عراق صدام الذي كان يتغنى به مرتزقة العرب  كان يستبطنُ جحيمًا لا يعرفه حقًا مَن لم يدخله  ؛ ويرمى في دهاليزه , وتلسعه سياط النظام ؛ فعندها يكون بصره حديد . 

وبما ان جلادي النظام البعثي التكريتي كانت تربطهم بالاتحاد السوفيتي علاقات طيبة ؛ قاموا باستغلالها من اجل العمل الثوري المنكوس ومبادئ الحزب والثورة الدموية القذرة , اذ ذهبوا الى موسكو ودول الاتحاد السوفيتي لتعلم اخر ما توصلت له العقلية الدكتاتورية والاستبدادية الشيوعية الحاكمة فيما يخص فنون التعذيب والتحقيق وسحق المعارضين وتدمير المواطنين وبأحدث النظريات العلمية وادوات العذاب الصناعية المبتكرة ... ؛ فقد تطوّرت بعض النظريات العلمية الخاصة باضطراب الفصام الذهاني في القرن العشرين من خلال أطباء الاتحاد السوفيتي؛ حيث ابتكر "أندريا ستيزنفسكي" نظامًا تشخيصيًا جديدًا جعل من بين خصائص الاضطراب الفصامي: "وجود ميول إصلاحية" تجاه السُلطة (1) . 

نعم عزيزي القارئ إذا راودتك أفكارٌ حول السُلطة  البعثية التكريتية ومعارضتها أو إصلاحها او مجرد نقدها او الاستفسار البريء عن قرارات الحكومة الغاشمة  الهجينة ، أو وجدتَ من نفسك إحساسًا بالفهم المتجاوز، ورغبةً في النشاط الحركي السياسي  في هذا الاتجاه او ذاك , او اندفاعا نحو الالتزام الديني وفقا لمذهب التشيع ؛ فأنت مريض نفسيا ، بل و تعاني من خلل عقلي وفصام ذهاني ، وزبانية  صدام والبعث وتكريت وجلادو الفئة الهجينة  يعرفون علاجًا للمساكين ( المكاريد )  أمثالك. 

لا يعدو هذا المنطق أن يكون جزءًا من العقلية السياسية الاستبدادية التي سادت في الحُكم الشيوعي، والتي كانت تتعامل بمنهجية صارمة ومخيفة مع مواطنيها، موظّفةً كلّ شيء وأيّ شيء في هذا السبيل ... ؛ وكان النظام البعثي الاجرامي يتبع هذه الاجراءات السوفيتية بدقة متناهية لا بل انه زاد عليها كثيرا , كما اعترف صدام بذلك في احدى لقاءاته . 

فمن بين أنواع اضطرابات الفصام الذهاني التي شخّصها "أندريا سنيزنفسكي"؛ اضطراب "الفصام البليد أو الراكد"، الذي حدّد خصائصه بـ : (الوعي المفرط بالذات ، والشعور بالقدرة على استبطان الأمور، والسلوك العصابي، ووجود شكوك مُلحّة قهرية تسكُن الشخص، وصراعات أبوية تنسحب على السُلطة الأخرى، وأخيرًا : وجود ميول إصلاحية) ... ؛ و بعبارة أخرى اكثر وضوحا : (أي ناشط سياسي مُعارِض هو مريض باضطراب الفصام الذهاني ..!! ) ,  وبالتالي هو :  "غير مسؤول عن أفعاله" قانونيًا ، ولا بدّ من إخضاعه لإجراءات طبيّة إجبارية ... ؛ او بالاحرى اخضاعه لعمليات التعذيب العلمية وادخاله في دوامة العنف والعذاب والدم وتكسير العظام واتلاف الاعضاء بما فيها العقل والحالة النفسية ؛ بحيث يخرج من المعتقل مجنونا رسميا او مريضا نفسيا لا محالة او معاقا او شاذا او مشلولا عن الحركة ... ,  وهكذا حفلت مرحلة السبعينات والثمانينات بإيداع الكثير من السياسيين والنشطاء والمفكرين والمثقفين - إجباريًا وبدون محاكمات - في نوع مختلف من السجون تمثّل في مصحّات نفسية شديدة الحراسة، لعلاجهم من "الضلالات السياسية" أو "الإصلاحية"، ومن الأفكار المضادة للنظام الحاكم الشيوعي  ... ؛  من خلال التعذيب والعلاج الكيميائي المُضاعَف ...  , وكما قلنا نظام البعث قلدهم في ذلك حذو النعل بالنعل ؛ ولعل جرائم قصر النهاية ومستشفى الشماعية وغيرهما بحق المعتقلين العراقيين  من الشواهد الدامغة على ذلك .  

وقد كشفت التقارير و أكدت الشهادات الحية :  أن كلّ من تعرضوا لهذه التجربة صار من المستحيل أن يعودوا أشخاصًا أسوياء ... ؛  لقد أفسدوا صلاحيتهم للعودة لنمط الحياة الذي انتزعوهم منه ... ؛ وهذه الاجراءات الاجرامية والسياسية الارهابية تكلم عنها صدام وعلى رؤوس الاشهاد , متوعدا كل عراقي اصيل وحر نبيل  لا يسير وفقا للأوامر الصدامية الباطلة والاجرامية ؛ قائلا : (( ال يندفن يخيس , وال يبقه اخليه يلق بجراحه طوال عمره , ولازم الاشباح تطاردهم وهم نايمين في بيوتهم ... )) . 

ولا يمثّل هذا الإجراء القمعي المنهجي أكثر من خطٍ وسط عدّة خيوطٍ للخبرة السوفيتية التي انتهجتها مؤسسات النظام الشيوعي الحاكم إزاء المعارضين من المواطنين  العزل ... ؛  الأمر الذي حدث شبيهه ، ولكن بشكل أكثر إرهابًا واجراما وفسوة ، في العراق حيث طالت العقوبات والاعتقالات اقرباء المتهمين . 

وقد جسدت مسرحية  : "كل ولد طيب يستحق المكافأة" ؛ ل توم ستوبارد  ؛ هذه الاستراتيجية الاجرامية بحق المعارضين الاصحاء ؛ اذ جاءت فيها هذه المحاورة بين طبيب النظام الاستبدادي والمعارض الوطني : 

الطبيب: أنت تعاني من ضلالات تجعلك تصدّق أن أناسًا أصحّاء يوضعون في مصحّات نفسية.

المُعارض: أنا بالفعل موجود في مصحّة نفسية.

الطبيب: هذا ما ذكرته لك تمامًا. إذا لم تكن مهيّأً للنقاش المنطقي حول حالتك فسوف تدور في دائرة مغلقة ...!! . 

الطبيب : ( لِنرَ أيهما أقوى؛ طقوسُكم أم علاجنا؟ ) 

كانت  تجربة المعتقلين السياسيين والمواطنين العراقيين  في السجون الصدامية التكريتية  أيام نظام حكم البعث الدموي ، لا تقلّ خبرة وكثافة عن تجارب أقرانهم في الأنظمة القمعية في دول الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية ... ؛  بل إن التجربة البعثية الصدامية التكريتية  تنفرد عن غيرها بتلك الخصوصية المتمثلة في تشكيل خطر خارج السجون يتأثر علوًا وانخفاضًا بما يحدث داخلها ؛ فقد يساق الابرياء في الخارج بجريرة المعتقلين في داخل السجون وقد تعاد محاكمة السجناء اكثر من مرة , وقد يتهم السجناء وهم مقيدون ومعزولون عن العالم الخارجي ؛ بأحداث خارجية لا يعلمون بها اصلا ... ؛ وغيرها الكثير , فقد اخترع الصداميون والبعثيون والتكريتيون ورجالات الفئة الهجينة وسائل وادوات وطرق في المتابعة والمطاردة والتعذيب والموت والاضطهاد والتهميش والتدمير... , لم يسبقهم اليها أحد  من العالمين .

مثّل حكم البعث التكريتي مرحلة دموية سوداء لم يعرف لها تاريخ العراق القديم والحديث مثيلا ؛ فكأنما مثل هؤلاء الاوباش عصارة  اجرام وارهاب الطغاة والظالمين والمجرمين والغزاة المحتلين والغرباء والدخلاء الارهابيين  الذين حكموا بلاد الرافدين ؛ فكانوا شر خلف لأقذر سلف ... , فقد امتلكوا خبرة هائلة وغامضة  للممارسات  القمعية والدموية  المنهجية ضد المعارضين والعراقيين ؛  ابتداءً من اتهامهم  بالشعوبية والخمينية والتبعية والغوغائية والشيوعية والعمالة والخيانة ومعارضة الحزب والثورة  والطابور الخامس ومعاداة النظام ... ؛ وصولا الى الاعدامات العشوائية والتطهير العرقي والطائفي والمقابر الجماعية والمعتقلات الرهيبة السرية . 

وكان المعتقلون العراقيون يتم تعريضهم لممارسات تعذيبية ممنهجة (كالتقييد في أوضاع مؤلمة , والضرب والصعق  الكهربائي , والحرمان من الطعام والنوم , والتعذيب بمختلف ادوات وطرق العذاب القديمة والحديثة ...  )  ؛ بغرض إجبارهم على  الاعترافات القسرية او لكسر الارادة وتدمير الشخصية وسحق  كرامة المعتقلين فحسب ... ؛  واما بالنسبة للذين قاوموا وتحمّلوا العذاب او بعض الشخصيات المهمة والمؤثرة ، فهؤلاء  يتمّ إرسالهم إلى مصحّات نفسية وإعطاؤهم جرعات دوائية إجبارية مضاعفة وصقعات كهربائية ( الكي بالكهرباء ) ؛  نتجت عنها أعراض فقدان الذاكرة والضعف الجسدي وتدلي اللسان ونوبات تشنج وفقدان الوعي، والصرع , والجنون ,  وأحيانا الوفاة... .

وعلى الرغم من كل هذه الاجراءات الارهابية والمعتقلات الاجرامية ؛ لم يخفي العراقيون بغضهم لهذا النظام البعثي , ومعارضتهم له سرا وعلنا ؛ و أمام هذا الخطر الوجودي للنظام العميل المتهالك ؛  عمدت الأجهزة الأمنية  الصدامية وعصابات تكريت والفئة الهجينة والبعث إلى تبنّي منهجية وحشية وعنيفة ومخيفة ومؤثرة في التعامل مع المعتقلين الإسلاميين والسياسيين والعراقيين الابرياء  داخل سجونها ؛ قوام هذه المنهجية : تدمير الشخص المعتقَل بدنيًا ونفسيًا وذهنيًا ، من خلال ممارسات صادمة متراتبة مستمرة غير منتظمة، في التعذيب والتنكيل والحِرمان والعَزل، تؤدّي إلى إفقاده الإحساس بالزمان والمكان، وإنهاكه جسديًا بشكل مستديم، وإفقاده الإحساس بهويّته، وتفكيك آدميته، وخلخلة منظومة عملياته الذهنية واستجاباته العصبية، وإعاقته نفسيًا وسلوكيًا، وإحلال الاضطراب الدائم محلّ كل شيء في حياته ... ؛ نعم  احيانا قد لا يقتل الجلاد البعثي والمجرم الصدامي المعتقل السياسي والسجين العراقي ، بل يعزله ، ويفقده القوة والقدرة على التواصل مع المحيط الخارجي، ويحطم إحساسه بكيانه، ويفكك علاقاته بالآخرين، ويحطم شعوره بالاستقلالية والكرامة والانسانية ، ويتلاعب بكافة تفاصيل حياته اليومية وخاصة البيولوجية، ثم يُحدث له صدمات نفسية متكررة ومدروسة تصل به إلى قناعة تامة بتمتّع معذّبه بقوة ومناعة فائقتين، وبأن مقاومته غير مجدية على الإطلاق ... ؛ لذلك ترى البعض من العراقيين الى هذه اللحظة يعيش هاجس الخوف المرضي من هؤلاء الاوباش الجبناء والعملاء المرتزقة الانذال . 

لم يكن التعذيب في المعتقلات الصدامية والسجون البعثية  يهدف إلى انتزاع اعترافات ، وإنما كان أشد قسوة وهمجية ودموية ,  كان يهدف إلى تحطيم اللياقة الإنسانية للخصوم السياسيين والمعتقلين العراقيين  ، إنه ذلك النوع من التعذيب الذي يجري بأعصاب باردة وعلى فترات زمنية طويلة بهدف تحطيم الطاقات الفكرية والروحية للإنسان، عن طريق التحطيم البطيء المحسوب، والضغط الدائم المرهق على الوعاء الجسدي الضعيف . 

و أما إذا نجا السجين من أمراض السجن وما يسببه من التهابات الجسد وأعطابه المزمنة (من ديدان وطفيليات في الأمعاء، التهابات القولون والبواسير، وقرحة في المعدة والأمعاء الدقيقة، التهابات الكبد والمرارة، وأمراض الجهاز التنفسي والصدر والحساسية ... الخ ) فهو لا ينجو من أشكال التشوه النفسي والمعنوي التي يسببها السجن البعثي الصدامي ... ؛ ومن خارج السجون من العراقيين البائسين ليسوا بأفضل حالا ( فالكل بالهوا سوا كما يقول المثل المصري ) فقد تحول العراق الى معتقل مغلق وسجن كبير . 

................................................................................................

  • د. نسمة عبد العزيز – ذاكرة القهر .