ناجي السويدي وادواره السياسية والحزبية والحكومية

طالما عبرت الاحزاب المنبثقة والعاملة في الساحة العراقية عن ارادات المخابرات الدولية والقوى الاستعمارية والعالمية ؛ على الرغم من شعاراتها الوطنية والقومية والدينية والعلمانية والليبرالية ؛ فهي رأس الحربة للنفوذ الاجنبي والغريب , وبينها وبين العراق والامة العراقية والجماهير المظلومة والمحرومة ما صنع الحداد .

ومن هذه الاحزاب التافهة  والوهمية والمصطنعة  :  حزب الامة  والذي تأسس في 19 اب  1924 و ترأس الحزب ناجي السويدي في 20 اب 1924، وقد طالب بصياغة دستور للبلاد واجراء انتخابات نيابية ... ؛ ، الا ان السويدي  ترك هذا الحزب ، بسبب انشقاقه وتشرذمه   ؛ إثر فشله في الانتخابات النيابية سنة  1925 ؛ و هذا الحزب  لم يلعب دوراً رئيسياً في حياة العراق السياسية ؛ لأنه حزب ( كارتوني ) من ورق ... , وقد مر عليكم في الحلقات السابقة  حقيقة هذه المطالب المزيقة واكذوبة هذه الدعوات ؛ فهنالك بون شاسع بين الادعاءات والواقع والشعارات والحقيقة .

وحزب التقدم الذي تأسس في 14 تشرين الثاني 1925 برئاسة عبد المحسن السعدون، والذي يعد اول حزب برلماني عراقي – اي حزب نخبة سلطوي وحكومي - ، وقد دعا الى تطبيق بنود المعاهدة العراقية البريطانية لعام 1925 والعمل على ادخال العراق لعصبة الامم ... , وأصدر الحزب جريدة اللواء ثم جريدة التقدم **؛  وبعدها قرر ناجي السويدي  الانضمام الى  حزب التقدم ، فأصبح بذلك الرجل الثاني في حزب التقدم  بعد رئيسه عبد المحسن السعدون ، واطلق عليه لقب  :  خطيب حزب الاكثرية في المجلس النيابي او دماغ حزب التقدم ... , والفضل في تسنمه لهذا المنصب وغيره من المناصب السياسية والحكومية والحزبية يعود للمصاهرات والعلاقات الخاصة ؛ اذ لم يخلُ حزب التقدم   من تأثير المصاهرات وصلات القربى كغيره من احزاب تلك المرحلة البائسة من تاريخ  العراق السياسي  ، فرئيس الحزب عبد المحسن السعدون تربطه روابط مصاهرة مع الأخوين ناجي وتوفيق السويدي، إذ كان الأول (ناجي)، الرجل الثاني في الحزب ، وأصبح رئيسه بعد انتحار السعدون  - او بالأحرى مقتله كما مر عليكم - ، وهو عديل عبد الكريم السعدون ، شقيق رئيس الحزب عبد المحسن السعدون ، والثاني توفيق السويدي الذي ترأس حزب التقدم ، بعد أن ترك اخوه ناجي رئاسة الحزب ، وقد كان توفيق السويدي صهراً لـ (عبد المحسن السعدون)، بحكم زواجه من أبنة أخيه فخرية عبد الكريم السعدون ... ؛ وعلى الرغم من ظهور حقيقة الشخصيات السياسية  كالشمس في رابعة النهار يحاول بعض المرتزقة من اصحاب الاقلام المأجورة والصحف والمجلات و المؤسسات الاعلامية والثقافية والسياسية تبييض صفحات هؤلاء العملاء والدخلاء والغرباء وتزييف حقائق التاريخ وقلب الوقائع رأسا على عقب , واليكم ما صرحت به  جريدة العالم العربي*** : اذ عدّت وجوده في حزب التقدم قوة للحزب ... ، واذا كان اعضاء الحزب بنفس شاكلة” ناجي السويدي” فأن الحزب سيكون من اقوى الأحزاب...!! . 

منذ النشأة الاولى للإعلام والصحافة العربية والى هذا اليوم ؛ ارتمت المؤسسات الاعلامية والثقافية والمراكز السياسية في احضان السلطات والحكومات ومن ثم تحول بعضها الى اقامة العلاقات المشبوهة مع اصحاب الاموال والجهات الاجنبية الا ما رحم ربي ... فما  هو الا  إعلام ممول في الغالب من جهات متنفذة أو ثرية او اجنبية  معنية بالترويج لنفسها أو لأفكارها وسياساتها واتباعها ورجالها وعملاءها ؛ فكل ما تفوه به هؤلاء المرتزقة وكل ما سطره يراع الكتاب المأجورين عبارة عن هراء  ودجل وتزييف  وتضليل واكاذيب و اوهام يحسبها القارئ الساذج  حقائق و وقائع ... ؛ وسأذكر لكم الان سيرة هذا الحزب الاكذوبة ودور ناجي السويدي فيه كي يتبين لكم زيف ادعاءات جريدة العالم العربي ... .

•        حزب التقدم و دور ناجي السويدي فيه

لعل ناجي السويدي وغيره ممن تربطهم وشائج مصاهرة وقرابة وصداقة ومصالح واتفاقيات بالمدعو عبد المحسن السعدون ذو الوجه الطائفي القبيح والنوايا العنصرية السيئة والافكار الحاقدة و الرؤى المنكوسة   ... ؛ يمثلون دور الصفحة البيضاء الظاهرية  لمسيرة حزب التقدم السعدوني الخبيث , وذلك لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون ؛ الا انهم  في حقيقة الامر ؛ يعتبرون وجهان لعملة واحدة  .

هذا الحزب الفاشل  تأسس في تشرين الاول  عام 1925  ؛ بزعامة الطائفي  العميل عبد المحسن السعدون  كما ذكرنا انفا ؛ واعتمد في تشكيلاته على النواب والوزراء ومن لف لفهم من شراذم الفئة الهجينة وسقط المتاع من العملاء والدخلاء والغرباء ؛ فكان جل اعضاءه ان لم نقل كلهم من هذه النماذج -( النمايم ) - ؛ ويعتبر هذا الحزب التافه اول حزب نيابي نخبوي سلطوي في تاريخ العراق المعاصر ؛ هدفه الاول والاخير تأييد الوزارات السعدونية المنكوسة والفاشلة والبائسة , والاشادة بالمدعو عبد المحسن السعدون ؛ واما شعارات الحزب السمجة والكاذبة من قبيل : ادخال العراق الى عصبة الامم المتحدة والاهتمام بالتعليم والزراعة ... الخ ؛ فما هي الا ادعاءات جوفاء واجراءات بتراء كذبها الواقع البائس آنذاك ؛ بالإضافة الى اسس الشر الطائفي والخراب العنصري التي دق اساسها المدعو عبد المحسن واشباهه من ازلام الفئة الهجينة والطغمة العميلة والتي عاني منها العراق بل ولا زال يعاني وذاق العراقي بسببها الامرين ... ؛ فهذا الحزب البائس يقوده الرجل الاوحد عبد المحسن ويعمل لصالحه فقط ؛ ولعل تجربة صدام مع حزب البعث الاجرامي شبيهة بتلك التجربة ان لم نقل انها استنساخ لها ولكل بصورة اكثر بشاعة ودموية ودكتاتورية وتفرد بالرأي والقرار ... ؛ فلم تكن دوافع تأسيس الحزب سياسية سامية او وطنية نبيلة بل كان الدافع الرئيسي لعبد المحسن ومن لف لفه من شراذم العملاء والدخلاء صناعة اتباع ( طراطير ) لا يفقهون شيئا سوى التصفيق والتأييد للمدعو عبد المحسن وحزبه الفاشل ... , وصدق من قال ان شر البلية ما يضحك , اذ ان الطرطور عبد المحسن السعدون والذي كان العوبة بيد زوجته التركية الاجنبية  حورية هانم ، والتي كانت عصبية المزاج وحادة الطبع وحولت بيته إلى جحيم لا يطاق , و سامته سوء العذاب و(( بهذلت احواله كما يقول العراقيون بالعامية ))   ؛ يمثل دور الرجل الشجاع امام الاخرين بل ويطلب منهم ان يكونوا اتباعا له ( طراطير ..!! ) . 

 

ويعد هذا الرجل المريض ( نفسيا ) من اوائل رجالات الفئة الهجينة والطغمة العميلة الذين دقوا اسفين السياسة  الشوفينية الهجينة وروجوا لدعوى القومية العربية المتعصبة  والطائفية السنية الصريحة , وقد تضافرت جهود ابناء الفئة الهجينة والدخلاء والغرباء على اشاعة روح العداء تجاه ابناء الاغلبية العراقية  العربية اولا ثم بعض مكونات الامة العراقية  ثانيا ؛ والنظر اليهم كدخلاء وغرباء او مواطنين من الدرجة العاشرة  ...!!  

وبمباركة حزب التقدم - الممثل بأعضاء البرلمان - شكل عبد المحسن السعدون وزارته الرابعة في (19 أيلول 1929)،  والتي ضمت كلا من : عبد المحسن السعدون (رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية)، ناجي السويدي (وزيرا للداخلية)، ياسين الهاشمي (وزيرا للمالية)، ناجي شوكت (وزيرا للعدل)، نوري السعيد (وزيرا للدفاع)، عبد الحسين الجلبي (وزيرا للمعارف)، عبد العزيز القصاب (وزيرا للري والزراعة)، محمد أمين زكي (وزيرا للأشغال والمواصلات) ... ؛ والملاحظ في فترة العهد الملكي البائسة , ان هذه الشخصيات وامثالها من سقط المتاع ؛ يعاد تدويرها كما يعاد تكرير النفايات في كل دورة برلمانية جديدة وعند تشكيل كل حكومة ... ؛ ولعل تجربة شخصيات الحكومات الديمقراطية بعد عام 2003 شبيهة بتلك التجربة البريطانية الخبيثة من حيث اعادة الوجوه نفسها وبصورة مكررة .

وألفت وزارة السعدون لجنة وزارية لمفاوضة بريطانيا في عقد معاهدة جديدة ضمت وزراء المالية والداخلية والدفاع :  ياسين الهاشمي وناجي السويدي ونوري السعيد ، فوجدت أن الشرط الذي تشترطه الحكومة البريطانية لجعل العلاقات المقبلة بين الحكومة العراقية والبريطانية قائمة على أساس المشروع البريطاني – المصري الذي يجري التفاوض بشأنه شرط غير وارد، لان وضع العراق الجغرافي يختلف عن وضع مصر اختلافا كبيرا ... ؛ وقد تعرض عبد المحسن السعدون الى انتقادات صحفية جريئة لقبول وزارته بالتصريح البريطاني الذي وعد بإدخال العراق الى  عصبة الامم ، ووصف الأمر بأنه لا يعني سوى أن يصبح العراق صوتا مؤيدا لبريطانيا كأصوات بقية المستعمرات... ؛  واتهمت الصحافة السعدون بإهماله الرأي الوطني العام  وتعاونه مع البريطانيين . 

وبهذا الصدد يذكر محمود رامز (نائب) :  (( كنت جالسا مع السعدون ودخل علينا بصفة وزير (توفيق السويدي) ضاحكا، فسأله السعدون عن سبب ضحكه، فأجاب : “ألم تقرأ (الاستقلال) ؟” كتبوا علينا  : “وجوه قردة وقلوب خنازير”، وأخذ يحرض السعدون على اتخاذ اجراءات قاسية ضد جريدة الاستقلال، فقال السعدون : ” توفيق أنت تريدني أن اعارض علي محمود – كاتب المقال – لأنه كتب ذلك (شلون مروّة) أخي : الكل ضد الوزارة لأنهم يعتقدونها انكليزية ))  – لا حاشاك بل انها وزارة المانية والعراقيون متوهمون الا انت ..!! - . 

كما ازدادت الانتقادات الموجهة للسعدون في جلسة مجلس النواب يوم (11تشرين الثاني 1929) واتهمت المعارضة وزارة السعدون بالتراجع عن مطالب الشعب وارجاع القضية العراقية سبع سنوات الى الوراء، وقد رد السعدون على تلك الانتقادات، وحاول اقناع المعارضة تبني سياسة تصريح (14 أيلول 1929)، وازاء استمرار الانتقاد في المجلس انفعل السعدون وقال : (( الامة التي تريد الاستقلال يجب أن تهيء له، فالاستقلال يؤخذ بالقوة والتضحية  ))   - من يطلب من من ؟ الامة تريد منه باعتباره سياسي ويدعي القيادة الحكومية والزعامة الوطنية مقارعة بريطانيا وتحقيق الاستقلال وهو يطلب من الامة ذلك ...!! - .

وتشرذم حزب التقدم ( الكارتوني ) اذ  أصيب السعدون بخيبة أمل كبيرة من نواب حزبه (حزب التقدم) في جلسة البرلمان نفسها ... ؛  و لم يقف أحد بجانبه لمناصرة موقفه المنكوس  ضد موقف المعارضين العراقيين ,  و التقى السعدون بأحد أعضاء حزب التقدم  وقال له : ” أنا مثلي معكم كمثل موسى من قومه إذ قالوا له اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون”... ؛ هذا التشبيه ان دل على شيء فإنما يدل على النرجسية وعدم الواقعية والغرور . 

وقد أجمعت المصادر بأن السعدون قضى يومه – قبل الشروع في الانتحار او حدوث الاغتيال  – في النادي العراقي حتى الساعة التاسعة مساء ، ثم عاد الى البيت وجلس مع عائلته لتناول العشاء... ؛  إلا أنه لم يتناول سوى حبات من الفستق وكان متجهما ومتألما ودخل الى غرفة مكتبه الكائنة أمام غرفة الطعام ... , وفي مكتبه كتب وصيته لابنه علي الذي كان يدرس في لندن... ,  وقد كتب الوصية باللغة التركية العثمانية – وهذا دليل اخر يضاف الى وطنيته البتراء , اذ عزف عن الكتابة باللغة العراقية العربية الرسمية -  وتركها على مكتبه في مكان بارز، ثم صعد الى الطابق الثاني من داره وأطلق النار على نفسه من مسدسه الشخصي مساء يوم 13 تشرين الثاني 1929 – كما قيل وتم الترويج له وقتذاك -  مخلفا وراءه زوجته وأولاده الأربعة : علي وكان يدرس الجيولوجيا في برمنكهام، وعايدة (15 سنة)، وآصف (11 سنة)، ونجلاء (9 سنوات) .(1)

وكل ما قيل بحق هذا الرجل العميل ما هو الا من نسج الخيال الطائفي والعقلية الشوفينية العنصرية الحاقدة والمسرحيات السياسية المرتبطة بمخططات الاجنبي . 

و بعد انحلال الوزارة السعدونية الرابعة ؛  أصدر الملك فيصل الأول إرادته الملكية إلى ناجي السويدي ، وزير الداخلية في الوزارة المنحلة بإسناد منصب رئاسة الوزارة بالوكالة اليه وفي 18 تشرين الثاني 1929 ، صدرت إرادة ملكية أخرى تقضي بتأليف ناجي السويدي للوزارة، فأصبح رئيساً للوزراء إلى جانب احتفاظه بمنصب وزير الخارجية... ؛ وقد خلف ناجي السويدي، السعدون في الوزارة كونه الشخص الذي يليه في زعامة “حزب التقدم” فألف الوزارة، كما احتفظ بجميع زملاء السعدون (الوزراء) مضيفاً إليهم خالد سليمان، وزيراً للزراعة والري، لإكمال النقص ... ؛ وكانت اولى اعمال  حكومة ناجي السويدي  تقديم لائحة (قانون لمنح مساعدة مالية وراتب لعائلة عبدالمحسن السعدون) الى مجلس النواب بجلسته المنعقدة في 16 كانون الأول 1929... ؛  وقد أشاد النواب بهذه اللائحة مبينين أن الأمة أرادت إظهار شيء من الشعور العظيم الذي تكنه تجاه الفقيد ... وقد لاقت اللائحة قبولا بإجماع النواب الحاضرين... , كما قررت الحكومة ذاتها بناء منطقة سكنية ببغداد يطلق عليها اسم (عبدالمحسن السعدون) – وهي المشهورة اليوم بمنطقة السعدون حاليا -، وعمل تمثال له في إحدى ساحات بغداد الكبرى. وقد أجمع النواب الحاضرون على قبول خطوات الحكومة بهذا الخصوص... ؛ وهكذا استمرت وتيرة  الامتيازات البرمكية والعطايا الملكية والهدايا والاقطاعات والمناصب الحكومية بل وارتفعت مناسيبها بمرور الايام بين ابناء الفئة الهجينة والطغمة الحاكمة العميلة الى يومنا هذا . 

وكالعادة  وصفت جريدة “العالم العربي” :  استيزار ناجي السويدي، لرئاسة الوزراة  بـ”حفلة  الاستيزار الصامتة الباكية”، فبعد أن قام أعضاء “حزب التقدم” بزيارة قبر السعدون توجهوا إلى بناية الحزب، حيث القيت الخطب في ذكر محاسن أخلاق السعدون، وسجاياه السامية وكرروا المواثيق بتأييد مبادئ الرئيس الراحل، كما قام الوزراء أيضاً بعد مغادرة البلاط الملكي، بالتوجه إلى جامع الحضرة الكيلانية ، حيث كان أعضاء “حزب التقدم” ومعظم النواب من الأحزاب مجتمعين في المكان، فقام ناجي السويدي، بقراءة سورة الفاتحة على قبر السعدون، كما تعهد الوزراء عند قبر السعدون، بأن يسيروا على برنامجه الطائفي المنكوس ...!! . 

وإلى جانب ذلك، فقد شكر ناجي السويدي، إعلان الملك فيصل الأول ، لإسناده منصب رئيس الحكومة اليه، حيث فاتح زملاءه الوزراء في الأمر فسارعوا إلى تلبية الإرادة الملكية. وفي ضوء ذلك، اجتمع أعضاء “حزب التقدم” وقرروا بالإجماع انتخاب ناجي السويدي رئيس الوزراء، ليكون رئيساً لـ  : حزب التقدم ... ؛ وعلى ما يبدو ، أن أعضاء “حزب التقدم” قد انقسموا ما بين مؤيدين وغير مؤيدين لوزارة السويدي، فقد عقد الحزب اجتماعه فتجلت فيه ظاهرة جديدة، فخطب بعض أعضاء الحزب خطباً شديدة اللهجة وحملوا على بعض أعضاء الوزارة، فلم يشأ آخرون من أعضاء الحزب أن يسكتوا تجاه هذه الحركة التي تؤثر على مكانة الوزارة وموقفها وتضعضع أركانها، كما أنها تصدع جوانب الحزب. ثم خطب رئيس الحكومة ناجي السويدي، فأشار على أعضاء الحزب، أن يحرروا أفكارهم من البلبلة ... , وقد سبقت هذا الاجتماع، جلسة صاخبة في مجلس النواب، قام خلالها عدد من أعضاء “حزب التقدم”، بمطالبة وزارة ناجي السويدي، بتبيان عملها والخطط التي تسير عليها ... , ومن الجدير بالذكر :  قد كان حكمت سليمان، أحد أقطاب “حزب التقدم”، من أبرز المعارضين لوزارة ناجي السويدي، ولاسيما أنه أصطف مع المعارضة البرلمانية ضد الوزارة... ,  وتجدر الإشارة، إلى أن “حزب التقدم”، تظاهر إثر انتحار رئيسه السعدون بالتكاتف والتراص، واخذه شعور عميق بالثبات على المبدأ، إلا أن الحزب في ظل رئاسة ناجي، انتابه الانشقاق، فقامت جماعة من أعضاء الحزب بالاقتراب من المعارضين ليشكلوا كتلة معارضة قوية ضد وزارة ناجي السويدي، ويعود ذلك، إلى أن بعض قيادات الحزب، لم ترغب بالسويدي، لا رئيساً للحكومة ولا رئيساً للحزب، فبرزوا كمعارضين له ... , وقد اتهم حكمت سليمان، وزارة ناجي السويدي، بأنها ليس لها منهاج في عملها ... ؛ بالإضافة الى الانتقادات الاخرى ؛ ونتيجة لذلك كله، اضطر ناجي السويدي إلى تقديم استقالته إلى الملك فيصل الأول، في 9 آذار 1930 ... , و اجتمع ناجي السويدي في 17 آذار 1930، بالهيئة الإدارية لـ ”حزب التقدم”، وبعد المداولة بين رئيس الحزب وهيأته الإدارية، اعلن السويدي أنه غير راغب في كرسي رئاسة الوزراء، وأن الرئاسة ستكون لأحد الثلاثة (نوري السعيد أو حكمت سليمان، او عبد العزيز القصاب)... . (2)

و بعد استقالة وزارة ناجي السويدي ؛ تشكلت وزارة جديدة برئاسة نوري سعيد في 24 آذار 1930،  و دعا السويدي، رئيس “حزب التقدم”، أعضاء الحزب، إلى مأدبة شاي في (26 آذار 1930)، في بناية الحزب حضرها معظم أعضاء الحزب، وحضرها من الوزراء نوري السعيد وجمال بابان وزير العدلية وجميل الراوي وزير المواصلات والاشتغال وعبد الحسين الجلبي وزير المعارف، وقد خطب نوري السعيد في هذه (المأدبة الوداعية)، خطبة استعرض من خلالها منهاجه، وأظهر تصميمه على تنفيذه، ثم غادر بناية الحزب إثر إلقائه خطابه، ثم ألقى ناجي السويدي خطبة قال فيها :” كلنا أخوان ولا يجوز أن يحصل خلاف في الأفكار بين الأخوان ، ولكن رابطة الأخوة لا تنفصم بينهم. وهكذا التقدميون أخوة».

وعلى ما يبدو، أن هذه الأجواء السياسية قد حفزت “حزب التقدم”، للتفكير بالمصير والعمل فأتخذ طريقه بعقد (اجتماع اسبوعي) في بناية الحزب للمحادثة والمداولة في الموضوعات الحاضرة. وطلب، ناجي السويدي من أعضاء الحزب الالتزام بحضور الاجتماع الاسبوعي لـ : حزب التقدم .

وفي ضوء ذلك، تواصلت اجتماعات الحزب، إذ اجتمع في 10 حزيران 1930، بعض أعضاء “حزب التقدم”، في مركز الحزب وكانوا بقدر عدد الأصابع أو يزيدون قليلاً، وفي مقدمتهم ناجي السويدي رئيس الحزب، وتوفيق السويدي رئيس مجلس النواب، وحكمت سليمان وعبد العزيز القصاب والشيخ أحمد الداود ومصطفى عاصم وغيرهم، وقد تداولوا في أمر جمع الحزب للنظر في بعض المسائل ومنها “هل من المشروع قانوناً حل المجلس أم لا؟”. وأقترح بعضهم ارسال دعوة إلى اعضاء الحزب الذين هم خارج العاصمة، لكي يجتمعوا في العاصمة ؛ وفي سياق ذلك، أبدى ناجي السويدي رئيس مجلس الوزراء السابق ورئيس “حزب التقدم”، في حديث له أمام أعضاء الحزب استنكاره الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات النيابية في العراق لسنة 1930، وقال : ” أن المقاطعة بشكلها الحاضر مضرة للبلاد»... , وتنبغي الإشارة إلى ،أن ناجي السويدي تذمر كثيراً من المعارضة القوية التي تعرض لها من قبل قيادات “حزب التقدم” وأعضائه، لذا قرر ترك رئاسة الحزب ، كما انقسمت الهيئة العامة للحزب ما بين مؤيد لإبقاء الحزب والاستمرار في العمل السياسي، وبين محبذ لإنهاء أعمال الحزب وتوقفها، غير أن توفيق السويدي كان من مؤيدي استمرار الحزب بالعمل، ولهذا أعلم وزارة الداخلية في 24 كانون الأول 1930، بالهيئة الجديدة(الرابعة) التي انتخبتها الهيئة العامة للحزب وجاءت كالتالي”: توفيق السويدي رئيساً، عبد العزيز القصاب نائب للرئيس، أما الهيئة الإدارية للحزب فضمت: محمد أمين زكي، عبد المجيد علاوي، مصطفى عاصم ، الشيخ احمد الداود، خالد سليمان، احمد الراوي”. وكانت هذه الهيئة من العناصر التي لا تود التعاون مع نوري السعيد، الذي حاول أن يجذب إليه “حزب التقدم».

وعلى أية حال، فقد استقال توفيق السويدي من رئاسة الحزب إثر قبوله وظيفة وزير مفوض في طهران كبداية للعلاقات السياسية الجديدة مع إيران. وقد كان للملك فيصل الأول، دور كبير في التأثير على توفيق السويدي، وإقناعه بقبــــــــول لوظيفة وتركه للحزب .

وفي سياق ذلك، تم انتخاب هيئة إدارية جديدة لـ ”حزب التقدم”(الخامسة والأخيرة)،حيث انتخب عبد العزيز القصاب، رئيساً لـلحزب ومحمد أمين زكي، نائباً للرئيس.

من الجدير بالذكر، أن بعض الصحف روجت خبر استقالة ناجي السويدي من “حزب التقدم”، إثر المناقشات الحامية الوطيس مع وزير الداخلية ناجي شوكت، إلا أن “جريدة التقدم”، فندت هذه الأخبار عندما أكدت قائلة :” أنه لا صحة بتاتاً لأستقالة ناجي السويدي وناجي شوكت، بل أنهما سوف يستخدمان مواهبهما السامية للتعاون مع أعضاء حزب التقدم ليسيروا بالبلاد على طريق العز والحكمة».

ومن الواضح  أن بعض أعضاء “حزب التقدم” منذ البداية ، كانوا لا يعدّون ناجي السويدي زعيماً لهم ، ما عدا المحامي مصطفى عاصم عضو الهيئة الإدارية لـ”حزب التقدم”، الذي يُعد أخلص صديق للسويدي ولا غرابة في هذا الموقف، إذ أن العديد من أعضاء “حزب التقدم”، كانوا يمثلون الركائز الأساسية ليس في “حزب التقدم”، حسب، بل في الحكومة العراقية أيضاً، ولذلك فأن البعض منهم استكثر رئاسة الحزب على ناجي السويدي.(3) 

 

..............................................................

1-      العهد الملكي في العراق: 1921 – 1958 / الحلقة السابعة: ظاهرة أول انتحار سياسي في تاريخ العراق المعاصر / أ. د عدنان القطان / بتصرف / عن : 1- لطفي جعفر فرج، عبدالمحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ( بغداد، 1978) , 2- عبدالرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج2،ط5، (بيروت، 1978) , 3- محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، (بغداد، 1935) , 4 – عبد الأمير هادي العكام، الحركة الوطنية في العراق: 1921- 1933، (النجف، 1975) , 5- محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية الثانية، (بغداد، 1929) , 6- عبدالعزيز القصاب، من ذكرياتي، (بيروت، 1962) . 

2-      ناجي السويدي رئيسا للوزارة الصامتة الباكية / د. قصي محمود الحسناوي / بتصرف  / عن :  رسالة (حزب التقدم في العراق ودوره السياسي 1925- 1931)  دراسة تاريخية . 

3-      ناجي السويدي وحزب التقدم بين الرئاسة والانسحاب / إعداد : رفعة عبد الرزاق محمد . 

** لم يكن حزب التقدم في أول أمره يحسُّ بالحاجة إلى جريدة خاصة تشد أزره؛ إذ كانت أكثر الصحف المنشورة عهدئذٍ تواليه وتؤيده في معظم المواقف بينها «العراق» و«العالم العربي»، ولكنَّه رأى بعد ثلاث سنوات من حياته أن تكون له جريدة خاصة أسوة ببعض الأحزاب الأخرى، فأنشأ أولًا جريدة باسم «اللواء» تُنشر ثلاث مرات في الأسبوع يُديرها ويُحررها محمد سعيد العزاوي، ظهرت في ٢٠ آيار (مايو) سنة ١٩٢٨، ولم تُكتب لها الحياة أكثر من أيام معدودة ... , واهتم بعدها بتأسيس جريدة قوية ينفق عليها بسخاء ويعضدها بنفوذه هي جريدة «التقدم» مختارًا ابن أحد الوزراء من أعضاء الحزب لإدارتها وتحريرها «سلمان الشيخ داود»، برز عددها الأول في ١٦ تشرين الأول أكتوبر سنة ١٩٢٨... , و كانت جريدة «التقدم» حزبية بكل ما في هذه الكلمة من معنًى، تُحسن في مقالاتها وكتاباتها أعمال الحكومة وتدعو لسياستها. وقد اشتبكت في هذا السبيل في جدال ومناوشات مع الصحف الأخرى، فناقشت جريدة «الاستقلال» وهاجمت جريدة «النهضة»، وقست في الحملة على جريدة «العراق» التي وقفت في الظرف الذي نحن بصدده ضد الحكومة وحزبها في بعض القضايا، فكانت التقدم تشنع في وصف جريدة «العراق» وتنبزها بالتعابير الغليظة، ويمكن أن نحسب نعتها لها «بالصحيفة الاستعمارية» أخف نعت وجهته إليها، مع أن الجريدة ذكرت وهي تعرض خطتها أنها ستترفع عن الأمور الشخصية... , وبعد أشهر من صدورها تبدلت وزارة السعدون وألف توفيق السويدي وزارته في ٢٨ نيسان (أبريل) سنة ١٩٢٩، وهي وزارة من حزب «التقدم» أيضًا ، ومن الطريف أن نذكر أن محرر «التقدم» سلمان الشيخ داود كتب كلمة مسهبة في جريدة الحزب يجيب فيها على من سأله: هل سيستمر على تولي تحرير الجريدة وإدارتها بعد أن لم يشترك والده في الوزارة الجديدة؟ قائلًا: إن المسألة سياسة مبادئ لا سياسة أشخاص، وإنه سيبقى ذائدًا عن حزب التقدم ولن يتخلى عن جريدة «التقدم».

ولكن يظهر أنه أراد شيئًا وأرادت الأقدار شيئًا آخر؛ فقد توقفت الجريدة عن الصدور بعد ٥ أيار (مايو) سنة ١٩٢٩؛ أي بعد أربعة أيام فقط من اليوم الذي عاهد المحرر الناس على مواصلة العمل. وهكذا عاشت الجريدة أقل من سنة ولم تَقُمْ لها قائمة بعدُ، ولا سيما أن الحزب نفسه ذهبت ريحه بعد انتحار رئيسه في خريف سنة ١٩٢٩. وقد استعانت جريدة «البلاد» بامتياز جريدة «التقدم» في بعض عهود المحن والتعطيل الذي أصيبت به، فأصدرتها سنة ١٩٣٠، ثم بدلت اسمها بعد عددين من «التقدم» إلى «الجهاد»، وأصابها التعطيل بعد زمن قصير ...!! 

*** وهي صحيفة يومية سياسية عامة — أصدرتها «شركة حسون ومراد وشركاؤهما»، يدير سياستها ويرأس تحريرها سليم حسون؛ ممن اشتغل بالتعليم والتأليف في العلوم العربية والثقافة سنين في الموصل .