Image title

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من التشريع الإسلامي والتدبير العقلاني دأب الناس على التحضير الجيد للأسرة قبل تكوينها ، إذ يقبل العاقل على بنائها في الذهن قبل الواقع ، في التخطيط قبل الحقيقة ، فيمني الرجل نفسه بأخوال لأولاده قبل المصاهرة ، والمرأة تأمل في أعمام لأولادها قبل الزفاف إلى زوجها، ينتج عنه سؤال كل أحد عن الآخر قبل الإقدام على المشروع ، بل والتعرف كذلك على خبايا وأسرار كل منهما لدى الآخر ، أو كما يشاع عند الشباب "التعرف على العقلية والذهنية".
ومن التشريع في ذلك سنة نظر الخطيبين إلى بعضهما بحضور محرم لها ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» قطعة من حديث رواه مسلم.
أما بعد الخطبة وركون الأولياء إلى بعضهما فلا رؤية ولا شيء آخر حتى يتم العقد الشرعي أوما يسمى عندنا في الجزائر الفاتحة ، هذا منطق التشريع .
ومع أن خروج المرأة في القديم إلى الشوارع كان نادرا ، وبالتالي ندرة لقياها بالرجال ، أما الآن وقد خرجت النساء إلى الشوارع وزاحمنهم في المدن والمعامل والقاعات وغيرها أمكن الاختلاط بهم ، فحدث تخاطبهن معهم، وظهرت متزينات لابسات ما يكشف ويشف.
مما سهل على الشباب خائنة الأعين فيهن ، وأصبح تخطيط الزواج يحاك في الشوارع وأماكن تواجد النساء قبل قصد البيوت ، أين يمكن رؤية الفتاة وهي تمشي ، وتعمل ، وتدرس في الثانوية والجامعة وغيرها ، بحضورها إلى كل هذا أمكن التعرف على بعض مظاهرها من لباس وسلوك وثقافة ، وأصبح أمرا متيسرا .
لو توقف الأمر على هذا الحد لأمكن تجاوزه إذا أقنعتنا مظاهرها وقصد الشاب بيت والديها وأهلها لخطبتها ، وتم السلوك الحضاري الإنساني في ترتيب الأمور.
لكن التجاوزات التي نجدها من شباب يتقدمون لمصاحبة فتيات ، خاصة في فترة قوة الشباب المعروفة بفترة المراهقة ، وإذا سألت الواحد منهم أجابك بأنه مشروع زواج ، ويريد التعرف عليها وعلى عقليتها وذهنيتها قبل الإقدام الرسمي على الخطبة ، وهي كذلك ربما تجيب بالعبارة نفسها.
إن ما ينبغي على الشباب علمه على الأقل أمرين :
1 / عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» رواه البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلم.
يستحيل أن يغيب الشيطان عن خلوة كهذه تعتبر فرصة له ، إذ حينها يستدرج الرجل بالأخص كيفية الإيقاع الجنسي بها.
2 / إن أمر التعارف خارج النطاق الشرعي دائما يحمل طابع الكذب ، بإخفاء المساوىء وإظهار المحاسن فقط ، فاللقاء الذي يتم بينهما قصير المدة ساعة كان أم ساعتين أم ثلاثا ، إذ يتعمدد ويطيق كل منهما مقاومة ضغط الكذب والإخفاء لأن كلا منهما سيفارق صاحبه ثم يتحرر نفسيا ، وهكذا يتكرر الأمر يوميا.
إن تعمد مثل هذا الكذب يرضي الطرفين عن بعضهما لأنـهما لم يجدا سوء بل رأيا المحاسن فقط ، فيقبلان على ترسيم الزواج ويتم.
لكن اللقاء في البيت ومكان العشرة ليس ساعة أوساعتين فقط إنما هو الدهر كله ، أين لا يطيق أي منهما إخفاء سلبياته ، وحينها يكتشفان الكذب السابق من كل منهما.
فإما يعيشان حياة الشك والحذر من كذب آخر ، أوربما يصل إلى الفراق ، وبالتالي يمكن لنا القول إن ذلك كان سببه التعارف غير الشرعي ، أو نقول كذلك إن العلاقات غير الشرعية كانت تخطيطا للفراق لا للزواج.
3 / إن تلك اللقاءات غير الشرعية ليست إلا إهانة لها ، وتشويها لعرضها .
ليعلم شبابنا أنـهم بذلك يسيئون إلى شرف بنات الناس، لأن العاقل يخطط لأسوأ الاحتمالات ، فليفكر هؤلاء في حالة فشل المشروع ، كيف يكون مصير شرف الفتاة خاصة عند الناس وألسنتهم اللاذعة ، وأحكامهم السليطة.
إن المجتمعات ألفت التجاوز عن الرجل إن تدنس شرفه ، أما المرأة فلم أجد من أشفق على شرفها إذا تدنس ولو بسبب شبهة.
فلينتبه شبابنا إلى هذه الأوهام التي يحتجون بـها مخططين لهدم البيوت بدل بنائها على أسس سليمة متينة قوية ، وأنصحهم بأن الحق والصواب في التزام الشرع ، ناقلا لهم مقولة شعبوية {{من ترك شيئا من الشرع اشتاقه}} ، كي لا يندمن أحدهم ولات حين مندم.