بينما انت هذا الرجل الستيني الذي خط الشيب راسه وحفر الزمن علاماته على صخور وجهك، وبينما انت ماضٍ في حياتك اليومية الرتيبة الجادة التي لا مرح فيها ولا هزل تحث الخطى نحو الدار الآخرة راجيًا رحمة الله ومغفرته، فجأة وانت وحيدًا في الليل تطالع كتابًا عن الفكر السياسي تصل الى مسمعك اغنية حزينة بموسيقى عميقة يتوسطها انين الكمان الباكي!!(تجد الأغنية هنا)... اغنية عاطفية تهتز لها حنايا القلب يروي فيها الشاعر العجوز قصة حبه المنسية!!.... تشد انتباهك تلك الاغنية الحزينة وبكاء ذاك الكمان الذي يشبه الانين!، فيحدث ما لم يكن يخطر ببالك !! ... فذلك الحب القتيل المدفون في مقبرة قلبك منذ عقود طويلة أطل فجأة برأسه، في ظلام تلك المقبرة، وأخذ يختلس النظر الى حارس المقبرة العجوز المطرق الرأس على مقعده القديم يغط في النوم!!، فيما الموسيقى بايقاعها الحزين تملأ المكان! ، وصوت ذاك الشاعر المطرب يغني اغنية حبه المفقود، والكمان من خلفه يبكي !! ، فلما تأكد شبح ذلك الحب القتيل ان الحارس غارقًا في نومه نهض من قبره وهو ينفض التراب عن كامل جسمه وعن وجهه الذي يشبه وجه ذاك المهرج الحزين!... نهض من قبره في حيوية عجيبة ثم أخذ يرقص على انغام تلك الاغنية وسط الليل، وسط الظلام، يرقص رقصًا هادئًا متناغمًا مع ايقاع تلك الأغنية الحزينة، رقصًا حزينًا يزداد اهتزازًا مع تدفق ايقاع الموسيقى!، يرقص وهو يتلوى ويهتز في انسياب وانسجام، يمينًا وشمالًا، كحال ذلك الراقص الصوفي الغارق في طربه الروحي على ايقاع الدف!!، يرقص حول قبره، يحركه حنينه لذاك الزمن البعيد ، زمن الحب المفقود ، يرقص ويهتز وعيناه تدمعان !!... ولكنه، فيما هو غارق في رقصه الحزين،  لم يتفطن الى ان حارس المقبرة العجوز كان قد استيقظ من نومه وأخذ يراقبه من خلف ستار الظلام من بعيد في هدوء ودون خوف، ذلك الحارس العجوز الذي تعوّد منذ زمن طويل على رؤية أشباح الموتى يخرجون من قبورهم ليلًا يبحثون عن احبتهم او يغنون اغاني الزمن القديم وهم يبكون !!.. وظل يراقبه في هدوء وقد اعجبته تلك الاغنية واثارته رقصة ذاك الشبح المسكين!! ولم يلبث غير بعيد حتى هيجت تلك الاغنية ذكرياته القديمة، ذكريات حبه الضائع ايام شبابه!!، وحبيبته التي غادرت بعيدًا مع رجل ثري نحو المجهول وتركته يلعق مرارة جراحه وحيدًا عبر السنين لينتهي به الأمر هنا بعيدًا عن ضجيج وجنون المدينة كحارس مقبرة مهجورة!!.... آه يا الهي!! لقد استيقظت تلك الذكريات !! استيقظت من نومها العميق وايقظت جيوش الاحزان والشجون !! ، ايقظتهم على عجل بينما غناء ذاك المنشد المطرب القادم من المجهول يملأ سماء وأرض تلك المقبرة المهجورة!، يغني ويشدو كطائر حزين يروي قصة حبه القديمة المخفية !! وذاك الشبح منهمكًا في رقصته الحزينة حول قبر حبه القتيل في هيام عجيب!!... عندئذ لم يتمالك ذاك الحارس العجوز، وقد اشجته تلك الأغنية العاطفية، الا أن يشارك ذلك الشبح المسكين رقصته الحزينة فأخذ يرقص ويهتز في طرب وهيام وعيناه تذرفان الدموع !!


عند هذا الحد، ووسط هذا الحفل الليلي الحزين، وجدت نفسي منجذبًا اليهما بكل كياني كالمسحور بانسياب عجيب لأشاركهما تلك الرقصة الحزينة!، فقد اشجاني ما اسمع وما ارى الى حد عظيم حتى بتُ كما لو انني طير ذبيح يتخبط في دمه، ويرقص رقصته الأخيرة!... فأخذت ارقص معهما في انسجام وبكل هيام متذكرًا ذاك الزمن البعيد ، وحكاية حبي المخفية!!...... وظللنا طوال تلك الليلة، ثلاثتنا ، (ذاك الشبح وحارس المقبرة وانا) ، نهتز طربًا حزينًا بلا هوادة، بشفاه باسمة وعيون دامعة!، حتى ساعات الفجر الاولى !!، ليعود، عندها،  ذاك الشبح الحزين الى قبره ويختفي عن الانظار! ، ويعود حارس المقبرة المسكين الى مقعده الخشبي العتيق ليواصل نومه، ولأعود بدوري الى مواصلة قراءة ذاك الكتاب في الفكر السياسي باحثًا عن (الطريق)!!!
♡♡♡♡♡♡♡
اخوكم المحب
سليم نصر الرقعي

(*) استمع للأغنية بالضغط على الرابط : متيم بالهوى | غناء الفنان خالد الملا | ألحان للفنان كرامه مرسال 

(**) الصور من تركيبي بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي (Bing)