" لمّا هو ؟!

يومًا ما تفحصت مفكرتي جملةً ، اطلعت علي كل ما سبق أن كتبته من خواطرٍ و مقالات ٍو كذلك حديث النفس ، وجدت الصفة السائدة علي أغلبها ، إن لم تكن كلها هي - الحزن -

.

حاولت أن أتذكر شيئا من نظمٍ حفظته سابقًا ، فتذكرت الخنساء !

من منّا لا يعرف الخنساء و قصائدها في رثاء أخيها صخر .

أعينيّ جُودا و لا تجمُدا ألا تبكيان صخرَ الندي

و عن الحب تذكرت ليلي و مجنونها ، و أشعار ابن الفارض وكلمات عاتكة بنت زيد .

كل ما أذكره يشوبه الحزن ! ، في دراستي لا أذكر مريضًا رأيته فرحًا بشفائه ، و لكنّي أذكر جيدًا وجوه أهله .. أمّا عن دموع أبٍ رأيته أمام غرفة العناية في مستشفي الأطفال فحدث و لا حرج .

جميعنا نتحدث عمّا يحزننا كما لو كان حدث بالأمس و لو أنّه في الحقيقة قد تعاقبت عليه السنون و الأعوام . و حين نكتب وقتها فإننا نتبع قانون " الطاقة لا تفني و لا تستحدث من العدم ، و لكن تتحول من صورة إلي صورة أخري " .

و ما علاقة الحزن بالطاقة ؟!

الحزن كلمة جامعة لطاقاتٍ عدة . اليأس ، الندم ، الفراق ، العزلة ، الفشل ، الإحباط ، و غيرها الكثير .

بدءًا من أن تصدم إصبع قدمك في الطاولة إلي أنّ يُفقدك الموتُ أعز من تملك ، كلهم سواء ..

بتُ أؤمن أنّ الحزنَ ينتج عن سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي ما إن تبدأ لا تنتهي . تندثر و يخبو نورها ، و لكنّ النار ما زالت مشتعلة تحت الرماد ، في هدوء حذّر، تنتظر نسمة الهواء التي تمنحها الحرية من جديد .

بطبيعتي لا أحب الحزن ، و لا الحزانى ! ، و أبغض شئ عليّ هو مجالسة من يسلم نفسه للحزن بلا مجاهدة . و رغم ذلك أحزن ، و مررت بالموت و فقدان الأحبة ، الفشل ، اليأس و الاحباط و غيرهم .

لا أفعل شئ سوي أن أعتزل الناس ، و أكتب ، اقرأ ، أرسم ، أو أجلس فقط دون فعل أي شئ . لا لشئ إلا لأنني أدرك أن الحزن طاقة لا تتحملها الروح وحدها ، فما تلبث أن تلقي بعضها للعقل ، و بعضها للقلب ، و البعض هنا للسان ، تمرُ بالأحلام ، الذكريات و الأهداف ، نهاية بمسار جديد لحياتك مُسيّر بشعلة الحزن . و لذلك نكتب ! ، عسى أن تحمل عنّا الكلمات و الأقلام بعض الهموم .

و لذلك أيضا نغضب ، و نصرخ ، و نبكي !

و لهذا قد نعتزل الناس ، حتي لا يصل الحزن إليهم منّا فيرهق أرواحهم .

قد يبدو ذلك شيئا مريعًا ، و لكنه ليس ذلك حقًّا . الحزن قد يكون طاقة إيجابية ما دامت تحت سيطرتك ، قد يطول جهادك معه و قد تنهك قواك ، و لكنه سيوصلك للفرح بنفسه حين تنجح .

أما أن تقع أنت تحت سيطرته ، فقد تفقد كل شئ . لذا فالحزن شرٌ لابد منه .

لابد أن تبكي لتعرف حقيقة الضحكة ، و أن تفشل لتشعر بالنجاح . لابد أن تحزن لتتوازن كفتي حياتك .

أما لحظات الفرح و إن كانت كثيرة فهي لا تتشعب مثله ، تأتي لنضحك و تمرح ، نحب و نسعي ، نعيش لنتذكرها ، تنسينا الألم و تُحيي الأمل من جديد . لا أكتب فيها لأنني لا أريد أن أفقد تلك الطاقة أو أن أُحيلها لصورة أخري ، فقط أتركها تزيد حتي إن تجاوزت الحد و لكن تبقي بداخلي في النهاية .

هذا مقال حزين حقًّا !

١٢-١٠-٢٠١٦