تغريداتي رسائل مُبهمة لا تصل | حديثة عِلم.
تغول المادة..!
"الفرح أصبح هو اللحظة غير الإنسانية التي يتم فيها استعراض الثروة والتباهي بها وتزداد فيها حدة الصراع الطبقي" -عبدالوهاب المسيري.
- تصدير الأزمات: الحداثة/ما بعد الحداثة
ظهرت فكرة المشروع الحداثي من داخل أوروبا، خرجت ثائرة على الماضي و الواقع الكنسي، نذرت نفسها بفلاسفتها من أجل الإنسان-هكذا بدأت- لكنها بالغت في التمركز حوله لدرجة أنها لم تعد تدور في فلك الإنسان الذي أقسمت على السعي من أجل تقدمه، لقد انفرط العقد أثناء تلك المحاولة و تناثر في شتى البقاع حتى أصبح من الصعب لملمته، عجز ذلك المشروع عن الاكتمال والموازنة حتى أنتج لنا واقعاً إنسانياً مشوهاً، نقول إنسان على فرض أن معنى الإنسان لا زال قائماً في حضارة الإسمنت والحديد التي نعيشها.
- خرجت تلك الفكرة من أوروبا وأرادت أن تهيمن بغرض نبيل كما يدعي المنظر لها وهو "تحديث" العالم، لكن أثناء ذلك صدرت مشاكلها وعيوبها من نزع للمقدس، وفردانية ومادية، ولعلنا لم ننعم بالمزايا بقدر العيوب.
-تتابعت أزمات الحداثة التي قُدر للعالم أن يعيشها وكان أحدها تحول الإنسان من "منتج" إلى "مستهلك"، من "المنفعة" إلى "سعي دائم للذة"
وهنا سوف أخوضها من خلال جانب واحد بدأ يظهر في المجتمعات العربية وغرقت فيه المجتمعات الغربية وهو جانب المادية، الاستهلاك، تبديل الجلود حسب آخر الصيحات. والذي وإن لم يكن أزمة فهو بداية "أزمة" قيمية.
-ثقافة التباهي:
لقد تحول الإنسان إلى كومة من الأشياء، يجمع نفسه وشخصيته من خلال مراكز التسوق، فهاهي إحدى الفتيات تشتري حذاءً غالياً ب 7 الآف ريال، لم يكن فيه شيء مميز سوى سعره الذي يعبر عن ثقافة"التباهي"، ثم تمر لتشتري حقيبة جلدية بمبلغ أقل هو 4 الآف -فهي لا تحب التبذير- هكذا تقول لصديقاتها، ثم تختم جولتها في السوق بشراء آخر إصدار للآيفون، رغم أن هاتفها لازال يعمل ولكن ثقافة"التباهي" تفرض نفسها وهوس الشكليات المُرهق يجعل الأمر في مقام الفريضة.خرجت من السوق وقد جمعت نفسها بشكل جيد، لقد كونت هويتها وتشعر أنها امتلكت قيمة بحسب المبلغ الذي دفعته.
و ما نموذج "مشهورات الانستجرام والسناب" عنا ببعيد.
- رؤية العالم خلال ماديته:
لأن الناس باتوا يعيشون نوعاً من النهم الاستهلاكي، أصبحوا يقدسون السوق وما تنتجه بل تجاوز الأمر ذلك إلى تقديس البيئات المنتجة، بغض النظر عن تضررهم، عن زيادة الطبقية، عن بؤس الفقير الذي لا ينعم بلذة الاستهلاك ولنذكر ما يقرب الصورة: يُنظر إلى الغرب باعتباره مُنتج، ولا ينظر له باعتباره مستعمر، لم يعد البسطاء يذكرون جرائم الحروب بقدر ما يذكرون فضله في رقيهم-الوهمي-، لقد تخدرت الشعوب أمام رغباتها المادية والتي تندرج ضمن -الرفاهيات- لا -الضروريات-.
وليس ببعيد عنا الطرح التويتري الذي يلخصه البعض أن علينا تقديم الامتنان ولاشيء غيره للعالم الغربي، وكل سخط من ظلمه ونهبه لنا يُعد عندهم كفراً بالمادة المقدسة.
- إقصاء الفقراء:
وهنا أتذكر تشبيه باومان للمستهلكين بلعبة الكراسي الموسيقية التي تهدد دائماً ببقاء شخص خارجها، و رغم أنني أشك حتى في قدرة الفقير على الركض حول الكراسي أو مشاركة الجموع الغفيرة تلك المحاولة، إلا أن تشبيه باومان هنا في محله، فأمام هذه الثورة الاستهلاكية و السعي للذة تبقى هناك طبقة مُبعدة بوعي أو دون وعي من المجتمع و يُنظر لها على أنها وفقرها عيب أو خلل أو حتى بعين الشفقة، مهما كان ذلك الفقير راضياً عن ذاته، قنوعاً بحاله إلا أنه يبقى مهمشاً وهويته ناقصة طالما لم يوازي آخر صيحات التكلف وليس الكل يصمد أمام هذه النظرة بل عادةً ما يتجاوز الناس إمكانياتهم المحدودة حتى ينخرطوا في ثقافة الاستهلاك.
- هذه المادية التي بدأت تأكل مجتمعاتنا وتحولها تدريجياً من مجتمعات "تراحمية" إلى "تعاقدية"* ليست إلا نتاجاً مستورداً من حضارة فرضت نفسها علينا، حضارة استبدلت "الهوية المشتركة" ب "المصالح المشتركة" حسب تعبير باومان، وليس العيب في التعاقد ولا الاستهلاك ولكن في طغيان تلك الفكرة في رؤوس الناس وسماحهم لها بتحريكهم، فمن منا لا يتلهف لمعرفة وتجربة كل جديد يسمع به حتى لو لم يكن في حاجته!
-في النهاية المادة والسعي لها ليس عيباً في ذاته، لكن السعي لها بهوس هو جزء من فشل الحداثة وما بعدها الذي رغماً عنا نتحمله.
--------------------------------------------
~*المجتمع التراحمي والتعاقدي مصطلحات قدمها علماء الإجتماع للتفريق بين المجتمع الذي تكون المنفعة فيه قائمة على القيمة الإنسانية و هو التراحمي، والمجتمع التعاقدي الذي يعتمد على المصلحة والمنفعة المادية.
