحائطِ تخففُ عنك عندما تقفُ عقاربَها تعلن موعدَ خروجك والمجلات تخففُ عنك هذه المأساة.. ولكن هيهات أن يدركوا بأنّهم ليس من شأنهم سوى أن يزيدوا انتظارك انتظارات.. ويجعلوكَ على يقين بأنَّ انتظارك محشوٌّ بانتظاراتٍ أُخرى.
"
الانتظار كما أراهُ من مقعدي الذي بات فارغاً، يتضاءلُ شغفي بالأشياء التي كنت أنتظرها حيالَ مغادرتي المكان، كلما ابتعدتُ أكثر كلما تراءت لي الأشياء صغيرةً جداً
"
تشعرُ وكأنَّك تنتظرُ كلَّ شيءٍ ولا تنتظرُ شيئاً، أو ربما العكسُ تماماً. فأنتَ تنتظرُ قدومَ وقتٍ أو موعدٍ ما، في مكانٍ ينتظرُ فيه الذي تنتظره شيئاً ما، لا ندري أينَ سنصلُ ولا متى الميعاد، نمشي ونمشي ونمشي ولا نزالُ نمشي حتى في جلوسِنا وسقوطِنا.. ولكن هل يعقلُ أن يتخللَ مشينا الانتظار؟ لا عليك فنحنُ شعبٌ اعتادَ الانتظار.. أو نحنُ أصلاً في حالةِ انتظارٍ كما كنا منذُ قديمِ الزمان، فلو سنحت لك الفرصةَ لوجدتَ الحديثَ ذاته يتخاطرُ في نفسِ كنفاني عندما قال: "إلى أين؟ لسنا ندري…كل ما نعرفُه هو أنّ غداً لن يكونَ أفضلَ من اليوم.. وأنّنا ننتظرُ على الشاطئ، بلهفةٍ، سفينةً لن تأتي.. وبأنه حكمَ علينا أن نكونَ غرباء عن كلِ شيءٍ…سوى عن ضياعِنا". نعم فنحنُ ضائعون تائهون لكونِنا هنا!..
لستُ أخفيكم سراً بأنَّ الوقتَ عندي طويلاً جداً، لا أقصدُ جداً تلك التي نستخدمها أحياناً في مجاملاتِنا الكاذبة، الخياراتُ أمامي ممزقةٌ وكأنَّها تلبسُ لباساً ما عادَ يناسبها، أَقومُ أرتجلُ في ذاك الممرِ الذي يفضي إلى غرفة الانتظار التي نجلس، ولكنَّه ممرٌ طويلٌ وفارغٌ تماماً وكأنَّ المشيَّ فيه هو عقابٌ من نوعٍ آخر، كلُّ ما يواسيني فيه هو كوني المتبني لقولِ نيتشويه (الأفكارُ العظيمةُ تأتي أثناء المشي )، ها هو موعدُ خروجيَّ قد حان..أَظنّني أحياناً ممن يهولُ الأمورَ فيصنعُ جبلاً من فتاتاتٍ يدوسها البعضُ وكأنَّها الغبار، لكن يبقى الانتظار رغمَ كلِ شيءٍ أمرٌ صعبٌ للغاية.
في الانتظار، يُصيبُني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة:
ربما نسيت حقيبتها الصغيرة في القطار،
فضاعَ عنواني وضاعَ الهاتف المحمول،
وربما انشغلت بأمر طارئٍ أو رحلةٍ نحو الجنوب كي تزور الشمس، واتصلت ولكن لم
تجدني في الصباح، فقد خرجت لأشتري غاردينيا لمسائنا وزجاجتين من النبيذ
وربما اختلفت مع الزوج القديم على شؤون الذكريات، فأقسمت ألا ترى رجلاً
يُهددُها بصُنع الذكريات
وربما اصطدمت بتاكسي في الطريق إليّ، فانطفأت كواكبٌ في مجرتها.
وما زالت تُعالج بالمهدئ والنعاس
وربما ماتت،
فإن الموتَ يعشقُ فجأة، مثلي،
وإن الموت، مثلي، لا يحب الانتظار.
