من اجمل الموشحات موشح ( ملا الكاسات ) للشاعر المصري عاشور سليمان ؛ والذي يقول فيه : 

ملا الكاسات وسـقاني××× نحيل الخصر والقـد

حياة الروح في لفظه××× سباني لحظه الهندي

مليمي لا تسل عني××× ودعني على عهـدي

امان يا مليمي

و هو من تلحين الملحن المصري محمد عثمان  والذي يعد من الفنانين الأوائل اللذين وضعوا أسس الموسيقى العربية التي تميز بها عصر النهضة بمصر منذ القرن  التاسع عشر الميلادي ؛ فقد ولد الملحن محمد عثمان سنة 1855 في مصر , واليه   , وعبدو الحامولي ,  و قبلهما بقليل الشيخ محمد عبد الرحيم  المشهور بالمسلوب ؛  تعود بداية ظهور الغناء المصري و استكشاف المقامات العربية  - كما ادعى البعض - ...  ، بعد أن كان الغناء مهمة الفن التركي الذي ساد في البلاد العربية لعقود طويلة من الزمن بل لمئات السنين ... ؛ ولعل تأثير الفن التركي واضح على فن المقام العربي ... ؛  و بعد وفاته سنة   1900 م ؛  بعدة عقود ، و تحديدا سنة1967 لاقت ألحانه نجاحا هائلا عندما قدمتها الفرقة العربية للموسيقى بقيادة الأستاذ عبد الحليم نويرة بصفة منتظمة في عروض خاصة بقاعة السيد درويش في القاهرة، واستمرت لسنوات عديدة، ثم طبعت أدواره و موشحاته على اسطوانات شركة صوت القاهرة و لا تزال حية في الذاكرة العربية الى الآن ... ؛ و من أشهر ألحان الفنان محمد عثمان : ( موشح ملأ الكاسات : مقام راست ) ... ؛ وقبل الولوج في  شرح ابيات هذا الموشح  ؛ لابد من التوطئة بعدة مقدمات  تهدف الى بيان معنى الموشحات وتسلط الاضواء على هذا الفن الاصيل ؛ ومنها : 

  • علاقة الموسيقى بالشعر

ان العلاقة بين الموسيقى والشعر علاقة قديمة ، فالموسيقى لغة لها أبجدية صوتية والشعر له أبجدية لغوية ، ويلتقى كل منهما كألفاظ موسيقية وشعرية في الرقة والقوة ... ؛  فقد تكون الألفاظ الموسيقية ذات دوي ,  أو ذات رقة وكذلك الألفاظ الشعرية ، وبإضافة الموسيقى بعناصرها على الشعر تتضح الأمور وتظهر المعاني التي يحملها المضمون الدرامي للكلام فتزيده جمالاً خاصةً ؛ إذا تلاءم الميزان الموسيقى مع تفعيلات الميزان الشعرى ومع الضرب المصاحب الذى يمثل إطاراً محكماً للعمل الغنائي ... ؛  فاللحن تزاوج بين إيقاع الكلمة وإيقاع اللحن ، والعلاقة بين النغم والإيقاع والكلمة والصوت الجيد تمثل لوحة فنية جميلة ذات نسيج متماسك البناء يشعر بها المستمع ويتفاعل مع طابعها النغمي والإيقاعي . (1)

  • تعريف الموشح

الموشح ( موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح من وشح بمعنى زين أو حسن أو رصع) فقد اشتق اسم الموشح من الوشاح وهو رداء موشى بالزخارف أو مرصع  بالجواهر  ؛وقد سمي هذا الفن بالموشح لما فيه من ترصيع وتزيين وتناظر وصنعة فكأنهم شبهوه بوشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر.

والمراد بالتسمية إضافة تغييرات على شكل القصيدة التقليدية ... ، وهو : فن شعري مستحدث، يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في امور عدة، وذلك بالتزامه بقواعد معينة في التقنية، وبخروجه غالبا على الاعاريض الخليلية ، وباستعماله اللغة الدارجة او العجمية في خرجته، ثم باتصاله القوي بالغناء... ؛  اذ تختلف الموشحات عن القصائد بتنوع الأوزان والقوافي  ، وفى إشارة لاختلاف الموشح عن القصائد وصفه الشاعر ابن سناء الملك  : بأنه كلام منظوم على وزن مخصوص ، وهى تجمع عادة خليطا بين الفصحى والعامية ... ؛ ومن الملفت ان المصادر التي تناولت تاريخ الادب العربي لم تقدم تعريفا شاملا للموشح، واكتفت بالإشارة اليه إشارة عابرة، حتى ان البعض منها تحاشى تناوله معتذرا عن ذلك بأسباب مختلفة ... ؛  فابن بسام الشنتريني ، لا يذكر عن هذا الفن خلا عبارات متناثرة ، أوردها في كتابه "الذخيرة في محاسن اهل الجزيرة، واشار إلى انه لن يتعرض للموشحات لان اوزانها خارجة عن غرض الديوان ، لان  اكثرها على غير اعاريض اشعار العرب... .

  • بناء الموشح وخصائصه واغراضه

 تختلف الموشحات عن القصائد العربية من حيث البناء  , ويتألف الموشح من أجزاء مختلفة يكوّن مجموعها بناء الموشح الكامل ، وقد اصطلح النقاد على تسمية هذه الأجزاء بمصطلحات ، وهذه الأجزاء هي :

  • المطلع 2- القفل 3- الدور 4- السمط 5- الغصن 6- البيت 7- الخرجة 

ومن أراد التوسع في معرفة تلك الأجزاء فعليه بمطالعة نماذج من الموشحات  كأمثلة تطبيقية ليتعرف عليها بصورة واضحة  ، على نحو موشحة لسان الدين بن الخطيب التي يقول في مطلعها:         

  • جادك الغيث إذا الغيث همى
  •  
  • يــا زمــان الـوصل بالأندلـس
  •  
  • لــم يـكـن وصلك إلا حـلـمــا
  •  
  • في الكرى أو خلسة المختلس

واليكم أقسام الموشح الأندلسي  بالتفصيل ؛ يقسم الموشح بحسب بنائه إلى عدة أقسام، هي : المطلع : وهو الأشطر الأولى من القصيدة .

القفل : وهو الأشطر التي تطابق المطلع بالقافية، وغالباً لا تتجاوز الخمس أقسام في الموشح الواحد .

الدور : وهو الأشطر أو الأقسام التي تلي المطلع وتخالفه في القافية، ولا يتجاوز عددها الخمس أقسام .

البيت : وهو الذي يتألف من الدور والقفل الذي يليه .

الخرجة : وهي القفل الأخير الذي يختتم به الموشح .

نموذج موشحة ابن زهير  : 

  • أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمعِ (مطلع)
  •  
  • ونديم همت في غرّته (دور)
  •  
  • وبشرب الراح من راحته (دور)
  •  
  • جذب إليه الزق و اتكئ وسقاني أربعاً في أربع (قفل)
  •  
  • غصن بانٍ مال من حيث ما التوى (دور)
  •  
  • مات من يهواه من فرط الجوى (دور)
  •  
  • كلما فكر في البين بكى....ويحه يبكي لمن لم يسمعِ (قفل)
  •  
  • كبدٌ حرّى ودمعٌ يكف
  •  
  • يذرف الدمع ولا ينذرف
  •  
  • أيها المعرض عما أصف
  •  
  • قد نما حبي بقلبي وزكا لا تقل في الحب إني مدعي (خرجة).

وآخر قفل في الموشحة يسمى  الخرجة كما ذكرنا انفا ، و قد تكون عامية أو معربة أو أعجمية ، لذلك ذهب البعض الى ان  معاني الموشحات  قد تخلو من الجِدّةً والعمق احيانا ؛  فتبدو الموشحة كغادةٍ بالغت في الزينة واستعمال المساحيق فخسرت الكثير من جمالها ولكنها على الرغم من ذلك قد استطاعت أن تحافظ على رشاقتها ومشيتها المرقصة، ولَمّا كانت الموشحات قد اخترعت في سبيل الغناء كان من الطبيعي أن تنظم في الأغراض التي تناسب هذا الفن كالغزل ووصف الطبيعة ،إلا أنها رغم ذلك خاضت ما تبقى من أنواع الشعر كالمدح والرثاء والهجو والمجون والزهد، ونظرا لطبيعة الأندلس المذهلة الأخاذة ،كان كثير من الشعراء ينجحون في وصف الطبيعة ؛ بالإضافة إلى الجمع بين الفصحى والعامية تميزت الموشحات بتحرير الوزن والقافية وتوشيح -  أي ترصيع - أبياتها بفنون صناعة النظم المختلفة من تقابل وتناظر واستعراض أوزان و قوافي  جديدة تكسر ملل القصائد ، وتبع ذلك أن تلحينها جاء أيضا مغايرا لتلحين القصيدة ، فاللحن ينطوي على تغيرات  ؛ الهدف منها الإكثار من التشكيل والتلوين ، ويمكن تلحين الموشح على أي وزن موسيقى  ؛ لكن عرفت لها موازين خاصة غير معتادة في القصائد وأشكال الغناء الأخرى.

والغزل هو الشائع بين أغراض شعر الموشح ، وهناك أغراض اخرى تعرض لها من بينها الوصف والمدح والذكريات كما ذكرنا سابقا . 

وللموشحات قيمة فنية ذكرها البعض على شكل نقاط : 

1- الموشحات فن عربي اصيل ليس فيه دخيل من الشرق أو الغرب وهذه هي قيمته الكبرى .

2 - الموشحات تضم كنوز التراث الموسيقى العربي من المقامات والأوزان وهى بمثابة مرجع كبير للموسيقيين والباحثين .

3- الموشحات المتوارثة يعد كل منها تحفة فنية كاللوحة التشكيلية الأصلية لا يجوز تغيير معالمها ومن هنا اكتسب هذا القالب قدرة على التماسك عبر الزمن وحفظ محتوياته من التغيير والتعديل وصلح كمرجع لآليات الموسيقى العربية الأصيلة .

4 - تحتوى الموشحات على كم هائل من الجماليات الموسيقية . 

5- يعتبر تلحين الموشحات من أعقد المسائل التلحينية ولا يتصدى له غير كل قادر ، ورغم حجم الموشح الأصغر إلا أنه أكثر تعقيدا من القصيدة والدور وكل أشكال الغناء الأخرى ، ولذلك فهو محك حقيقي لاختبار قدرة الملحن . 

6- كأمهات الكتب في الأدب يعتبر مجلد الموشحات بصفة عامة أساس من أسس الدراسة والتدريب العملي لمن يريد احتراف التلحين أو الغناء وبدونها سيكون كمن يحرث في الماء ، حيث أن الدراسة النظرية لا تكفى لصناعة ملحن أو مغن .

7- تعد الموشحات من القوالب الغنائية القابلة للغناء الجماعي ، ولذلك فهي قابلة للتداول والتوارث كخبرة من خبرات الشعوب بعكس الغناء الفردي الذى قد تضيع معالمه برحيل صاحبه ؛ فالموشحات كغناء جماعي لم يشترك معها في هذه الصفة من قوالب الغناء العربي في العصر القديم غير التواشيح الدينية ، بينما ظهرت في العصر الحديث أنواع جديدة من الغناء الجماعي أهمها النشيد والأغاني المسرحية . 

  • تاريخ الموشحات

ويبدأ بالفتح ودخول الإسلام لهذه البلاد وبعد تعيين أول والي عليها من قبل بني أمية في المشرق ، وبطبيعة الحال كان أدباء تلك الفترة من الوافدين المشارقة وكان للعراق حصة الاسد فقد كان العراق يزود الجيوش الاسلامية  بالرجال  والمقاتلين  ؛ حتى نسب   للخليفة عمر بن الخطاب - في حق العراق واهله  - هذه المقولة الشهيرة  : ((لعراقُ جمجمةُ العرب وكنزُ الإيمان ومادةُ الأمصار ورمحُ الله في الأرض، فاطمئِنوا، فإنّ رمحَ الله لا ينكسر )) ومن الشواهد على ذلك القائد العسكري العراقي أبو عبد الرحمن موسى بن نصير (19 هـ/640 م - 97 هـ/716 م) والذي   شارك في فتح قبرص في عهد الحاكم معاوية بن أبي سفيان، ثم أصبح واليًا على إفريقية من قبل الحاكم الوليد بن عبد الملك، واستطاع ببراعة عسكرية أن ينهي نزعات البربر المتوالية للخروج على حكم الأمويين ، كما أمر بفتح شبه الجزيرة الأيبيرية ، وهو الغزو الذي أسقط حكم مملكة القوط في اسبانيا ... ؛ لذلك اتسم شعر تلك الفترة بأنه مشرقي خالص بمعنى أن خصائصه هي خصائص الشعر المشرقي من حيث الموضوعات والأسلوب ، فالموضوعات تقليدية من مديح ورثاء وهجاء ... . 

ولقد كانت هنالك العديد من اللغات  المستعملة في الأندلس  ؛ و ذلك بسبب تنوع السكان واختلافهم  من مسلمين و مسيحيين و يهود  وعرب وعجم وزنوج و امازيغ و برتغاليين و اسبان و سلافيين و جرمان  ... الخ  ؛ فمثلا هناك لغة aljamiado)   ) و هي لغة لاتينية رومانية تكتب بحروف عربية و كانت هناك كذلك لغة ( الحاكيتيا  ) و هي :  خليط من العبرية و الاسبانية و العامية المغربية و هناك  ( اللادينو )  و غيرها من اللغات واللهجات  التي كانت موجودة في الأندلس... ؛ بينما كانت العربية الفصحى  كما هو الحال في ايامنا هذه  ؛  لغة الإدارة و الثقافة والحكم والمراسلات الرسمية ؛  اما الحياة اليومية فكان الناس يتداولون اللهجة العامية و هي شبيهة الى حد كبير بلهجات المغرب و غرب الجزائر - (اي العربية + الامازيغية + الاسبانية)- ؛ والدليل على ذلك الامر انبثاق فن الموشحات الاندلسية من هذه البيئة ؛ ومن المعلوم ان الموشحات قد خرجت عن المألوف في الشعر والغناء العربي ... ؛  فالموشحات و الأزجال كانت مليئة بالألفاظ العامية و التي قال عنها صفي الدين الحلي : "أول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد مقصدة وأبياتا مجردة في أبحر عروض العرب بقافية واحدة كالقريض لا يغايره بغير اللحن العامي، وسمّوها القصائد الزجلية"... ؛ ف الموشح ضرب من ضروب الشعر استحدثه المتأخرون بدافع الخروج على نظام القصيدة والثورة على النهج القديم للقصيدة وانسجاما مع روح الطبيعة الجديدة في بلاد الأندلس واندماجا في تنوع التلحين والغناء ... ؛ بالإضافة الى ان موسيقى الموشحات تأثرت أيضا بامتزاج الموسيقيات الوافدة بالموسيقيات المحلية التي تعايشت روافدها في بلاد الأندلس ، وقد ظهرت في ذلك العصر قيمة جديدة هي قيمة اللحن كمادة سمعية عالية التذوق يمكن أن تتفوق في قيمتها على الكلمات ، ومن هنا نشأ اتجاه يضع الموسيقى والألحان أساسا تطوع له الكلمات . 

وبعد فتح الاندلس انتقلت  الكثير من علوم الموسيقى  والفنون والتي ازدهرت في بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى بلاد الأندلس بمقدم العالم الموسيقي العراقي  زرياب من بغداد في القرن الثالث الهجري - التاسع الميلادي- حيث كان تلميذا لإسحق الموصلي  العراقي  - موسيقار الحاكم  العباسي هارون الرشيد -  و قد استقر زرياب  في بلاط الحاكم الأندلسي عبد الرحمن الثاني الذى أعجب بفنه وقربه إليه ، وقد أحدث زرياب تطورا كبيرا في فن الغناء والموسيقى ، وكتب "النوتات" وزاد العود وتراً خامسا , وأنشأ أول مدرسة لتعليم علوم الموسيقى والغناء على أصول منهجية اتبعتها مدارس أوربا فيما بعد ، وبفضل أساليبه الجديدة مهد لنشأة الموشح الاندلسي لاحقا ... ؛ وصفوة القول أن زرياب لم ينقل إلى المجتمع الأندلسي فنون الموسيقى وضروب الغناء فقط، وإنما نقل إليه أوجه الحياة الحضارية التي كان المشارقة ينعمون بها، فقد بلغ تأثيره على أنماط الناس الاجتماعية والصحية وتأثرهم به على مستوى الأكل والملبس ، فكان زرياب أستاذاً أيضاً في الإتيكيت والأناقة ، وأصبح في حياته ذو جاه ومال وحظوة ومكانة في البلاط جاوزت الفقهاء والقضاة ... .

زرياب الذي مزج بين الفن العباسي العراقي المشرقي   والأندلسي الاسلامي   الغربي أنشأ معهداً للموسيقى يصنف بأنه أول معهد للفن في العالم واستقطب هواة الغناء من المشرق والمغرب , واستخدم ريشة نسر للعزف بها على العود عوضاً عن الأخشاب، وجدد اللون الموسيقي للغناء في الأندلس خاصة أنه يرتكز على ثقافة موسيقية استمدها من بغداد وبداياته مع أستاذه الموصلي، وأجرى اختبارات للفنانين وتعليم أكاديمي وفق مناهج وأصول معرفية ؛ فكان بذلك من أهم عوامل التواصل بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه في ذلك العصر.

و يعود تاريخ نشأة  الموشحات الاندلسية  إلى أكثر من ألف عام حيث ظهر لأول مرة في الأندلس في القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي - حينما أقدم شعراء الأندلس على تغيير شكل القصائد التقليدية بتعدد القوافي والأوزان في حركة تجديد استهدفت كسر رتابة القصائد ذات الوزن الواحد والقافية الواحدة ثم مزجت اللغة الفصحى بالدارجة في مرحلة لاحقة ؛ كما مر انفا . 

وقد كان مخترع  فن الموشحات في الأندلس  الشاعر مقدم بن معافى  - وقيل معافر - القبري ؛ من شعراء فترة الأمير عبد الله بن محمد المروانى  وهو شاعره  , وقيل غير ذلك  -  محمد بن محمود , وباسل الفوزان - ,  وقلده في ذلك ابن عبد ربه الأندلسي صاحب كتاب (( العقد الفريد)) لكنهما لم يبرعا في هذا الفن كما برع المتأخرين عنهم ... ؛ ومنهم من يعتقد أن الشاعر العراقي ابن المعتز المتوفي سنة (296هـ – 876م) هو أول من أنشأ هذا الفن بقوله:

أيها الساقي إليك المشتكي   ...         قد دعوناك وان لم تسمع

ونديم همت في غرته   ...              وشربت الراح من راحته

كلما استيقظ من سكرته

وقد  ذهب البعض  ومنهم  الدكتور  عبد العزيز الاهواني :  بأن الموشحات أعجمية لوجود ألفاظ أعجمية أي خرجات أعجمية وهذا ما سينقلنا إلى عدة احتمالات هل هي أندلسية أم فارسية أم سريانية – الفارسية والسريانية كانت متداولة في العراق -  ... ؛  من يدرس الموشحات سيجد ان كثير من الوشاحين (وحتى غير الوشاحين امثال الشاعر العراقي الاحوازي ابو نؤاس) يخرجون قصائدهم  بأبيات لأشهر الشعراء من العرب والاجانب أو الفاض دخيلة إلا أنها قد تكون مألوفة لديهم ... ؛  حيث روى أبو فرج الاصفهاني -  ( 356هـ - 936م)  - مقطعة من أربعة ابيات لإبراهيم الموصلي يصف بها خمارا ختمها بالبيت الاتي فقال  : (إزل بشينا) حين ودعني وقد لعمرك زلنا عنه بالشين  ؛ نجد ان الشاعر استخدم مفردات سريانية كعبارة (ازل بشينا ـ إزل بشينا) بمعنى اذهب بسلامة وكذلك (اّزلنا , زِلنا) بمعنى ذهبنا و (بشينا ـ بالشين) بمعنى بالسلامة ... ؛ أما الأستاذ سلمان علي التكريتي  فقد قال :  (( ولا نغالي إذا قلنا ان الموسيقى السريانية بواسطة الكنيسة الشرقية قد تمكنت من فرض فنية ترانيمها الشرقية على عموم أوربا عن طريق مدرسة الرها ونصيبين، وان الموسيقى الأندلسية والموشحات الأندلسية هي موسيقى الكنيسة الشرقية التي انطلقت من وادي الرافدين وبلاد الكنعانيين والفينيقين وشبه الجزيرة العربية. ويعتقد الأستاذ سلمان علي بان الموشحات الأندلسية في المشرق العربي (سوريا، العراق، لبنان، الأردن، مصر) قد تأثرت تأثيرا واضحا بإيقاعات الغناء الشعبي من ناحية وتأثيرات الموسيقى التركية من ناحية ثانية فافتقدت الموشحات الأندلسية في المشرق العربي ميزتها التراثية الأصلية لكننا نجد العكس في المغرب العربي (تونس، مغرب، جزائر) إذ ان الموشحات الأندلسية صارت هي الأساس الذي يستلهم منه الغناء الشعبي لان الموشحات في الاصل كانت هي الغناء الشعبي والتقليدي في ان واحد والدليل على هذه الاصالة والنقاء هو قربها ومشابهتها لأداء الغناء الكنسي المشرقي الذي ما زال يؤدي على شاكلته على مر القرون ومنذ ظهوره وخلال تطوره بأسلوب مار افرام  )) ... ؛ وقد ذهب البعض الى إن الموشحات هــــي مشرقيـــة الأصل ذات جذور كنسية سريانية ، فهذا الفن وجد في الأدب السرياني قبل أن يوجد عند جماعة ( التروبادور)  و( الجنكر )  بقرون ويرجع السبب في ظهوره في الأندلس بدلا من العراق وبلاد الشام :

1- كون بغداد والشام هي مركز الخلافة الإسلامية وكان الأدب العربي لايزال يشكل امتدادا لببيئته الصحراوية في الجزيرة وكان تمسك الخلفاء بتراثهم وانشغالهم في الفتوحات أدت إلى عدم تشجيعهم لأي قصيدة تخرج من اطارها التقليدي .

2- أما الأندلس فلبعدها عن المركز وانفتاحهم على مجتمع شاع فيه الترف واللهو والغناء شيوعا عظيما أضعفت سيطرتهم لا بل جذبتهم الطبيعة الأندلسية وجعلتهم ينسون طبيعتهم الصحراوية وأوزانها التقليدية الآمر الذي أدى بالأمراء في الأندلس إلى تشجيع هذا اللون من الشعر . فبدأت حركـــة التحرر في القـرن الحادي عشـــر فأخذ الشعراء العرب يمثلون بيئتهم الجديدة من غير أن يهملــــوا التقليـــد إهمالا تامــا، أمثال الشاعر ابن زيدون وابن عمار والمعتمد بن عباد وغيرهم .

وقد كانت فترة نشأة الموشحات، كفترة نشأة أي فن، من حيث مشاهدتها لأولى المحاولات التي غالبا ما يعفى عليها الزمن ؛  ومن هنا ولبعد الزمن بتلك الفترة ، لم تبق لنا من هذه الموشحات الأولى التي نظمها مقدم و أمثاله أي نماذج... ؛  ولكننا نستطيع أن نتصورها موشحات بسيطة التركيب قليلة التعقيد ، تتخذ مجالها من الموضوعات الغنائية كالخمر والطبيعة والغزل ، وتكتب كلها باللغة العربية ، ما عدا الخرجة ، التي تكتب باللغة الأندلسية الشعبية... ,  كما كانت ترضى بقالبها ولغتها و أغراضها حاجة الأندلسيين  وقتذاك ، وتعكس اختلاط عنصريهما وامتزاج لغتيهما ، وشيوع الغناء والموسيقى بينهم... ,  وقد تطورت الموشحات تطورا  كبيرا بعد فترة من نشأتها  ، وكان من أهمها تطور أصابها في القرن الخامس الهجري - أيام ملوك الطوائف  - ؛  ثم تطور آخر بعد ذلك بقليل فرع عنها ما يسمى بالزجل ، حتى أصبح هذا الاتجاه الشعبي ممثلا في لونين : لون الموشحات ، وقد صارت تكتب جميعا باللغة الفصحى ، ولون الأزجال وقد صارت تكتب جميعا باللغة العامية... ؛ وانتقل هذان اللونان من الأندلس إلى المشرق فيما بعد ، فكثر فيه الوشاحون والزجالون... ؛  وعرفهما كذلك الأدب الأوروبي ، فتأثر بهما شعراء جنوب فرنسا المسمون  ب(التروبادور) ، كما تأثر بهما كثيرون من الشعراء الأسبان الغنائيين ... ؛  وانتقل التأثير إلى الشعر الإيطالي ممثلا في عدة أنواع ، مثل النوع الديني المسمى (لاودس) والنوع الغنائي المسمى (بالآتا).

وأول من برع في الموشحات عبادة القزاز  -  عبادة بن ماء السماء المتوفى في عام 522هـ، وهو إمام الوشاحين الذي استطاع أن ينشر الموشحات في الأندلس -  ثم تلاه مجموعة من الوشاحين الأندلسيين ، من أشهرهم  :  فلاح الوشاح  - (( في زمن ملوك الطوائف )) - وفي عهد دولة الملثمين برع الأعمى التطيلي ، ويحيى بن بقي ، و أبو بكر بن باجة  الفيلسوف  ؛ وفي عهد الموحدين برز محمد بن أبي الفضل بن شرف  , وأبو الحكم احمد بن هر دوس  , وابن مؤهل وأبو إسحاق الزويلي ... ؛  أما المع الأسماء في سماء التوشيح أبو بكر بن زهر ,  وأبو الحسن سهل بن مالك الغرناطي ,  ثم جاء من بعدهم ابن حزمون المرسى , وأبو الحسن بن فضل الاشبيلي ... ؛  ورئاسة فن التوشيح فهي لأبي عبد الله ابن الخطيب صاحب الموشحة الشهيرة (( جادك الغيث ))  وقد توفى أبو عبد الله سنة 1374 م ،  وهو شاعر الأندلس والمغرب تولى الوزارة بغرناطة وعرف بذي الوزارتين -(( الأدب والسيف)) - وتعتبر موشحة ابن الخطيب من أشهر الموشحات وأغناها بالفكرة والصورة والإحساس والتلوين الكلامي ؛ و أبو حسن علي الظاهر الملقب بالحصري وله أشعار كثيرة منها “ليلة السبت” وهو من شعراء المعتمد بن عباد وتوفي بطنجة ... الخ ؛ وقد ظهر هؤلاء الشعراء وغيرهم في الفترة ما بين القرن الرابع والثامن الهجري - العاشر والرابع عشر الميلادي - ؛ واستمر ازدهار الموشحات في الأندلس لمدة خمسة قرون إلى وقت سقوط غرناطة في أواخر القرن التاسع الهجري عام 897هـ ، أي في القرن الخامس عشر الميلادي ، عام 1492م ، لكنها كانت قد انتقلت من قبل سقوط غرناطة إلى سائر البلاد العربية كالمغرب العربي ومصر والشام من ناحية ، ووصلت أصداؤها بلاد أوربا خاصة ألمانيا والنمسا في بدايات عصر النهضة من ناحية أخرى ، وامتد أثرها إلى أول مؤلفات كلاسيكية لباخ وهايدن و موتسارت ، وهكذا ساهمت حضارة الأندلس في مد الجسور الثقافية بين الشرق والغرب ، غير أن الغرب كان يتمتع بإرث فنى خاص به جعل النهضة الموسيقية الغربية تتطور تطورا هائلا ، وهو استخدام أساليب الهارمونى ، أي الأصوات المتوافقة ، والبوليفونية  ، أي الأصوات المتعددة، و التي ترجع أصولها إلى عصر المسرح اليوناني الذى ترجمه ودرسه عرب المشرق أيضا ، لكن العرب لم يهتموا بأي من هذين الأسلوبين وظل الطرب ملهمهم الأساسي إلى يومنا هذا . 

  • الانتقال إلى الشرق

وقد وفدت  إلى الأندلس  مجموعة من النساء المشرقيات  لتعلم فنون  الموسيقى والموشحات ؛  حيث ذكر أحمد بن المقري التلمساني في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"  بعضهن  :  "عابدة المدنية وكانت جارية سوداء من رقيق المدينة"، و"الجارية قمر وكانت من أهل الفصاحة والبيان"، وهي من اهل  بغداد "وجمعت أدباً وظرفاً ورواية وحفظاً مع فهم بارع وجمال رائع" وأيضاً الجارية العجفاء الشاعرة والمغنية ، وكانت منارة ثقافية إلى أن توفيت في العام 857 ميلادي/ 243 هجرية... ؛ وكذلك تعلم بعض المشارقة من الاندلسيين فنون الموسيقى ولاسيما فن الموشحات ؛ وعلى اثر سقوط غرناطة وهجرة الموريسكيون من الاندلس الى المغرب العربي ؛ ادخل الموريسكيون الموسيقى الاندلسية التي تُعرف كذلك بـ "موسيقى الآلة"  الى المغرب العربي  وهي أعرق تراث موسيقي في المغرب، بعد أن قام بتطويرها كل من زرياب وبن باجة في الاندلس ، وما زالت تتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع المغربي،  و تُعزف في الأفراح والمناسبات ضمن طقوس خاصة ؛ بالإضافة الى فن الموشحات . 

وعندما انتقل فن الموشحات من الأندلس في أوربا إلى بلاد العرب في إفريقيا وآسيا  ؛ تأثر بدوره بفنون البلاد التي انتقل إليها  ؛ فصبغ بصبغات خاصة حيثما نزل ، نظما أو لحنا ، في مصر والشام والمغرب العربي ؛ ويرجع انتشار الموشحات في مصر والشام  الى  القرن السادس الهجري - الثاني عشر الميلادي  -  وذلك عن طريق  ابن سناء الملك المصري المتوفى عام 608هـ / 1212م  ؛ والذى هوى الموشحات وأبدع  فيها  ، وألف فيها كتاب دار الطراز في عمل الموشحات ... ؛ وأعجب المصريون بفن الموشحات وكثر حفظتها الذين كانوا يقدمونها في الحفلات والمناسبات الاجتماعية الشعبية في فرق عرفت باسم  ( الصهبجية )  ، وهم الذين تعلم على أيديهم العديد من الأجيال اللاحقة من الفنانين ... ؛ و في المغرب العربي  نشأت فرق خاصة تعنى بالموشحات التي استمدت كلماتها من الأشعار الصوفية وقدمت عروضها في المناسبات الدينية بمصاحبة الآلات الشرقية التقليدية ووجدت لها جمهورا خاصا من الذواقة وعشاق هذا الفن الاصيل ... ؛ و امتاز فنانو الشام بحرصهم على جمع ألوان الفنون وتدوينها وحفظها حتى غير العربي الفصيح  منها، وشمل ذلك الموشحات الأندلسية ، واستفاد من هذه الخاصية فنانون كثيرون حفظوا الموشحات ونقلوها إلى أجيال بعدهم في الشام وغيرها ... وعرف منهم  شمس الدين الصيداوي و كان عالما بعلم الموسيقى ، وله فيه مصنفات ومنها : كتاب الإنعام في معرفة الأنغام  , وكتاب كنز الطّرب وغاية الأرب في مدح سيّد العجم والعرب ، وكان له فيه ملكة تامة، وانتفع به خلق كثير ؛ وتوفي بدمشق 16 القعدة سنة إحدى عشرة وتسعمئة – القرن الخامس عشر الميلادي - ؛ حتى عرفت مدينة حلب السورية قيما بعد  بالموشحات الحلبية  ؛ و وصلة الموشّحات الحلبيّة تعتمد على مجموعةٍ من الموشّحات تُربط بعضها ببعضٍ وعلى وصفِ شهاب الدين  : فيُبدأ بالمربّع أي موشّح من إيقاع المربّع ذي الثلاث عشرة نبضة ثم إيقاعاتٍ مختلفةٍ وصولاً إلى الموشّحات السريعة في إيقاع الدارج ذي الثلاث نبضات ... ؛ أحياناً ما يتخلّل تلك الموشّحات تقاسيم وليالي مرسلة أو على الوحدة وكذلك قصائد مرسلة أو مواويل بغداديّة ، على أنّ الموشّح هو عماد تلك الوصلة.

و في أواسط القرن التاسع عشر وصلت الموشحات إلى مجموعة من الفنانين الموهوبين لم يقتصروا على حفظ القديم بل جددوا وأضافوا إليه ، فظهرت موشحات جديدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ومن هؤلاء الفنان   محمد عثمان -  ملحن ملا الكاسات  - و الذي ساهمت ألحانه القوية واهتمامه بضبط الأداء مع صوت عبده الحامولى الذى وصف بالمعجزة في انتقال الموشحات من الأوساط الشعبية إلى القصور  , وأصبح الموشح جزءا أساسيا من الوصلات الغنائية ، واستمر هذا التقليد حتى أوائل القرن العشرين حينما ظهرت باقة من الموهوبين أضافت إلى الموشحات مثل سلامة حجازي  وداود حسنى وكامل الخلعي  ، حتى وصل إلى سيد درويش فأبدع عدة موشحات كانت بمثابة قمة جديدة وصل إليها هذا الفن ، لكن المفارقة الكبرى تمثلت في أن سيد درويش نفسه كان كخط النهاية فلم تظهر بعده موشحات تذكر ... ؛ ؛  فقد توارى فن الموشح مع مقدم القرن العشرين وحلول المدرسة التعبيرية التي كان رائدها سيد درويش محل المدرسة الزخرفية القديمة وأصبح فنا تراثيا لا يسمعه أحد ، و لكنه عاد إلى الساحة مرة أخرى بعد عدة عقود... ؛ فقد أعيد غناء الموشحات في أواخر الستينات من القرن العشرين كمادة تراثية عن طريق فرق إحياء التراث التي بدأت بفرقتين هما فرقة الموسيقى العربية بقيادة عبد الحليم نويرة في القاهرة وكورال سيد درويش بقيادة محمد عفيفي في الإسكندرية ، ثم ظهرت فرق أخرى كثيرة في مصر خاصة ؛  ضمن موجة قوية لاستعادة التراث خلقت جمهورا جديدا من محبى الموشحات والفن القديم ، وتعددت فرق الموشحات إلى حد وجود فرقة بكل مدينة وظهرت فرق في الجامعات لنفس الغرض ، كما غنى الموشحات بعد ذلك مطربون فرادى مثل  الفنان الكبير محمد خيري السوري والفنان السوري صباح فخرى وفيروز وظهرت أجزاء من موشحات كمقدمات لأغاني عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد وآخرين مثل كامل الأوصاف لحن محمد الموجي وقدك المياس والعيون الكواحل وغيرها ... ؛ و أصبح للموشح كيان جديد له جمهور كبير ، واكتسبت الموشحات أيضا قيمة اجتماعية راقية نظرا للتطور الذى أدخل على طرق الأداء في هذه الفرق موسيقيا وغنائيا حيث اتسم الأداء بالدقة المتناهية التي ساهمت في تصنيفه كفن من الذوق الرفيع ، وانعكس هذا الاتجاه على الجمهور الذى أبدى انضباطا كبيرا وحسن استماع إلى عروض خصصت للموشحات ، بل إن الجمهور قد استجاب لشرط المنظمين دخول حفلات الموشحات بالملابس الرسمية ! كما ساهم في عودة الموشحات لاكتساب الجمهور شرقية ألحانها الشديدة التي اشتاق الناس إلى الاستمتاع بفنونها بعد سنوات طويلة من التغريب والتجريب .

بعد هذه الجولة السريعة في تاريخ فن الموشحات الاندلسية ؛ لابد لنا من التذكير بأن مؤرخي الشعر والغناء العربي قد اجمعوا على ان فن الموشحات فن أندلسي خالص ، عرف به أبناء الأندلس ومنهم انتقل متأخراً إلى المشرق ، وهو من أروع ما خلف الأندلسيون من تراث أدبي ... ؛ فولادة الموشحات الأندلسية كانت نتيجةً طبيعيةً للرخاء والتقدم الفكري والاتصال بالثقافة الأخرى، و على وجه الخصوص الإسبانية، وإن كان الاختلاف قائماً حول النشأة الأصلية لفن التوشيح... ؛ وما إذا كان متأثراً بشكل أكبر بأغاني الإسبان، أو كان تطويراً للقصيدة العربية وأن البداية كانت في المشرق...  ؛ فقد كان الخلاف كبيراً بين الأدباء والنقاد حول حقيقة تاريخ الموشحات وأصلها ؛ إذ هناك من قال أنها تحمل في طياتها التأثر بثقافة الإسبان، وهناك من قال أنها عربية ولدت من رحم الشعر العربي وتطورت بحكم البيئة التي سادت في بلاد الأندلس... , ولكن لا ضير حول ذلك إذا كان ما وصل إلى هذه الأيام أعذب ما قيل من شعر الأندلسيين، وخلدته الأصوات العربية في ذاكرة الناس... ؛ وللحقيقة والانصاف انها  بلغت أوجها على يد الشعراء الأندلسيين، و لا سيما أن الموشحات كما الشعر الحر تعتبر ثورة على قواعد العروض والقافية الموحدة آنذاك . 

•           شرح ابيات الموشح

احتفى التراث  المشرقي والاسلامي والعربي والعراقي بالكأس والشراب ؛ تارة على نحو الحقيقة واخرى على نحو المجاز والرمزية ؛ بل ان بعض رجال الدين اباحوا احتساء النبيذ ,  والقليل من الجعة ربما بطريقة الاشارة والكناية والشعر , والشاعر هنا يصف حالة السعادة والنشوة التي يعيشه وهو يتناول كأس الحميا من يد محبوبه والساقي يتصف بكونه نحيل الخصر اي نحيف الخصر ؛ والقد ايضا وهو كامل الجسم  ؛ وقد يكون الساقي والنديم أهم من الخمرة نفسها احيانا ,  ان لم يكن من لوازمها الضرورية , لاسيما ان كان جميل القوام والمحيا .

ويستطرد الشاعر قائلا : ( حياة الروح في لفظه ) فهو عندما يتكلم او يتلفظ  بالعبارات والكلمات ؛ يشعر صاحبنا بأن حياته رهينة لتلك العبارات وروحه اسيرة لكلمات نديمه بل ان الفاظه تبث الحياة في روحه كما يفعل الاوكسجين للكائن الحي   ؛ فلصوت الحبيب وقع في القلب لا يشبه شيء اخر ؛ وصدق الشاعر العراقي الشعبي عندما قال : (( جلمة هلة ومرحبا بس لحبيبي تلوك  ))  .

ويكمل الشاعر قائلا : ((   سبانى لحظه الهندى ))  لا يقصد بالسبي هنا الممتلكات المادية بل اراد به  القلب , فقد اسرته عيون حبيبه ونديمه , وهو لا يستطيع الخلاص منها ؛ وشبه عيون الساقي بالسيوف الهندية فكلاهما يفتك بالقلوب ؛ لذلك قال الشاعر فيها : 

الله من فتك العيون وسحرها  ... هي للمصيبة من أعظم الأسباب

فتاكة فتانة طعانة لكن بغير حراب  ... لله معها قدرة مع ضعفها

تلقي صدور الناس بالأعتاب

ومما قاله ايضا :  (مُليمي لا تسل عني - ودعني على عهـدي ) ولعله يقصد بها ( يا لائمي من اللوم ) لا تسأل عن حالي واتركني اعاني الشوق والغرام لا اخلف عهدي مع الحبيب الذي سباني وسيطر على كياني ؛ فهو يطلب من لائمه ان يتركه في حاله ولا يسأل عنه ؛ لأن نار العشق تعجبه , لاسيما وانه تعاهد مع حبيبه على الوفاء . 

وختم الشاعر الموشح بقوله : ((  امان يا مليمي  ))  وقيل ان كلمة ( امان ) و عبارة ( أمان يالالالى ) والتي تنتهي  او تبتدئ – على الاغلب -  بها الاغاني والموشحات والمقامات كلمة و جملة تركية ؛ لها عدة معان وقد اختلف فيها وهي ترادف كلمة ( يا ويلي ) في الغناء العراقي , وكلمة ( يا ليلي يا عيني ) في الغناء الشامي والمصري , وقيل : انها كلمة تقال بعد عجز الانسان من وضع حد لمشكلة ؛ او التخلص من ازعاج شخص له , وقيل انها كلمة عربية في الاصل ومرادها طلب الأمان من الله… ؛  وهي باللهجة العامية التركية :  معناها ( أوف ) كما قيل ، وهي  تقال عند العجز و التعب من شيء ما ؛ ترادف عبارة :  يا إلهي ، ياللهول ... , وكلمة ( امان - aman ) في القاموس اللغوي التركي تأتي لعدة معان , منها : الأمان  ، استغاثة ، دخالة ، طلب المدد، ، رحمة ، غفران الذنب، هوادة ، استغاثة و طلب المدد ، كلمة استغاثة، رأفة، رحمة ، مرحمة، شفقة ، عفو ، صفح ، مسامحة ، عون ، مساعدة ، غوث ، إمداد ، عاشق ، عشيق ، مغرم ... . 

............................................................................

1-أساسيات تلحين الغناء العربي في القرن العشرين / رسالة دكتوراه غير منشورة /  كلية التربية الموسيقية /  جامعة حلوان  القاهرة ٢٠٠٠م ،/ ص ٢٥/ منى عبد العزيز أمين  . 

  • مصادر اخرى : 
  • الأدب الأندلسي: من الفتح إلى سقوط الخلافة / الدكتور أحمد هيكل .
  • الموشحات والأزجال الأندلسية وأثرها في شعر التروبادور / الدكتور محمد عباسة .
  • الموشحات / امل محسن سالم العميري .
  • الموشحات العراقية منذ نشأتها وحتى القرن التاسع عشر / رضا محسن القريشي .
  • الموشحات / مجدي شمس الدين .
  • مجالي تطور الموسيقى العربية / سلمان علي التكريتي .
  • المختار من الموشحات / مصطفى السقا / تحقيق حسين نصار .
  • الموشحات الأندلسية وعلاقتها بالغناء / مقداد رحيم . 
  • (الايقاع في الشعر) دراسة مقارنة بين العربية والسريانية / نزار حنا .
  • الموشحات الأندلسية / محمد زكريا عناني .