#منغصات_الدنيا: أخبر الله عن التنغيصات التي في الدنيا فقال: {ولنبلونكم}، قسم لا بد لك منه يا ابن آدم، {ولنبلونكم بشيء}، لم يجعل حياتك كلها تنغيص، بل لو قارنت بين البلايا التي عندك وبين نعم الله عليك التي لا تتذكرها إلا إن ابتليت بفقدها لوجدت أنك في خير كثير وبلاء قليل، {ولنبلونكم بشيء من الخوف}، لتطلب الأمان عنده، {والجوع}، لتطمع في كرمه، {ونقص من الأموال}، لتعلم أن الغنى الحقيقي هو الغنى به وحده، {والأنفس}، لتتذكر قدرته عليك، ولكي لا تطغى بما عندك على من ليس عنده ما عندك، {والثمرات}، لكي لا تنغر بالفاني عن الباقي، {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات}، قسم لا محيد لك عنه، ومن نعمته أنه يجري عليك في الدنيا الفانية، ثم تبعث وتحشر إن كنت صالحا خيرا مما كنت في الدنيا، في دار أمنه التي لا خوف فيها، في دار كرامته التي لا جوع فيها ولا عجز ولا مرض بل هي دار الغنى به وبثوابه، ثم أمر حبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشرك فقال: {وبشر الصابرين}، هذا ما يحبه منك، قدم لك ذكر البشارة قبل الصبر، هؤلاء الصابرون من هم؟ {الذين إذا أصابتهم مصيبة}، أي مصيبة، {قالوا إنا لله}، استسلام كامل لمن لا يفعل بهم إلا ما كان خيرا لهم، {قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}، فإذا رجعت إليه تبددت آلامك وذهبت أحزانك، ثم ساق إليك ربك نص البشرى، {إولئك عليهم صلوات}، بصيغة الجمع ثناء كثير عليك بين الملائكة، {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة}، وقد وصف رحمته بأنها وسعت كل شيء وأنها قري من المحسنين، {وأولئك هم المهتدون}، لئن سلب منك نعمة واحدة فقد أعطاك بدلها ثلاث نعم عظيمات، ثناء كثير عليك، رحمة تسعك، ونعمة عظيمة عظيمة لا تساوي معها النعمة المسلوبة منك شيئا أمامها، أن يعطيك الهداية، والعلماء يقولون إن من أوسع الأبواب التي توصل العبد إلى المنزلة العظيمة عند ربه الرضى بالقضاء، والله أعلم وأحكم. مهما عظم بلاؤك، فتذكر أن الله الغني عنك لا يريد إهانتك وليس منه سبحانه هذا تقصيرا في حقك وهو أعلم بما يصلحك، ولذا كما في مفتاح دار السعادة لابن القيم: "وَفِي اثر اسرائيلي ان مُوسَى سَأَلَ ربه عَن شان من يعذبهم من خلقه فَقَالَ يَا مُوسَى ازرع زرعا فزرعه فاوحى اليه ان احصده ثمَّ اوحى اليه ان أنسفه وذره فَفعل وخلص الْحبّ وَحده والعيدان والعصف وَحده فاوحى اليه اني لاجعل فِي النَّار من الْعباد من لَا خير فِيهِ بِمَنْزِلَة العيدان والشوك الَّتِي لَا يصلح الا للنار". وفي رواية لهذا الأثر في كتابه روضة المحبين: "قال يا رب خلقت خلقا تدخلهم النار أو تعذبهم فأوحى الله إليه كلهم خلقي ثم قال أزرع زرعا فزرعه فقال اسقه فسقاه ثم قال قم عليه فقام عليه ما شاء الله من ذلك فحصده ورفعه فقال ما فعل زرعك يا موسى قال فرغت منه ورفعته قال ما تركت منه شيئا قال مالا خير فيه أو مالا حاجة لي فيه قال فكذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه". فلا يعذب الله عذاب إهلاك وانتقام إلا من لا خير فيه، وإنما يبتليك من العذاب الأدنى إما تأديبا لك على ذنوبك ليمحصك منها، فذاك لك خير، وإما لتقصيرك في طاعته وقد جعل لك درجة عالية في الجنة لم تصل إليها طاعاتك فأنت مقصر، وذاك أيضا لك خير.