نكتب، لأن الكلمة لا تموت .. نكتب حتى يُسمع صوتنا في غيابنا ..نكتُب، لنترك أثرًا بعد رحيلنا.
شتاتٌ وفوضى، أمل وألم
شارفت الشمس على الغروب، يتسلل ضوءُها الخافِت على استحياء إلى الغرفة في محاولةٍ لبعث الأمل في نفسي قبل أن تذهب بعيداً وتتركني وحيدة في ليلة طويلة أضلّ الصباح المُستنير سبيلَهُ إليها.
ادور في الغرفة يميناً ويساراً، ألتف حول نفسي، يتآكل قلبي وينخر الألم في روحي، وجعٌ ينغصُ عليّ حياتي، انقباضة أيسر صدري تُضيّقُ عليّ الأرض بما رحُبت.
لم تَعُد تُسعفُنِي الدُموع كما كانت تفعلُ سابقاً، لطالما كانت ملاذي وملجأي للتخلص من غصة علقت بقلبي، بأن أفُكّ أسر دمعي، فـ ينفكُ معه أسر روحي.. أرى نفسي الضعيفة أمامي بكل ما بها من حسن وسوء أتقبلها كما هي وأترك لها العنان، لأنتهي من بكائي فـ تهدأ به روحي، لكن لازالت تلك الانقباضة في صدري تُؤلمني ومازال أثرها باقياً ما بقيت.
أحاول البكاء .. لا أقدر عليه..
استجديه .. فلا يُجيب ندائي واستغاثتي..
ارتجيه فـيصدّ عني وينصرف وكأنه يعاقبني على كلّ مرّة حبستُه فيها، وتحجرت الدمعة في عيني.
أظلّ على تِلك الحال ذهاباً وإياباً بين الشرفة والباب وأسترق النظر بين حين وآخر أرقب الشمس تفارقني غير آبِهةً لما يعتمل في صدري، من خوف وألم لا أدري هل سيُكتب لنا اللقاء ثانيةً، أم أن هذا هو الفِراق الأبدي الذي لطالما ارتعدتُ خوفاً منه!
يحاصرني الحزن وفي لحظة ضعف يظفر بي الألم، أرى سِجني وسجّاني يبكي فؤادي دمًا وتأبى عيني إلا أن تحبس نفسها عني وتُحجّر الدمع في مقلتي بلمعة تُظهِر جليّا قوّة صبري وهنَ رُوحي.
حينها هرعتُ إلى قلمي ودفتري، احتضنُ قلمي ويحويني دفتري، أبُثُ له شكوّاي فَـ يذكرني بقوّتي، احكي له عن ألمي فيتفهمُ ضعفي ويحنو على قلبي.
رأسي يدور بين ألف قضيّة وأخرى، حول اختباري في الغد، حول مستقبلي القريب قبل البعيد، افكرُ حيال ما فعلت! وما سأفعل! وما عليّ أن أفعل! ما أخطأت فيه! وما ندمت عليه!
أفكر حيال كلّ شيء في لحظة واحدة .. يتشتت عقلي وييأس فؤادي وتتلقفني أمواج الكآبة ..
يرأف قلبي لحال نفسه ويظلّ كما هوّ في زاويته يبكي ألمه.
تُشفق الروح على حالها تُنارع أملاً في المستقبل، وألماً متجسدًا في الحاضر.
وما بين أمل وألم ..
بؤس وفرح ..
ضيق وسعة ..
حرية وسجن ..
استسلام ومقاوّمة ..
ضعف وقوة..
أبت نفسي العزيزة أن تنشر الأمل رغم حاضرها المؤلم، أن تعتنق الفرح رغم ما يحيطها من بؤس، جُبلت روحي على السّعةِ رغم ضيق الأفق، وعلِمت أنّه لا معنى لحياتي ما لم أكُن قوّية، ولا معنى لـ قوّتي إن لم أقاوم وأتصدى للحياة في حروبها الضروس ضدّي.
أسقِي ورود قلبي بجميل خيالي، فتزهر به روحي (والله أسأل بفضلّه ومنّتِه أن تُزهر معه أيامي وتزول به انقباضة صدري) موقنةً أنّه لا معنى لضيق الأفق ما دامت السّعة كلها بروحي، ويظفر الأمل بقلبي ما دام يدفعني الخير وكُلّي اخلاص وصبر أمضي في طريقي لقطع رحلة الحياة دون توانٍ أو تمهل، يؤنسُني ويُسلّي عني قول الأمام "إنَّ جَنَّتي وبُستاني في صَدري، أين رُحت: فَجَنَّتي مَعي ولا تُفارِقُني، إنَّ حَبسي خلوةٌ، وإخراجي مِن بلدي سياحةٌ، وقتلي شهادة".
يا رفيق، تيقن أنّ نقاؤك من نقاء روحكَ، وجمالك من جمال قلبك وأنسُه بربّه، وإن خُباتَ في قفصٍ وإن حُوصِرت في قلعة، فلا تعبأ بما حولك وامضِّ في حال سبيلكَ إلى حيثُ أُمِرتَ، بصبر ومُثابرة ومنه العون لا محالة.
*مع غروب شمس يوم الجُمعة في الليلة السابعة عشرة من شهر تموز.
