لقد عرفت البشرية منذ قديم الزمن فنون الآداب المختلفة وأخذت تتناقلها من جيل إلى آخر شفاهيًا إلى أن أدخلت التطورات المتلاحقة مفهوم الكتابة ليصبح ما يتم تداوله مطبوعًا في شكل مخطوطات أو كتب. ومن الجدير بالذكر أن للسرد الشفاهى الفضل في احتفاظ العديد من الأعمال بروقنهم لفترات طويلة حيث تعكس هذه الأعمال الإبداع الذى توصل إليه البشر قديمًا بالرغم من الفترات العصيبة التى مرت بها الحضارات.
وإذا نطرنا إلى ألف ليلة وليلة، سوف نجدها مجموعة من القصص تختلف عصورها وأصولها ومواطنها، لا شئ يحكم ربط أجزائها على هذا النحو، ولا شئ يحد من مادتها، وكذلك لا نعرف اسم مؤلف واحد ولا اسم قاص واحد ممن ألفوا قصصها، أو قصوها بأسلوبهم. لذا فهى تتميز بتعدد الرواة والمؤلفين، وبالتالى تعدد المحتوى القصصى واختلافه حتى لو تشابهت أو تباينت بعض القصص مع بعضها البعض. ويرجع هذا إلى طبيعة الحكى الشعبى أو المؤلف الشعبى الذى ينزل إلى جمهوره من المستمعين ويندمج معهم أثناء السرد حيث كل همه إرضاء وتلبية رغبات جمهوره غير مكترث لمن يُنسب إليه الأدب.
كما تتعدد مصادر ألف ليلة وليلة بسبب تعدد الثقافات التى تناولتها، لتعكس المرونة التى كانت تتمتع بها القصص الشعبية في البلاد المختلفة حيث كانت الوسيلة المسلية للغالبية. ومن الملاحظ أن الإسرائيليات والقصص الهندية والفارسية والمصرية والبغدادية تتداخل في ألف ليلة وليلة بل وتنصهر كلها مع بعضها البعض ليخرج لنا هذا التراث الحي، والذي يعتبر وثيقة خالدة لتوحد الشعوب في إحدى الحقب الزمنية.
ومن الواضح تأثر الليالى بالقرآن الكريم، فمبدأ العفو عند المقدرة وإطلاق سراح الجانى حتى لا تكون نهاية القصة محزنة ومؤلمة، ويتجلى هذا في عفو شهريار عن شهرزاد. علاوة على أنه من الملاحظ أن قلما يتم ذكر قصص عن الجن وليس فيها إشارة إلى سليمان أو إلى أحداث أو أشياء تتعلق بالقصص حوله. وقد يبدو هذا التأثر نابعًا من التغييرات التي كان يشهدها المجتمع حينذاك حيث أن الأدب ما هو إلا مرآة يعكس آمال وطموحات وما يدور داخل النفوس. فربماً لزيادة الظلم والكرب التى واقع على الناس، لجأوا إلى الأدب الشعبى كمتنفس عن ما يمرون به من أزمات. وكنتيجة لما سبق، فالأدب الشعبى بمختلف فنونه ما هو إلا رصد لحالة المجتمع بالإضافة إلى أنه مشابه للآداب القديمة التى تعتبر منبعها ومصدرها الأول.