السلام مطلب كل الشعوب الخيرة والحكومات الرشيدة ؛ لان الحرب ثمنها فادح ونتائجها مؤلمة ورهيبة ؛ الا ان الاشرار لا يعيرون أهمية لهذا الكلام   ؛ ولا يعترفون الا بمنطق القوة ؛ وصدق من قال لا يدفع الشر الا بالشر ولا يفل الحديد الا بالحديد .

أن الاستعداد للحرب لا يقل أهمية عن البحث عن فرص السلام ؛ وكذلك تحضير العدة والعدد لمواجهة الطوارئ يعد من لوازم الامن الوطني , وقد قالها سابقا كارل فون كلاوزفيتز : ((إن ضمان الحفاظ على السلام ، هو الاستعداد دائماً للحرب )) ؛ فإذا أردت السلام فاستعد للحرب كما تقول الحكمة اللاتينية القديمة . 

وها هي طبول الحرب تقرع على أبواب شرق سوريا – الحدود السورية العراقية - ؛ والاستعدادات تجري على قدم وساق ,  وهنالك مناورات عسكرية تنفذها أطراف النزاع المسلح في سوريا، تبدو لوهلة إشارات متبادلة عن اشتباك وشيك الحدوث في شرق البلاد لكنها ليست ككل المعارك، فالحرب القادمة إذا ما اندلعت لن تحجب نفسها عن كونها حاسمة وذات تأثير سلبي ومدمر قد يطال المنطقة برمتها او لا اقل العراق ولبنان وفق مخطط امريكي بريطاني خبيث ؛ وضمن ارهاصات التوازنات الدولية الجديدة .

هذه المنطقة الحساسة والاستراتيجية  على موعد غير محدد للبدء بعملية عسكرية تحشد لها واشنطن في أعقاب سلسلة مناكفات بين طائرات روسية وأميركية، تدفعها رغبة عارمة بطرد الخصم من الأرض، لكن الأمر عاد بمفعول عكسي فالولايات المتحدة زادت من حشودها المقاتلة وأرسلت مزيداً من المقاتلات ومن بينها "الشبح" لأول مرة إلى السماء السورية، بينما موسكو تحضر نفسها عبر مناورات مع الجيش النظامي تمهيداً لمعارك قادمة. 

والمعلومات الأولية تفيد عن إطلاق التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، تدريبات عسكرية في قواعد تسيطر عليها شرقاً بالتوازي مع تحضيرات وزارة الدفاع "البنتاغون" لعملية عسكرية باتجاه ريف محافظة دير الزور الشرقي والشمالي ومن بينها المدن الحدودية مع العراق، مثل البو كمال والميادين وهذه الرقعة تتمركز بها فصائل مقاتلة ومدعومة من الجانب الإيراني والحشد الشعبي العراقي .

فالمنطقة بأسرها ذاهبة بقدميها إلى الجحيم، فالصراع لم يعد بين القوى المتحالفة مع الدول الكبرى وعبر ميليشيات ارهابية وفصائل مقاومة وغيرها  كما كان يحدث في كل الاشتباكات الماضية ، اليوم موسكو وواشنطن وجهاً لوجه . 

وقد رأى شهود عيان  التعزيزات الامريكية و النشاط الملحوظ في القواعد الأميركية ... ؛ اذ يمكن للمرء  مشاهدة الحوامات وأرتال المدرعات والإمدادات تتجه إلى قواعد العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز، الذي تسيطر عليها واشنطن منذ اندحار تنظيم داعش الإرهابي، ويترافق مع ذلك حالة توجس تسري بين الأهالي الذين ضاقوا ذرعاً من طول أمد الحرب، منهم من يرغب  بانسحاب القوات الارهابية والامريكية  ليعيش الناس بسلام، ومنهم من يحزم حقائبه لنزوح قادم لا محالة .

إزاء هذه التطورات تكثف دمشق وطهران من اتصالاتهما السياسية والأمنية، على وقع قرع طبول الحرب، ومعها جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى العاصمة السورية،  وهي الأولى من نوعها منذ 13 عاماً تزامناً مع معلومات استخباراتية ترجح عزم واشنطن قطع الطريق بين سوريا وإيران مروراً بالعراق .

قرار إشعال فتيل الحرب قد اقترب، وهذا ما يفسر حدة التصريحات الصحافية التي يطلقها الساسة في دمشق، بدءاً من اتهام الخارجية السورية واشنطن بنهب النفط السوري، وصولاً إلى كلمات وزيرها فيصل المقداد شديدة اللهجة من طهران مطلع أغسطس الجاري :  "من الأفضل للجيش الأميركي أن ينسحب من الأراضي السورية قبل أن يجبر على ذلك".

وعلى نحو ما تراقب الأطراف بحساسية بالغة أي تقدم من الخصوم، فمن يكون البادئ بقطع الطريق على الآخر، لا سيما مسعى واشنطن لإجهاض التحالف "العراقي السوري الإيراني" المتزايد شرقاً قبل ولادته، وهذا ما دفعها إلى تنفيذ مناورة مشتركة مع ما يسمى "جيش سوريا الحرة" وقوات "قسد" (سوريا الديمقراطية) وخبراء من الجيش الأميركي في منطقة يطلق عليها "55 كيلو"، هدفها تقطيع أوصال الشرق السوري لإنهاء النفوذ الإيراني وإطباق الحصار على دمشق من كل الجهات، في حين تسعى روسيا إلى إعادة الحقول النفطية والأراضي الخارجة عن سيطرة دمشق.(1) 

وكل سيناريوهات هذه الحرب سوداوية ؛ لان الامريكان والانكليز هما سبب شرور العالم والمنطقة ؛ فلا تهنئ المنطقة الا برحيلهما ورحيل عملاءهما . 

وبما ان السياسة هي فن الممكن , و حلول الامر الواقع ؛ يجب على قادة وساسة الاغلبية والامة العراقية من العمل على الحفاظ على امن العراق ومكتسبات الاغلبية والامة العراقية وبأية وسيلة ممكنة ؛ وفي حال العجز عن تحقيق ذلك ؛ فاخر العلاج الكي كما يقول العرب .

وعليه يجب على النخب والشخصيات والمؤسسات السياسية والاعلامية والثقافية والاجتماعية والدينية ... ؛ التشمير عن ساعد الجد والعمل الدؤوب في سبيل تحشيد الامكانيات المادية والبشرية العراقية ضد الهجمات الامريكية والارهابية والبعثية المتوقعة ... ؛ وتوحيد الخطاب الشيعي واستغلال ذكرى أربعينية الامام الحسين وايام محرم في تحشيد الجماهير وتوحيد صفوف الاغلبية العراقية الاصيلة ؛ وترك القضايا الجانبية والخلافات القشرية والاهتمامات الطوباوية ؛ وترك المهم والاهتمام بالاهم ؛ فاليوم يوم الاغلبية العراقية الاصيلة وكل شرفاء الامة العراقية العظيمة ؛ انه يوم الفصل بين الحق والباطل , والديمقراطية والديكتاتورية ,  وحقوق الانسان والظلم والتسلط والعدوان , والخير والشر ... ؛ انها المنازلة الكبرى بين ابناء الامام علي والامام ابي حنيفة النعمان وبين معسكر الشر والارهاب والاستعمار والاجرام والاستغلال ؛ اما نكون هذه المرة او لا نكون .

والخزي والعار لكل من يشمت بالأغلبية العراقية او يتمنى هلاك ابناء الحشد الشعبي العراقي الغيارى على يد القوات الغازية الاجنبية الغاشمة ؛ من الذين بذلوا الغالي والنفيس من اجل تحرير الاراضي العراقية والحفاظ على وحدة وسلامة العراق والعراقيين ... ؛ ولا يتحجج البعض بالأعذار الواهية هروبا من شرف المواجهة مع الاعداء وفرارا من الزحف العراقي ؛ فكل اعذار وتبريرات ( غمان ومخانيث وثولان وعملاء ومرتزقة ) الاغلبية العراقية باتت معروفة ومكشوفة للجماهير العراقية ولا تنطلي على احد ؛ وهؤلاء الحمقى يعتقدون انه بهلاك الحشد الشعبي او احرار وشرفاء الاغلبية والامة العراقية ؛ سوف تخلو لهم الاجواء وينعموا بالعمالة والخيانة والتعاون مع الاجنبي ؛ الا انهم متوهمون وخاسئون وخاسرون قطعا ؛ فإنما مثلهم كمثل الثور الاحمر الذي صرخ مناديا : ((أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض  )) فأيككم ثم اياكم من التفريط بالأخوة الشيعية والوحدة الوطنية والروح العراقية ,  والتهاون بشأن العدو المشترك ؛  والتشرذم والشتات والضياع وانعدام البوصلة وتغييب العقل والوعي وخلط الاوراق وضبابية الرؤية وتذبذب المواقف ؛ فإنما انتم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى , فالأمر يبدأ دائماً بأخيك  وينتهي عندك ؛  فاحترس ولا تضع نفسك فريسة للخداع ما يطال غيرك  قد يطالك ... ؛ وقديما قيل : ذا حلقت لحية جارك فاسكب الماء على لحيتك .

نعم من حق كل حزب عراقي وفصيل شيعي ومكون وطني وتيار اسلامي او علماني ان يبشر بما يعتقد به من اراء ورؤى وان يدافع عن مصالحه الحزبية والفئوية والطائفية والقومية والمناطقية ... ؛ وفق المصالح الوطنية العليا والقوانين والدستور العراقي ؛ ولكن من غير المنطقي والمعقول ان يركب كل واحد منا موجة تضليلية ؛ الهدف منها تسقيط بعضنا البعض , لإلهاء الامة العراقية  , وادخال الاغلبية العراقية الاصيلة في دوامة الصراعات الداخلية والمناكفات العقائدية والنقاشات الطوباوية والازمات الاجتماعية والاقتصادية ... .    ؛  وذلك تسهيلا لمهمة القوى الدولية الكبرى الغاشمة في الاستيلاء على ثروات البلد ومقدرات الشعب . 

ان لعبة ركوب الموجة تحت دوافع مصالح خاصة وفئوية ضيقة  والتي ينتهجها البعض من العراقيين ؛ مستخدمين الشارع العراقي  وحفنة من المرتزقة  والجيوش الالكترونية  ممن يدعون الثقافة والاعلام ؛ من  الذين يلوكون الكلام ويصرخون بحماس  و حمية  لم تعد تنطلي على السواد الاعظم من الامة العراقية الواعية , و المدركين لحقيقة دوافع البعض ممن  يتحكمون بالمشهد العراقي العام او الذين يؤثرون عليه سلبا ؛ وهؤلاء النرجسيون لا يفكرون بالمصالح العليا للأغلبية والامة العراقية بل يقدمون انفسهم على بقية الاحزاب والفصائل العراقية ؛ وهم يراوغون من المواجهات الوطنية المصيرية كما يروغ  الثعلب  , ويبيعون الاوهام للناس واتباعهم ... .

 ولنا في اصحاب الامام علي وشيعته اسوة حسنة فهم كانوا مختلفين فيما بينهم بشأن بعض الامور الا انهم كالبنيان المرصوص يسيرون خلف قيادة الامام علي في الحروب ؛ فكل هذه الخلافات لا تصلح لان تكون مبررا للهروب من المعارك المصيرية  والفرار من مواجهة الاعداء  .

وحتى الحياد والوقوف على التل كالمرجئة الذين خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل؛ يعد خيانة عظمى للوطن والدين والاغلبية والامة العراقية ؛ فلا تكونوا كالخراف الغبية التي ذكرها المناضل العراقي الاصيل احمد مطر : ((...  دخل ذئب حظيرة الخراف فأكل نعجة بيضاء ففرحت الأغنام السوداء , ثم أكل نعجة سوداء فقالت البيضاء : ذئب  عادل , وما زال الذئب يمارس عدله فيهم حتى اليوم ...)) ؛ فأقلعوا الان عن حملات التسقيط  وبث الدعايات والاشاعات ؛ واتركوا الخلاف حول الصفقات والمشاريع والاتفاقيات ؛ وانتبهوا الى انفسكم لان السفينة اذا غرقت يغرق كل من فيها وبلا استثناء ؛ وتعاملوا مع هذه الاخطار بمسؤولية وغيرة وحمية وشرف  و وطنية ؛ فأن دماء واعراض ومصالح الاغلبية والامة العراقية ب اعناقكم واي تقصير منكم تجاه واجباتكم الوطنية ؛ سيجعلكم سبة وعار على مر التاريخ ؛ واتركوا شعاراتكم التافهة ومسرحياتكم الفجة  والتي فاحت رائحتها اكثر هذه المرة واصبحت تزكم الانوف ... ؛ وانتبهوا الى وضع الاغلبية العراقية الاصيلة والامة العراقية  . 

وتذكروا معاناة الامام علي حاكم العراق مع اسلافكم ولا تكونوا مثلهم فتفشلوا كما فشلوا وتذهب قوتكم ؛ فمن خطبة له ؛  و قد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا... ؛  و فيها يذكر فضل الجهاد ، و هو يستنهض الناس، و يذكر علمه بالحرب، ويلقي عليهم التبعة لعدم طاعته وتنفيذ اوامره والتصدي للأعداء ومقارعتهم ؛ اذ قال في فضل الجهاد : (( َمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ وَسِيمَ الْخَسْفَ وَمُنِعَ النَّصَفَ... )) .

وقال هو يستنهض الناس : ((اَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَنَهَاراً وَسِرّاً وَإِعْلَاناً وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ وَهَذَا أَخُو غَامِدٍ [وَ] قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلُبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَالِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً فَيَا عَجَباً عَجَباً وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ ...)) . 

..................................................................

1-    طبول الحرب تقرع على أبواب شرق سوريا / مصطفى رستم / بتصرف .