شماتة أم فضيلة؟
تمر علينا العديد من الأحاديث يوميا ويختلف الناس في وجهات نظرهم وفي طريقة إظهارها، لكن تظل هناك آراء لها أبعاد تنحفر في ذاكرتك يعود أثرها كلما طرأت عليك الذكرى. كنت في السنة الجامعية ألاولى حينما قصت علينا إحدى الزميلات حادثة أخيها الذي يعمل في مكان يبدو أنه يمتلك فيه السلطة للمداهمة والقبض على ألاشخاص في ظروف معينة على ما أذكر. ذكرت فيها أنه في إحدى الليالي داهم موقعاً كانت فيه امرأة في خلوة مع رجل مقيم، امرأة تبدو متقدمة في السن ذو مكانة اجتماعية ولديها أبناء في مرحلة الشباب، كانت تتوسله أن يطلق صراحها وألّا يفضح أمرها بين أبنائها وذويها بينما هو يصرخ طالباً منها أن تخرس وألّا تصدع رأسه! الجدير بالذكر أن الفتاة كانت تسرد القصة بكل فخر وحضيت بتأييد المستمعين وكانت تفوح رائحة العنصرية من حديثها عن الرجل المقيم الذي كان مع تلك المرأة، جميعهم ازدروا المرأة على فعلتها. كل من عاش في الشرق سيعلم لماذا يتصرف هؤلاء الناس بكل هذه العنجهية في محاسبة الآخرين على افعال تعتبر داخل نطاق خصوصية الفرد المحضة بل سيكون من الغريب إن حدث العكس.لكن ورغم تأخري الفكري في ذلك الحين، فقد أخذت اسألها لماذا لم يدعها أخوك وشأنها؟ بالطبع ستكون الإجابة بأن هذا كان من واجبه الديني والقيمي، كان أخوها يعلم أن افتضاح أمرها في مجتمع كهذا الذي نحن فيه هو أشبه بحكم الإعدام حتى لو لم تُقتل أو تطأ قدميها السجن، سينبذها المجتمع ويتخلى عنها الأصدقاء وستشعر بالصَّغار أمام أهلها وأبنائها، كلنا نعرف أن مجتمعاتنا زنازين كبرى لمحاسبة المرأة على كل صغيرة وكبيرة، ومع كل هذا هو لا يرى أن شيئاً يستحق أن يُصدّع رأسه من أجله! هذا وبغض النظر عن ما إذا كانت المرأة قد ارتكبت جرماً أم لا، فإن كل من استمع لطريقة سرد الفتاة للقصة ولردات فعل المستعمين سيرى فيها تشفياً غريباً وغير مبرر من تلك المرأة المسكينة، وإن حدث وكان من بين هؤلاء المتدينين من رقّ قلبه ستجد لسانه يلهج بالدعاء "اللهم استرنا" بينما لا يتطرق كثيرا لانتقاد التدخل السافر الذي يمارسه الآخرون، وقد يرمي على استحياء بعض الأحاديث النبوية التي تأمر بالستر، لكن من النادر جدا إن لم يكن من المستحيل أن تسمع أحدهم يلقي عبارة صريحة وبسيطة كقول: “لكن..هذا شأنها".إنه لمن السذاجة أن تتوقع غير ذلك لأن المجتمع الذي يصف نفسه بـ”المحافظ” تميل كل قوانينه وأحكامه منذ البدء على التدخل في حرية الفرد والخوض في عرضه ثم التظاهر بالنهي عن ذلك. لكن يبقى السؤال لماذا كل هذا التحامل الذي نشتمه في حديث البعض عن كوارث البعض الآخر؟ شيئاً ما لا يبدوا ابدا مرتبطاً بتصورات الشخص الآخروية. إن الشماتة أو ما يعرف بـ"لذة ا لأذى" هو جزء من طبيعتنا البشرية، من منا لم تجتاحه نوبة قلق فيسرح مستقصياً ضمائره عما اذا كان شخصاً شيطاناً يحسد الآخرين ويشمت بهم. خلصت الدراسات إلى العديد من الأسباب لما يعرف بالشماتة منها أسباب قد تحمل الشخص إلى الشعور بأن الشماتة كانت من حقه الطبيعي، على كلٍ فسيكون من الواضح لنا سبب الشماتة إن كان الشخص المصاب يشكل مصدر خطر لنا، خطر وظيفي أو اجتماعي، لكن قد يحتار المرء في أسبابها في كثير من المواقف، فيلوم على الشامت، يمقته ويصفه بـ الّا إنسانيّ. من أحد أسباب الشماتة هو ما يسمى بـ "وهم التفوق"، أن يضخم الفرد من صفاته التي يعتبرها إيجابيه فيرى العالم من خلالها وكذالك تفعل الجماعة، أي جماعة تحت أي مسمى كانت ترا نفسها الأفضل وأن الجميع يجب أن يرى ما ترى، وما أن يحيد فردٌ منها عن جادتهم إلّا ودقت نواقيس الخطر فيأخذون يتناهشونه وكل منهم يشد عضد الآخر ثم ينعم الجميع بذلك الوهم المريح. هذا يذكرنا بالرواية الشهيرة "الحرف القرمزي" التي جسدت أبشع صور شماتة الجماعة، وكيف أن الجمع اجتمع على نبذ ومحاربة امرأة واحدة بدون رحمة لأنها ارتكبت ما يعد في عرفهم خطيئة. إن المعايير المتزمتة للجماعة تنمي هذا النوع الشيطاني من الشماتة، يعيش فيها كل فرد يرقب ظهره، وينعكس خوفه هذا على طريقة تربيته لأبنائة فإن جل تركيزه أن ينتج افرادً ترضي الجماعة، فلا يزال يذكرهم ليل نهار بأن لا يشمتوا به الناس، وتزداد جرأة إطلاق الأحكام على الآخرين والفرح بمصابهم بقدر ما يزداد الإلتزام بمعايير الجماعة حتى يمسي الفرد منهم حائراً يغوص في ازدواجية أحكامة لصالح تلك الجماعة. يشكل الدفاع عن الجماعة عبأً على العقل وعلى أخلاق الفرد لأنه دائب في تشويه الحقائق ليبقى تمثال جماعته جميلاً شامخاً في مخيلته، وما أن ينفك الفرد عنها حتى تذوب تلك الأعباء فيصبح أكثر تصالحاً مع ضميره ومع الآخرين. لا تقوم الحضارات إّلا بعقول حرة وعلى أنقاض عقول جامدة، لذلك ستجد أغلب المجتمعات المتحضرة تنبذ العنصرية، تواقة إلى الإنفتاح على الآخرين والإمتزاج بهم. أخيرا وكما قال مارتين زيل "من يرفع هذا الفرح المشبع بالخبث إلى المرتبة الأولى بين مشاعره، تعوزه المشاعر اصلاً".
