إن من الأسوأ والأقسى والأشد ألماً على قلبك هو فقدان من كانت أيامك ممتلئةً به!

من تشاركه تفاصيل يومك، من لا تضع لأحاديثك معه أي حدود وحذر!

من ترمي عليه ثقل أيامك ولا يتذمر ولا يمل!

من تأتيه مثقلاً موجعًا وتذهب وأنت بأتم العافية.

هذا ما يسمى فقد وما سواه رحيل كأي رحيل يعوّض

الفقد الذي يبدل مفاهيمك عن الحياة جملةً وتفصيلاً

الفقد الذي معه تتساوى عندك كل الأمور، فلا طعم للفرح ولا معنى للسعادة.

بعد هذا كله سأقول: هنا لن أشرح مدى وعمق ووجع وألم فقد أمي على روحي وقلبي بل وكل تفاصيل حياتي!

سأتحدث قليلاً عن العزاء، وأسأل الله السداد.


فقدت أبي طفلة ولم أكن أعي معنى الموت والفراق والعزاء وتفاصيله، إلا أن الوجوه حزينة وأبي لن يعود مرة أخرى، ولن استطيع انتظاره عندالباب كعادتي!


فكان عزاء أمي العزاء الأول في حياتي الذي استشعر معناه وتفاصيله واستمع بالقلب لمواساة المعزين ودعاءهم.

أعرف جيدًا عبارات العزاء والأدعية التي تُقال

وقد وقفت مواقف عديدة أرددها لأهل العزاء

لكن لم أكن أعي فعلاً مدى أثره في نفس المعزى!

حتى وقفت الموقف المؤلم واستقبل المعزين،

كان لعباراتهم_والتي كنت استمع لها بقلبيعظيم الأثر، وكأني لأول مرة اسمعها!

أيقنت بعد تلك الأيام لِمَ شُرع العزاء بل والحث عليه!


وتعلمت منها ما يجب علي قوله وفعله، وما يجب علي الامتناع عنه (من وجهة نظري على أقل تقدير)

 سأذكر بعضًا من التوصيات وهي_بالتأكيدمحل قبول ورفض.


_من أعظم ما تعلمته الحرص على تقديم واجب العزاء لكل من سمعت بحالة وفاة لديه ولو بعبارات بسيطة تسلي قلب الفاقد، وإذا كان قريب المسكن ذهبت للصلاة وتقديم واجب العزاء على أي حالٍ كانت علاقتي به.

قد كان لرسائل المعزين ومواساتهم ودعاءهم عظيم الأثر في نفسي، أسأل الله أن يجزيهم عني خير الجزاء، ويرفع منزلتهم في الدنيا والآخرة.


_عدم منع أهل الفقيد من البكاء أو استنكار ذلك عليهم!

الفقد موجع لا أحد يستطيع احتماله ولنا في خير الخلق صلاة الله وسلامه عليه المثل، فقد بكى وأبكى لشدة حزنه.


في العزاء لا بأس من ذكر تجربتك المشابهة وكيف تجاوزتها بالصبر والدعاء، لكن أن تُعظِّم مصيبتك وتقلل مصيبة من اتيت له معزّيًا سيء، بل والله إنه مؤلم ومؤلم جدًّا، وكأنك تقول ( ما مصيبتك أمام مصيبتي؟!!)

فلكل مصيبة وقعها على نفس المصاب بها.


_ عدم السؤال عن أسباب الوفاة ولا عن ماعاناه الميت وتجنب ذلك. 

الحرص على ذكر محاسن الميت، وذُكر ما خَفيَ على أهله مما حَسُن من عمله.

كان لحضور صديقات أمي وزميلاتها المقربات في دار تحفيظ القرآن وحزنهن الشديد على أمي وذكرهن عظيم فقدها عليهن وذكر فضائلها وحسن صحبتها ومبادراتها بالأعمال الخيرية بل وبأمور لم نكن نعلمها 

عظيم الأثر في نفوسنا، ووالله كان فيه سلوة عظيمة لنا.




ختامًا أحمد الله على قضاءه وقدره، وأسأله أن يجعلني عملاً صالحًا متقبلاً وحجابًا لوالديّ عن النار.


واستغفر الله إن زللت فيما كتبت.