الكتابة هي روح

قد اعتدنا أن نصف أبلغ الإتقان في صنعة ما -حين نعجز عن وصفها بحق- أن فيها "روحا"، وهذا لإيماننا الفطري بأن عالم الروح هوالكمال والجمال والتفرد.

وكما أن الروح مشاع بين الخلائق، كانت بصمة التفرد ،كذلك، ميزة يلتمسها أي طالب ومحترف.

أعترف بهذا، لأن الكتابة مهما تراكم عليها صدأ الأسماء العريضة، أو مجاملات العصبة المتفقة، ستنهض-ولا بد-  من تحت الرماد لتمنحنفسها للكاتب "ذي الروح" كي تستمر بروحه حتى يسلمها لروح جديدة جميلة، وهكذا في تتابعية ترتقي عليها الكتابة لتصعد بالوجدانالإنساني المتجدد.

كم تقرأ لأسماء هيأ لها الإعلام والعلاقات العامة زخرفا من المكانة، ولكنك في حسك -القارئ- تجد مواتا لا حياة فيما تكتب! لأنها اختنقت منمراعاة الشكلانية  وقواعد النوع الأدبي، والأهم: أنها فقدت شعورها بمسؤولية الكتابة في إضافة قيمة على وعي الإنسان أولا.

ما قيمة التفاصيل تلو التفاصيل في تضاعيف الروايات غير أن تجاوز مئات الصفحات! ما الحقيقي وراء إعادة استنساخ الأعمال الخالدةبحجة تناص الفكرة ومناقشة الرحلة الإبداعية؟ ما علاقة قارئ يبحث عن ذاته بكتابات ما تزال تدور في أزقة الحارة التي سلخت نفسهابنفسها عن ذاكرة مكانها ومدينتها، بل و زمانها، كل هذا الجهد المسرف لمجرد أن كاتبا كبيرا قد اشتهر بأنه مؤرخ الحارة العربية!! 

في النظرية الفلكية حول الثقوب السوداء، عندما يتلاشى النجم ينعدم الزمكان في نواته، لذا، كل من يدخل في الثقب الأسود يتلاشى، لأنه لايصبح أي شيء، فالشيء يحصل ينراكم وجوده بفعل الزمان والمكان معا.

وعالم الكتابة يحصل فيه النقيض والنقيض الآخر فيما يخص الزمكان. ففي الوقت الذي يبني الكاتب وجودا لعمله من خلال تفاعلات الزمانوالمكان، يصبح التضخم في هذه التفاعلات -ذاتها- طريقا بنهاية لا عودة منها، إذ ينفجر كل من الزمان والمكان ولا يعودان بقادرين على حملالمزيد من تكرار ذواتهما.

الكتابة ذات الروح قد انتهت من فكرة الزمكان، لأنها تؤمن أن الوجود اليقظ لا يتقيد بظروف خارجة عنه، فالنجم المحترق هو كذلك فيه حياةتفرضه وجودا في معراج السماء قادرا على جذب الأجسام المحيطة به وإذابتها في نواته.

والكتابة التي لا تخرجني من ذاتها ولا من ذاتي هي كتابة بلا روح حتى لو استخدمت مساحيق الزمان والمكان.

الكتابة اليوم تتآكل من داخلها لكثرة الزحام ، ولا مخرج لها - وإن كانت ستخرج بشجاعتها عاجلا أو آجلا- إلا بكتابات تعيدها إلى أول ماخرجت منه: الروح الإنساني، لا منمنمات السياسة والاجتماع و علم النفس والشكلانية.