ولكن ... نستودعك الله

22/5/1438هـ

أما وقد واراك التراب،،،

 وارتاح الجسد الطاهر من وخز الإبر وألم المرض،،،

 فلست بحَزِنٍ عليك، وقد علمتُ مما علمني ربي: إجماع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة. (شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 421).

لكن فكري يجول:

 بين أب مكلومٍ وأم حزينةٍ وإخوة حيارى، لم تُبقِ لهم غيرَ جهازٍ يذكرهم بآلامك، وملابسَ تفوح بعطرك، وذكرياتٍ تتقافز أمامهم هنا أو هناك.

وبين جدٍ وجدةٍ وأعمامٍ وعماتٍ كانت قلوبهم تفيض لك بالرحمات، وألسنتهم تلهج لك بالدعوات، قد غاب عنهم سحرُ ابتسامتك، وبهاءُ طلتك.

فقل لهم يا محمد:

 أنا كنتُ صفيَّكم، وَ ربي يقولُ في الحديث القدسي :(( ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)). البخاري 6424

قل لهم يا محمد:

إن لكم دارين ، دارَ ارتحال ودارَ إقامة، وأمركم ربي أن تعمروا دارَ الإقامةِ ببعضِ ما آتاكم في دارِ الارتحال، وقد أخذني منكم كَرْهاً لأسبقكم هناك، فتأتون لدار الإقامة وقد تجملت لكم بما تحبون من أهلٍ وولد.

قل لهم: لقد كنتُ لكم زينةَ الحياةِ الدنيا، وأنا لكم اليوم من الباقيات الصالحات.

قل لهم: إن ما عند الله لي خير مما عندكم، وثواب الله لكم خير من بقائي بينكم.

قل يا محمد لمن كان يتمنى لو اقتطع مِن عمره ليفديك، ومِن حياته ليبقيك،

قل للذي لو كان يقدر حَمْلَ أَلَمِكَ عنك لَحَمَلهُ، وغَسْلَ دَمِكَ بروحِهِ لَغَسَله..

قل يا أبواي:

 إنكما لو أبقيتماني بين يدي طبيب في مستشفى، أو في حضن جدي وجدتي ما قلقتما عليَّ، فكيف يساوركما حزنٌ - الآن - أو قلقٌ ؛ وأنا بين يدي أرحم الراحمين؟

قل لهما: أنا بانتظاركما، لا تأتيان بابًا من أبواب الجنة إلا وجدتماني أنتظركما، وأسعى لأفتح لكما؟ (صحيح سنن النسائي، 2/ 404)

 أبواي: ابتسما، فأنا - إن شاء الله - من دعاميص الجنة([1]) ، وقد أخبركم حبيبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صغارُهم دَعاميصُ الجنة ، يتلقى أحدهم أباه - أو قال أبويه -، فيأخذ بثوبه - أو قال بيده -، كما آخذ أنا بصَنَفَةِ - أي: طرف - ثوبِكَ هذا، فلا يتناهى - أو قال فلا ينتهي - حتى يُدخله اللهُ وأباه الجنة» (صحيح مسلم 4/ 2029).

 قل يا أحبابي:

لا أراكم الله بعد مصيبتكم بي، أَلَمَاً يُشقيكم، ولا مصيبةً تُنسيكم، وإلى لقاءٍ بإذن الله.

شكراً يا محمد... فقد جمعت القلوب، وألهبت المشاعر

إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا

وإنا لفراقك يا محمد لمحزونون.

ولكن... نستودعك الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) قال النووي في شرح مسلم (16/ 182): "واحدهم دعموص - بضم الدال - أي صغار أهلها، وأصل الدعموص دويبة تكون في الماء لا تفارقه أي أن هذا  الصغير في الجنة لا يفارقها".