طالما يصطاد الصحفيون المنكوسون والمؤسسات الاعلامية المشبوهة ؛ في الماء القذر ؛ اذ قد  يستغلون الظروف الصحية لهذا السياسي او ذاك ؛ فبعضهم يبلغ من العمر عتيا ويصاب بالخرف والزهايمر والبعض الاخر يصاب بالأمراض المزمنة والتي تؤدي الى اصابة المسؤول المريض او السياسي المنهك ببعض الحالات النفسية والشد العصبي والتوتر ... الخ ؛ بالإضافة الى استغلالهم للخصومات السياسية بين الساسة والمسؤولين  ... .  

ولعل لقاءات اياد علاوي ومن على شاكلته ؛ دليل على ما ذهبنا اليه ؛ ومن مهازل لقاءه بصحيفة الشرق الاوسط ؛ انه ادعى نزاهة صدام ؛ وقد ربط بين امرين ومن خلالهما توصل الى نتيجته الفنتازية ؛ اذ قال : بما ان صدام لم يسجل اي عقار باسمه الصريح ؛ اذن صدام كان نزيها ...!! 

ومتى كان الدكتاتور يعير اية اهمية للقوانين او لدوائر الدولة بما فيها دائرة التسجيل العقاري ؛ وهل يعقل ان يذهب صدام بقدميه ليسجل املاك وعقارات باسمه ؛ والعراق  كله ملك يمينه ... ؟؟!! 

 فصدام لا يحتاج لان يكون عادلا او منصفا او نزيها او رحيما او طيبا او شريفا او محقا  ... الخ ؛ يكفيه أن يريد  هو ؛  و يحكم كما يريد  بلا منازع او معترض او شريك ؛ ولسان حاله كما قال الشاعر في احدهم :

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ***  فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ.

ولا تستغرب من ذلك فقد مدحه شفيق الكمالي السوري  قائلا :

لولاك ما نزل المطر *** لولاك ما نبت الشجر

لولاك - يا صدام - ما خُلق البشر

فقد حول صدام الخسيس الى واسطة الفيض الالهي كما يقول العرفاء , اذ جعله العلة الغائية والتي من اجلها خلق الله : الكون , وبسببها هطل المطر ونبت الشجر ؛ فلولا ابن صبحة لما خلق الله البشر 

ولم يكتفِ بهذا فقال ايضاً

"تبارك وجهك القدسي فينا ... كوجه الله ينضح بالجلال"

وقال : رأيت الله في عينيك” ؟ 

فهل يحتاج الله – تعالى الله عما يصف المنكوسون – الى تسجيل العقارات باسمه ... ؛ و هل يحتاج من قرن العراق باسمه  - اذا قال صدام قال العراق – الى تسجيل دار هنا او بستان هناك باسمه ...؟؟!! 

وعليه لا تستغرب من تصرفات صدام ؛ فهو كل يوم في شأن ؛ فقد ينصبك بطلا من ابطال محرقة القادسية الطائفية , ويعطيك وسام الشرف ؛ ليرجع عليك بعد ذلك ويفصل راسك عن بدنك ... ؛ وقد يقربك اليه ويغدق عليك , ومن ثم يسجنك ويصادر اموالك , وقد يعربد ويسكر في ليلة عاشوراء ويكرم المتزوجين في هذه الذكرى الاليمة ؛ ثم يأمر زبانية البعث بالطبخ في عاشوراء وتوزيع الطعام على اتباع ال البيت تخليدا لذكرى جده كما يدعي افكا ودجلا ؛ وقد يتبنى العلمانية ويصف التدين بكل مدارسه واشكاله بالرجعية ؛ ثم يرجع القهقرى الى الوراء  , معلنا عن دعوته الدينية الجديدة ( الحملة الايمانية ) ومنصبا نفسه قائدا لها ؛ وقد اطلق على نفسه عبد الله المؤمن وكتب كتاب القران الكريم بدمه النجس ... , فهو يعطي ويصادر ويفقر , ويعفو ويغفر ويسجن ويعاقب , ويقتل ويميت ويطلق سراح المعتقلين ... الخ ؛ بمزاجه وهواه ؛ ومثل هكذا شخص يحتاج الى ان يمرغ نفسه في دوائر الدولة البائسة والتي اعدت لتعذيب و ( بهذلت ) المواطنين والمراجعين بسبب الاجراءات الروتينية والقوانين الظالمة والفساد ...؟؟!! 

واليكم دليل دامغ على نزاهة صدام والتزامه بالقوانين وعدم تقربه هو وعائلته القذرة من المال العام ... ؛ ففي عام 1992 طلب عدي صدام  من وزير المالية حكمت الحديثي ؛  تحويل مبلغ من المال الى حسابه الخاص ؛  فشرح له الوزير ان الخزينة فارغة تقريبا ,  وان ما تبقى مخصص لشراء الغذاء والدواء لفقراء العراقيين  , وان المبلغ الذي طلبه يكفي لسد حاجة الاف العائلات العراقية  لعدة شهور ... ؛  فغضب عدي وابلغ والده النزيه  عن تمرد وزير المالية ... ؛ فماذا تعتقد ردة  فعل صدام  اتجاه ابنه المستهتر بأموال الشعب ؟! 

لا شيء ، فقد قام باستدعاء الحديثي و وبخه بشدة ...  ! 

 وقال له :  (عدي سيدك) ! 

وامر الوزير حكمت الحديثي ان يذهب الى بيته مشيا على الاقدام وينفذ طلبات عدي في اليوم التالي ...(1)  ؛ هذه النزاهة على اصولها ؛ هكذا النزاهة والا فلا ... .

وماذا عن القصور الصدامية اللعينة التي  كانت جنة للجلاوزة المجرمين والعملاء الجلادين وجحيما للعراق والعراقيين ؛ اذ تشير التقديرات المتوفرة إلى نحو 80 مجمعا رئاسيا شيدها المجرم الوغد صدام في عموم مناطق العراق بتصاميم مختلفة وخبرات اجنبية ، وقد كلفت ميزانية العراق وخزينة الدولة عشرات المليارات ؛ فقد قدر البعض تكلفتها الاجمالية ب 80 مليار دولار ...!!

هذه الاوكار اللعينة سماها مرتزقة الفئة الهجينة وازلام النظام البائد  ب (( قصور الشعب )) .

والحق انها اوكار العملاء المتآمرين على الشعب العراقي العظيم , واماكن المرتزقة الجلادين والقتلة المأجورين ومعتقلات لأحرار وابناء العراق المظلومين .

طالما لفتت هذه القصور الرئاسية انتباه كل من يشاهدها من بعيد ، ويعتري الفضول كل من نظر لأسوارها العالية وأبوابها المؤصدة ، من يسكن بها ؟ ما طبيعة حياتهم ؟ ماذا يجري بها ؟

هذه القصور اللعينة كانت قلاع رعب ؛ فالويل لمن يقترب منها ولو بطريق الخطأ , والويل لمن تعطل سيارته بالقرب منها , والموت لمن اشار اليها بيديه ... انها محرمة على الشعب وكانت تسمى قصور الشعب !!

فقد كان صدام مولعا ببناء قصور فخمة وكثيرة بعد عام 1991 ؛ وذلك كردة فعل لإذلاله واهانته وسجنه بموجب قرارات مجلس الامن الخاصة بالحصار والتي بموجبها منع شخصيا من زيارة اي بلد ومنع كافة افراد حكومته من السفر الى الخارج الا عن طريق الاردن حصريا واخذ يشعر بالمهانة امام دول الخليج فاراد ان يعبر عن غلواءه وكبرياءه بهذه القصور الخيالية التي انهكت خزينة الدولة - ( لان اكثر معداتها الكهربائية والصحية كانت تستورد من ارقى الشركات الغربية وبأسعار باهظة جدا مقابل العملة العراقية المنهارة ) بينما كان الفقر ينهك الطبقة الفقيرة والمتوسطة واصبح الشاب العراقي يسافر الى الاردن او اليمن او ليبيا من اجل الحصول على لقمة العيش له ولعائلته وهكذا شدد هذ المستهتر الارعن من وطأة الحصار على الشعب لان اموال القصور لو كانت توزع بشكل عادل على الشعب لغيرت من واقعه المؤلم بشكل جذري.

وصدق من قال (ثلثين الولد لخاله ) ؛ فاذا اردت معرفة حقيقة نزاهة صدام ؛ فأنظر الى خاله الشاذ ؛ وحرامي بغداد الشهير المجرم خيري طلفاح , الذي عين محافظ لبغداد عام 1968 خلال اول وصول البعث  للسلطة ؛و لقب نفسه ب"والي بغداد" ولقبه البغداديون بلقب ادق واول لقب من نوعه "حرامي بغداد" ... ؛ و منذ الايام الأولى لتسلمه المنصب امتهن الاستحواذ على البساتين والأراضي الزراعية والمزارع الخاصة والعامة  والقطع العقارية التجارية والسكنية والبيوت  والقروض الزراعية والتجارية والصناعية وتحويلها الى منح واطفائها وتتكرر العملية... ؛  و كان اي بستان او ارض زراعية او مزرعة او قطعة عقار تجارية او زراعية مميزة على اكتاف الانهار او الشوارع او الأحياء الفاخرة يقوم بشرائها وتحويل ملكيتها  بالقوة وان رفض صاحبها يتم ابتزازه  بإلقائه  في السجن حتى تتم عمليه البيع ونقل الملكية ... ؛ وكان منصبه كمحافظ بغداد يمنحه صلاحياته تمتد الى اقضيتها و نواحيها والتي كانت تشمل سامراء وتكريت اضافة الى اقضية بغداد اليوم ... ؛ و اسس جمعية خير .. طلفاح لبيع وشراء الاراضي ... ؛ واطلق اسمها على احدى احياء الدورة حي جمعية خير .. طلفاح التي امتلكها من الدولة وباعها كقطع سكنية ... ؛ و كان يزور قضاء تكريت ويجلس في قائمقامية المدينة ايام الجمع ويقوم بطرح عروض وتوزيع الاراضي الزراعية والتجارية بالآلاف ( الدوانم ) واصدار سندات ملكية لمقربين ... ؛ و قرر بناء اول قصر في تكريت له على ارض اثارية  و المعروفة  بمزار الاربعين وكاد ان يسويه بالأرض ... ؛  ثم نقله الى مكان تاريخي اخر الا وهو  قلعة تكريت ... ؛ وكانت تكتب تقارير حزبية وترفع شكاوى عن نشاط الحرامي المأبون  خيري  واستغلاله لمنصبه واستحواذه على الاراضي والبساتين والعقارات  ... ؛ وتصل للرئيس البكر والنائب صدام ولكنها كانت توضع على جنب ولا يتم اتخاذ اي اجراء ضدها ... ؛ و كان ابنه لؤي  وابنته الهام يسافران عدة مرات بطائرة خاصة  ( بوينك 747 )  الى الولايات المتحدة وكولومبيا ؛  لشراء الذهب والاحجار  الكريمة والبذخ على اغلى الماركات والسياحة  ... ؛ في السنوات الأولى من الحرب العراقية الايرانية (2) ... 

وكيف لا يشبهه صدام خاله الحرامي ؛ وهو الذي نشأ  في بيته , وتربى على يديه القذرتين , وتزوج من ابنته ساجدة السارقة , فهم عبارة عن عائلة قذرة فاسدة مجرمة ؛ اشبه ما تكون ب ( لملوم ) العصابات والمافيات الاجرامية . 

.........................................

  •  1-موجز تأريخ العراق  / د. كمال ديب  /  ص 229  / بتصرف . 
  • 2-شهادات عديدة لبعثيين سابقين احدهم صلاح عمر  العلي التكريتي عضو مجلس قيادة "الثورة" 1968 .