(1)
بادئ ذي بدء لابد من الاشارة الى ملاحظة مهمة وهي انني عندما انتقد هذه الشخصية او تلك ؛ هذا لا يعني انني اشمل اسرته او عشيرته او طائفته بالنقد او التجريم ايضا , فلا تزر وازرة وزر اخرى , ولغة التعميم مرفوضة مطلقا , و عندما اذكر هذه العائلة او تلك العشيرة ؛ انما ذلك لأجل الاطلاع على بعض الآراء في التاريخ والانساب والأنثروبولوجيا والسياسة التي تخصها وتدور حولها , وليس القصد من الذكر والاستطراد شمولهم كلهم بالطعن او الانتقاص او النقد , فما يرد على هذه العائلة قد يرد على باقي العوائل وما يشكل به على نسب تلك العشيرة قد ينطبق على سائر العشائر والقبائل الاخرى , ولسان حالي في هذه المقالات ؛ يعتمد على ما يدور بين العراقيين من مهاترات وسجالات ونقاشات واتهامات في المجالس الخاصة والعامة ومواقع التواصل الاجتماعي ؛ وتسليط الاضواء على المستور وما يحكى خلف الستائر وفي الظلام من أكاذيب وطعون وافتراءات فيما بينهم ... الخ ؛ كي يعرف الطرف الاخر ان ما يتهم به غيره قد ينطبق عليه بل لعله أولى به من غيره ؛ من باب الزموهم بما الزموا به انفسهم فنحن عندما نتماهى مع هذا المنطق المنكوس لا يعني اننا نؤمن به بقدر ما نحاول بيان عيوبه واخطائه واقامة الحجة على الطرف الاخر المدعي بما يؤمن به من خرافات وخزعبلات وترهات واساطير ومعتقدات رجعية وافكار بالية وادعاءات كاذبة ؛ ولست مسؤولا عن كل ما جاء في هذه المقالات لأنني انقل ما يدور بين ابناء الشعب العراقي , وناقل الكفر ليس بكافر كما يقولون ؛ واليت على نفسي المضي قدما في طريق المكاشفة والصراحة وان كنت اعلم ان الصراحة - في وقتنا هذا - طريق مهجور لا يمر به الا القليل من الذين نذروا حياتهم من اجل انقاذ العراق والعراقيين من براثن الاستعمار والاحتلال والتبعية والطائفية والعنصرية والمناطقية والفئوية والحزبية والتخلف والانحطاط ؛ ولان المصالحة الوطنية تأتي كنتيجة منطقية بعد اكمال خطوتين سابقتين عليها الا وهما خطوة المصارحة والمكاشفة ثم خطوة الاقرار بالجرم والخطأ والاعتراف بهما والاعتذار والتكفير عنهما ؛ بالإضافة الى الاستناد الى ما كتب في هذه المجالات من دراسات وبحوث ومقالات وما ألف فيها من كتب وموسوعات , مع الاخذ بعين الاعتبار آراء الشخصيات المعاصرة للأحداث واثبات شهاداتها التاريخية .
(2)
تعد عائلة السويدي من العوائل العثمانية التي خدمت الاحتلال التركي البغيض وشاركت في المظالم الاجتماعية والسياسية والتشويه الثقافي والطائفية في العراق فقد تسنموا مناصب رفيعة في العراق ابان العهد العثماني كالقضاء والافتاء والتدريس وتمثيل الحكومة العثمانية ؛ كما انهم تواطئوا مع الاحتلال البريطاني الخبيث بمعية العوائل والشخصيات الاجنبية والغريبة والطائفية والعنصرية الاخرى في تأسيس نظام سياسي منكوس لا يستند على اي اسس شرعية او وطنية عادلة .
مسقط رأس السويديين
انحدرت هذه العائلة من منطقة الدور والتي تقع قريبا من تكريت , وهي من المناطق العراقية التاريخية العريقة - قد انجبت لاحقا شرذمة من أسوء المجرمين والطائفيين والعنصريين في القرن العشرين - وهاجرت فيما بعد الى بغداد بسبب تفشي البطالة فيها ؛ فقد ذهب بعض المؤرخين الى ان ظروفا متنوعة قاسية طرأت على بلدة الدور التي كان يعتاش اهلها على زراعة البطيخ والرقي - علما ان اهل الجنوب كانوا يحتقرون من يمارس زراعة هذه المحاصيل في عرفهم الاجتماعي المرتبط بالعرف العربي القديم - أدّت إلى أن تفقد البلدة رونقها وعزّها ، فأخذ بعض أسرها بالنزوح عنها إلى بغداد .
ويذكر عبد الرحمن حلمي - وهو مؤرخ بغدادي دوري الأصل - إن من تلك الظروف : (( تحول النهر عنها ، وبقاء أراضيهم لا يصعدها الماء غير صالحة للزرع والحراثة )) , كما يذكر أنّ ما دعا أهلها إلى هجرها : (( ما لحقها أيضا من مظالم الحكام )) فضلا عن غارات العشائر عليها وعلى ما يليها ، إلى حد أنه : (( لم تبق حرفة لمحترف )) ؛ ولم يحدد هذا المؤرخ الدوري زمن حدوث هذه الهجرات الا ان الامر المتفق عليه استمرار هذه الهجرات حتى القرن العشرين ؛ وفي بغداد اختار الدوريون النازحون إليها الإقامة أقصى جانبها الغربي ، بين علاوي الحلة وسوق العجمي مؤلفين هناك محلة صغيرة نسبت إليهم – محلة الدوريين - وتدريجيا ، أمست هذه المحلة موئلا لكلّ أسرة دورية آثرت أن تقيم في بغداد ؛ لذلك عدت هذه العائلة من العوائل البغدادية تارة والدورية تارة اخرى.
وقيل : ان اول من هاجر الى بغداد من اجداد السويديين ناصر الدين ؛ ومما لا ريب فيه ان الاسباب التي دعته للهجرة هي نفسها التي ذكرناها انفا , او لأمر خفي لا يعلمه الا الله ؛ او لعله يدعي ذلك وهو في حقيقة الامر ليس دوريا بل يحتمل انه ليس عربيا بل ولا عراقيا , فتبقى اقوال القوم مجرد ادعاءات قد تخفي وراءها غايات سياسية مبطنة , لان القرائن تشير الى خلاف ما يدعون والوقائع تكذب ما يقولون .
ومن المعلوم ان هذه المناطق - بما فيها الدور- قد قطنها النصارى سابقا ؛ واستقر بها بعض فلول المغول لاحقا , بالإضافة الى قيام الاتراك العثمانيين بتوطين العديد من الشخصيات والعوائل والمجاميع البشرية الوافدة من اسيا الوسطى والقوقاز من بقايا الانكشارية المأبونين ورعايا وسبايا العثمانيين في هذه المناطق ؛ وذلك لحماية الطرق التجارية وطرق الامدادات العسكرية التي تربط بغداد بالموصل وتركيا بالإضافة الى حلب والشام ؛ اذ تواجدت تلك القبائل بصورة عامة على خط يحاذي مرتفعات حمرين وهو الخط الذي اتخذته الدولة العثمانية حدوداً لها في زمن السلطان مراد عندما فشلت في احتلال بغداد وقتذاك ؛ مما جعلها تجمع وتوطن القبائل التركمانية – بمختلف اصولها واعراقها وبلدانها - والكردية الوافدة والاجنبية الاخرى المحاربة مع الجيش التركي على طول هذا الخط – شمال بغداد وصعودا الى شمال العراق الذي كان يضم الموصل وتوابعها والجزيرة وديار بكر - الا ان المؤرخين القدامى عندما يطلقون مصطلح ( العراقين ) فأنهم كانوا لا يقصدون هذه المناطق مطلقا ؛ بل كانوا يريدون به الكوفة والبصرة اي الوسط والجنوب العراقي وهذا يعني ان العراق التاريخي المعروف للعرب آنذاك كان محصورا بين هاتين المنطقتين الا ان التاريخ القديم والدراسات الاركولوجية تشير الى ان امبراطوريات بلاد النهرين تشمل اراضي كبيرة وممتدة ؛ تبدأ من داخل الحدود التركية الحالية – ديار بكر – والسورية وصولا الى البحرين .

و عندما اراد الاتراك اضفاء الشرعية على حكوماتهم وغزواتهم و احتلالهم للبلدان الاسلامية و غيرها ؛ قاموا بعدة اجراءات سياسية لتثبيت حكمهم الغاشم في هذه البلاد وغيرها , ومنها تبني المذهب الحنفي , وادعاء الخلافة الاسلامية , و توزيع الالقاب الدينية والتجارية والاجتماعية والسياسية على العوائل والشخصيات الموالية لهم , و تم تزوير انساب هؤلاء الغرباء الذين جاءوا مع الاتراك الى العراق من خلال اخفاء اصولهم الحقيقية والادعاء بكونهم من العرب الاقحاح او من بني هاشم الاشراف والذين لم يحالفهم الحظ او تباطؤوا في عملية تعريب انسابهم في العراق ؛ ادعوا فيما بعد انتمائهم للعرق التركي او القبائل التركمانية بينما اصر البعض الاخر على التفاخر بهويتهم الحقيقية ولم يرغبوا بالهوية العربية او العراقية ؛ فكل دعاوى هؤلاء الاجانب فارغة وكاذبة وبعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع ؛ فما هؤلاء الا من شذاذ الافاق الغرباء من بقايا الانكشارية الذين سباهم الاتراك من بلدانهم وعوائلهم المسيحية وهم غلمان صغار وتم تجنيدهم فيما بعد للقتال والنكاح – حتى انطبق القول المشهور في اسلافهم عليهم ايضا (( انهم في الليل عرائس وفي النهار فوارس )) - وقد صاروا من صدور بغداد بل حكامها وكما قال الشاعر : (( قدّمتهم أعجازهم للصدور )) و وزعوهم في البلدان المحتلة من قبل الاتراك ؛ او انهم من القبائل او العوائل او الشخصيات متعددة الاعراق الغريبة والقاطنة في دول اسيا الوسطى وغيرها من الدول التي كانت تحت سيطرة الاتراك كألبانيا واليونان وغيرهما والذين جاءوا الى العراق كمجندين في الجيش التركي او موظفين في الدولة العثمانية او مهاجرين للارتزاق , وقد طاب لهم المقام في ارض الخيرات والثروات بعد رحلة السبي والشتات المضنية ؛ وتصاهروا مع العراقيين الذين ينتمون الى نفس مذهب الدولة العثمانية وسكنوا ديارهم , نعم البعض منهم ارتمى في احضان ابناء ديانته فالأرمني مثلا يعيش مع مسيح العراق واليهودي كذلك ؛ وادعوا فيما بعد انهم من احفاد عدنان وقحطان بل ذهب بعضهم بعيدا بادعائهم انهم من بقايا السومريين والكلدانيين البابليين والاشوريين , بينما لاذ البعض الاخر منهم تحت مظلة العشائر العربية والعراقية بحجة الولاء والجرش , واخرون تلقبوا بـ القاب تشبه القاب اهل المدن العراقية القديمة لإيهام الناس والعراقيين بانهم من اهل البلد .
ومن الطريف ان مجلة العربي الكويتية بعددها (332) نشرت بحثاً مصورا يقع في 23 صفحة بقلم الأستاذ سليمان الشيخ بعنوان : ( عباسيون ) : (( يتحدث فيه كاتبه عن مشاهداته من خلال زيارته لمدينة تيلو بتركيا والتي يكون العباسيون جميع سكانها الذين يقدر عددهم بخمسين ألف نسمة، وقد ذكر الباحث في مقالته مدى تمسك العباسيين في هذه المدينة بعاداتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة ... )) وقصد بهم قبيلة بنو المسترشد و التي من افخاذها عشيرة البو مدلل وغيرها و الذين يقطنون الدور وسامراء وتكريت و بيجي والحويجة الان .. ؛ وان دل هذا على شيء فإنما يدل على الاختلاط والامتزاج فيما بينهم وبين الاقوام التي تقطن مناطق الدولة العثمانية ولاسيما تركيا , وان هذه الاقوام تمسكت بهذه الالقاب الجديدة للتعايش مع قبائل وعشائر بلاد النهرين المعروفة بأسمائها والقابها وافخاذها واصولها ومناطق سكناها ؛ حتى انهم عدوا آل السهروردي من ضمن عشائر بنو المسترشد العباسية ؛ ولعل الامر المؤكد انهم من رعايا الاتراك وقد انتسبوا لبني العباس للأسباب التي ذكرناها في هذه السلسلة من المقالات ؛ واخوانهم من رعايا الدولة العثمانية الذين رجعوا الى الديار التركية بقوا متمسكين بنفس الالقاب العربية التي تلقبوا بها في العراق وغيره زورا وتدليسا وبهتانا .
(3)
هجرة ال السويدي الى بغداد
غادر ناصر الدين هذا بلدة الدور - كما ادعوا - ، ميمما شطر مدينة السلام بغداد ؛ وكان أول ما فعله فيها أن وثّق لدى نقيب أشرافها نسب أسرته ، فكان على النحو الآتي :
ناصر الدين بن الحسين بن علي بن حمد بن محمد المدلل بن الحسين بن علي بن عبد الله ابن الحسين بن علي أبي بكر بن الفضل بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق ابن جعفر بن أحمد بن الموفق طلحة بن جعفر بن محمد بن الرشيد بن محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي .
وقد صادق النقيب والقاضي والمفتي وسائر العلماء على صحة هذا النسب ووضعوا تواقيعهم عليه ، وبذلك أيضا وضعوا بداية مرحلة جديدة لتاريخ هذه الأسرة .
وقد مر عليكم في الحلقة الثالثة كيف تم توثيق المهاجر الغريب طالب النقيب من قبل نقيب اشراف البصرة السيد درويش الرفاعي – المختلف في نسبه اصلا - وهذه الحالة شبه متكررة وروتينية في العهد العثماني وما بعده , وقد مر عليكم في الحلقات السابقة اهمية النسب الهاشمي والتصوف في البنية الدينية للدولة العثمانية ؛ ولعل المثل الشعبي : ((عصفور كفل زرزور واثنينهم طياره )) ينطبق على هذه التوثيقات المشبوهة ؛ ولا بأس بذكر قصة المثل التي شاهدنا مثلها عشرات القصص في عراق الغرباء والدخلاء ؛ اذ يروى : (( انه نزل بدوي خان ببغداد ولم يدفع اجرة المبيت مدعي ان نقوده سرقت وانه سيدفع بعد رجوعه مرة ثانية ؛ فرفع صاحب الخان امره للقاضي فطلب القاضي منه كفيل .. وكان هناك بدوي اخر من نفس ديار الاول معه بالخان اسمه (عصفور) ولكن القاضي رفض الكفالة لعدم وجود مكان ثابت له وقال ... : وي وي اشلون اثنين ( عصفور كفل زرزور واثنينهم طياره) ... )) .
فهذه الحالات اشبه بالسيناريوهات المعدة سلفا والمتفق عليها بين القوم ؛ غريب مجهول الحال يأتي من خارج بغداد ويدعى انه من بلدة الدور ومن ذرية بني العباس – كما يروق له – كي يتهافت السادة موظفو الدولة العثمانية بعدها , على توثيق نسبه وتحويله بقدرة قادر الى ( ماركة ) عثمانية وعائلة بغدادية هاشمية بجرة قلم ... وادعوا فيما بعد انهم اصلا من بغداد ؛ بما انهم عباسيون وهاجروا منها بعد دخول المغول اليها الى بلدة الدور ؛ وقد اعتاد هؤلاء المهاجرون الغرباء والاجانب الدخلاء على تأسيس عوائل وادعاء القاب واسماء ومن ثم توثيق وتمجيد بعضهم لبعض , وسارت الامور على طريقة : (( البغل گلوله منو ابوك گال الحصان خالي )) ؛ و تطورت هذه الحالة واضحت ظاهرة معروفة لدى العراقيين ؛ عرفت ب بظاهرة ( ابن عمي ) التي انتشرت ابان الحكم العارفي والتكريتي بين ابناء الطائفة السنية الكريمة ؛ فما ان يسمع المصلاوي بدخول شخص مجهول الحال من الاعظمية عليه – مثلا – او يلتقي شخص من كبيسة باخر من الزبير – مثلا - حتى يناديه ب : ( ابن عمي ) وهكذا امسى الشيشاني ابن عم الدليمي والداغستاني ابن عم الهندي والتركي ابن عم الكردي ... !!
بينما اضحى الشمري الشيعي عدوا لدودا للشمري السني , والدراجي الجنوبي خصما مبينا للدراجي السامرائي ... قاتل الله هذه الطغمة الغريبة التي مزقت المجتمع العراقي مذ وطئت اقدامها الهمجية ارض الرافدين .

واما ظاهرة صناعة المشجرات النسبية والتدليس في الانساب وكثرة الادعاءات في هذا المجال فهي اشهر من نار على علم وكتب التاريخ والانساب مليئة بمئات القصص التي تؤكد ما ذهبنا اليه ؛ وخير شاهد على ذلك مهزلة ادعاء صدام للنسب العلوي في عقد التسعينات من القرن المنصرم ؛ ومن المضحكات انه قد شطب اسمه من ذرية السادة الاشراف بعد ثلاثة ايام على اعتقاله من قبل قوات الاحتلال الامريكي الغاشم , فقد اكدت نقابة الاشراف في العراق بطلان نسب الرئيس العراقي المخلوع صدام الى هذه السلالة كما اوضح نقيبهم الشريف ناجح محمد حسن الفحام الاعرجي لوكالة فرانس برس ؛ وقال الاعرجي : (( بعد تحقيق وتدقيق لجنة الانساب في النقابة اعلنا امس الثلاثاء في مؤتمرنا الاول بطلان نسب صدام الى سلالة النبي ؛ واضاف : اجبر صدام بعض العلماء في علم الانساب على تزوير شجرة لسلالته تعود الى النبي )) .

بينما ادعى البعض ان اول من هاجر هو مرعي ؛ اذ قال : (( ... وآل السويدي من أكبر البيوتات العباسية في بغداد وأشهرها على الإطلاق، وقد كان أجداد هذه الأسرة النجيبة قد ارتحلوا من بغداد إلى (دور تكريت) بالقرب من سامراء وذلك أثناء الاجتياح المغولي لبغداد سنة: (656هـ) واستوطنوها زمناً طويلاً وما زالوا بها منذ ذلك العهد وحتى اليوم، وقـد شكلوا هناك قبيلة كبيرة تعرف باسم (البو مدلل)، كما أشرنا قبلُ ومـن ثم عاد أحد أجدادهم إلى بغداد وهو الإمام العلامة الشريف مرعي ابن الإمـام ناصر الدين بن الحسين بن علي ابن الأمير محمد لمدلل ..)) .
(4)
استطراد تاريخي لابد منه
عندما هجم المغول على بغداد وباقي المناطق العراقية لاسيما القريبة من بغداد - ك تكريت - قتلوا كل بني العباس ومن سلم منهم من القتل , فتك به المرض والوباء الذي انتشر في اجواء بغداد كانتشار النار في الهشيم , وقد ذكرت بعض المصادر التاريخية ان اثنين منهم هربا الى البادية ومنها الى بلاد الشام ومصر الا انهما ايضا قتلوا فيما بعد ؛ وعليه فأن رواية هروبهم من بغداد الى منطقة الدور القريبة من بغداد مستبعدة ولا تؤيدها القرائن التاريخية ولم تذكرها المصادر الموثوقة ؛ فهذه مجرد دعوى كاذبة لا دليل عليها .
يقول المُؤرِّخ بدرُ الدين العيني أنَّ المغول كانوا يستدعون الأكابر من دار الخِلافة ، فيخرُج الواحد منهم بِعياله ونسائه فيأخُذوهم إلى مقبرة الخلال ويذبحونهم كما تُذبح الخرفان ويأخذون بناتهم وجواريهم ؛ وخرجت جماعةٌ أُخرى من الأعيان تطلب الأمان والاستسلام ، وأعلنوا لِهولاكو أنَّ الخليفة خارجٌ أيضًا مع ابناءه ، وأنَّ هُناك فئةٌ أكبر من الناس ستخرج طائعةً لِلإلخان ، وطلبوا منه الصبر عليهم قليلًا ؛ وكاد هولاكو أن يستجيب لِطلب البغداديين لولا أن أُصيب أحد كِبار أُمراء المغول واسمه (( هندو البيتكجي)) بِسهمٍ في عينه ، مما أثار غضب الإلخان وقرر ألَّا يُعتق بغداد ، ولم يُعطِ أهلها الأمان .
وفي يوم الأحد 5 صفر 656 هـ المُوافق فيه 10 شُباط 1258م، خرج المُستعصم وأولاده أبو الفضل عبدُ الرحمٰن وأبو العبَّاس أحمد وأبو المناقب مُبارك ، ومعهم 700 من القضاة والفقهاء والأُمراء ورجال الدولة والأعيان لِلقاء هولاكو، فأُوقفوا وسُمح لِسبعة عشر رجلٍ فقط بمُصاحبة الخليفة إلى هولاكو، وأُمر بالباقين فقُتلوا، وأمر هولاكو الخليفة بأن يأمر سُكَّان بغداد بالخُروج دون أسلحة ليتم إحصائهم، ففعلوا، فغدر بهم المغول وقتلوهم ؛ ثم وُضع الخليفة وأولاده وأتباعه تحت الحراسة بالقُرب من باب كلواذي في معسكر كتبغا نويان .
في يوم الأربعاء 9 صفر 656 هـ المُوافق فيه 14 شُباط 1258م، اجتاح المغول طُرقات بغداد ، واستباحوها وقتلوا كُلَّ نفسٍ صادفتهم ونهبوا وحرقوا كُل ما صادفوه عدا بعض بُيُوتٍ للرُعاة والغُرباء ، كما أمَّن المغول سُكَّان بغداد المسيحيين على حياتهم بِتوصية من زوجة هولاكو النسطوريَّة دوقوز خاتون وكذلك اليهود ... ؛ استباح المغول بغداد أربعين يومًا ، فمالوا على البلد وقتلوا جميع من قدرُوا عليه من الرِّجال وَالنِّساء والولدان والمشايخِ والكُهُول والشُّبَّان، فكانوا يذبحون الرجل ، ويسبون من يختارونه من بناته وجواريه ، ولم ينجُ من هذه المذبحة سوى القليل ، وأغلبهم كان ممن اختبأ في الآبار وأقنية المجارير والأوساخ ، وأقدم بعض الناس على الاختباء في الحانات والدكاكين وأقفلوا الأبواب على أنفُسهم، فكان المغول يكسرون الأبواب أو يحرقوها ، ويقتحمون تلك الأماكن ويقتلون من فيها، وقام بعض هؤلاء بِمُحاولة الاحتماء على السُطوح ، فكان المغول يصعدون ورائهم ويذبحونهم، فتسيلُ دمائهم في المزاريب إلى الأزقَّة ؛ يقولُ ابن كثير : (( ... وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الْآبَارِ وَأَمَاكِنِ الْحُشُوشِ، وَقُنِيِّ الْوَسَخِ، وَكَمَنُوا كَذَلِكَ أَيَّامًا لَا يَظْهَرُونَ، وَكَانَ الْفِئَامُ مِنَ النَّاسِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْخَانَاتِ ، وَيُغْلِقُونَ عَلَيْهِمُ الْأَبْوَابَ ، فَتَفْتَحُهَا التَّتَارُ إِمَّا بِالْكَسْرِ أَوْ بِالنَّارِ ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَهْرُبُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَعَالِي الْمَكَانِ، فَيَقْتُلُونَهُمْ فِي الْأَسْطِحَةِ ، حَتَّى تَجْرِيَ الْمَيَازِيبُ مِنَ الدِّمَاءِ فِي الْأَزِقَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ...))
ثم أمر هولاكو بِإعدام الخليفة، فقتلهُ المغول بعد أن جُمع في سجَّاد، وركلوه ركلاً بالأرجل حتَّى مات، وقيل خنقوه أو أغرقوه ؛ وقيل أنَّهم قتلوه بهذه الطريقة كي لا تسيل دماءه على الأرض فيُصبح له ثأر بين المُسلمين , وكان عُمرُهُ يومئذٍ ستًّا وأربعين سنةً وأربعة أشهُرٍ ، وبلغت مُدَّةُ خِلافَتهِ خمس عشرة سنةً وثمانيةُ أشهُرٍ وأيَّام ؛ كما قتل المغول الابن الأكبر لِلخليفة أبو العبَّاس أحمد ولهُ خمسٌ وعُشرون سنة ، ثُمَّ قُتل ولدهُ الأوسط أبو الفضل عبدُ الرحمٰن ولهُ ثلاثٌ وعُشرون سنة ، وأُسر ولده الأصغر مُبارك وسُبيت بناته فاطمة وخديجة ومريم ؛ كما قُتل خمسةٌ من الخدم الذين كانوا يتبعون الخليفة وأولاده في قرية «وقف»، وبعد بضعة أيَّام أُرسل مُبارك الابن الأصغر إلى منغوليا ومات هناك ... ؛ وفي اليوم التالي لِإعدام الخليفة، تتبع المغول العباسيين قتلًا، فقضوا على كُلِّ شخصٍ وجدوه حيًّا من العبَّاسيين ... .
والفرضية الاقرب للواقع أن بني العباس انقرض أمرهم واندثروا وتلاشوا، ولو سلمنا جدلا ببقاء بعض ذراريهم فانهم لا محالة قد ذابوا بين الناس واختلطوا بغيرهم ؛ وخبا ذكرهم , واطبقت عليهم العصور المظلمة فيما بعد , وما هذه العشائر العباسية والانساب الهاشمية المنتشرة في اصقاع المعمورة الا مجرد ادعاءات جوفاء يكذبها تحليل الحمض النووي بأدنى فحص واختبار ؛ والغريب ان اغلب المدعين لتلك الانساب يهربون من تحليل الحمض النووي هروبهم من الاسد ..!!
وان ثبت بقاء بعضهم فلا اظن الامر بهذه الكثرة الكاثرة او انه ينطبق على الادعياء الذين ظهروا اثناء حكم الاتراك العثمانيين للدول العربية ؛ وما اكثر الهاشميين الذين امتزجوا بسائر الناس واختفت انسابهم لأسباب شتى ؛ كما يذكر لنا التاريخ ذلك بصفحاته العديدة وشواهده الكثيرة .
مع العلم ان الشائع في هذه المناطق الانتساب للمدن والمناطق ؛ فالدوري نسبة للدور ؛ والتكريتي نسبة الى تكريت ؛ والبياتي نسبة الى منطقة البيات – ( ومذكور ايضاً انه في اواخر الدولة العثمانية كانت كلمة بيات تطلق على (142) منطقة ولكن في الوقت الحاضر هناك قضاء بيات تابع لولاية ﭽوروم وناحية بيات لولاية افيون في تركيا وهاتين المنطقتين مثبتتين على الخريطة ) - وهكذا جريا على طريقة العجم والروم كما يقولون هم انفسهم ؛ اذ ان المائز الجوهري الذي يميز العرب و اغلبية سكان العراق عن غيرهم من باقي الامم انهم ينتسبون للقبائل والعشائر والاحلاف بخلاف العجم والروم الذين يلقبون بالقاب المدن والمهن والقوميات كالبخاري والطهراني والرومي والداغستاني والقندرجي والقبنجي واللمبجي والباجه جي والجادرجي ... ؛ وهذا يؤكد ما ذهب اليه بعض الباحثين من ان هذه المناطق قد سكنت من قبل الاقوام المهاجرة التي جاءت مع الاتراك من اسيا الوسطى والقوقاز وغيرهما من اصقاع البلاد المحتلة من قبل العثمانيين .
صحيح ان الاتراك هم اول من اسس لهذا الامر الباطل لدوافع قد تكون دينية وتوسعية ؛ الا ان الطامة الكبرى حدثت بعد قرار التعريب القسري و تأميم القومية العربية لدوافع طائفية وسياسية خبيثة وشريرة , اذ تم تعريب القبائل والعوائل والشخصيات التركمانية والشيشانية والداغستانية والشركسية والقرجية – الكرجية او الجورجية ما شئت فعبر - والكاولية والهندية والعجمية و النطيحة والمتردية ... ؛ وذلك بعد تأسيس الشرذمة المارقة الهجينة للدولة العراقية الحديثة عام 1920 والتي قامت على انقاض الطائفية العثمانية المريضة , بل ذهبت بعيدا من خلال تمسكها الذليل بأذيال العروبة ادعاءا وزورا وتملقها لكل من نطق بالضاد حتى وان كان زنجيا صوماليا او عبدا حبشيا ؛ لتثبيت حكومتهم الهجينة والغريبة , فقد قامت هذه العصابة اللقيطة الحاكمة بإجراءات طائفية تعسفية وعنصرية ظالمة لم يقم بها الاتراك انفسهم ..!!
وادت تلك السياسات المنكوسة المتخبطة البعيدة كل البعد عن نهج الوطنية الرافدينية العريقة والمتنكبة عن صراط الهوية العراقية الاصيلة ؛ الى تحويل كافة العوائل و العشائر والقبائل والاقوام الى قيسية وزبيدية ... الخ ؛ بالقوة والادعاء والتزوير والدجل ؛ وتعتبر هذه الخطوة الاولى وحجر الاساس في النظام السياسي الطائفي العنصري الغريب ؛ وقد تلت تلك الخطوة خطوات متسلسلة شيطانية خبيثة غيرت طبيعة الخريطة السكانية العراقية وقلبت الامور رأسا على عقب ؛ اذ تحولت اسماء مدن الى تشكيلات عشائرية جديدة لم تسمع العرب بها من قبل ؛ كالتكارتة والدوريين والعانيين .... , بينما تم نزع القومية العربية والهوية العراقية عن قبائل الوسط والجنوب ... , فهذه الفئة الاجنبية الكاذبة المدلسة تلصق العجمة والغربة ب قبائل بني كعب وبني اسد وربيعة وكنانة وبني تميم ... ؛ في الوسط والجنوب العراقي ؛ بينما تعرب قبائل المغول والتتار والتركمان والاكراد والعوائل والشخصيات الهندية والشيشانية والداغستانية والآذرية والكرجية والارمنية ... الخ !!
ومن نافلة القول : كان لي جار اسمه ابو علي الروسي كان طويلا ضخما ابيضا اشقر الشعر و وجهه ابيض مشرب بحمرة شديدة وعيناه لونها أخضر داكن ؛ سألته في احدى الايام عن سبب لقبه ( الروسي ) فقال لي : ان جده فر من ظلم الشيوعيين الروس وهاجر الى بغداد في عقد العشرينات من القرن العشرين – من احدى دول الاتحاد السوفياتي السابق – وقد عمل في خدمة مرقد الامام ابي حنيفة ومن ثم سكن الاعظمية وحصل على الجنسية العراقية وعاشوا عيشة سعيدة .
وبما انه لا تعرف الامور الا بأضدادها ؛ سأسرد لكم قصة قصيرة تسلط الضوء على جزء بسيط من المعاناة والالام التي تعرض لها الفيلية على يد النظام السابق بحجة التبعية الايرانية بينما يجنس الشيشاني والفلسطيني والسوداني ... في العراق ؛ اذ تحدثت المواطنة سامية خسرو (72 عاما) وهي تجلس أمام منضدة خشبية نشرت عليها 26 صورة لأقربائها الذين خرجوا ولم يعودوا قبل أكثر من 35 عاماً ؛ قائلة : (( هل أنا قلت لرب العالمين أن يخلقني كردية ؟ أو أن يكون مسقط رأسي العراق ؟ أو شيعية ؟ هذا ليس ذنبي، هذا إرث، فهل أعاقب عليه ؟! ))
فقدت سامية خسرو، التي كانت نائبة في البرلمان العراقي في العام 2005، أكثر من 100 مفقود من عائلتها ؛ تنتظر لغاية اليوم تسلم عظامهم، حتى تستطيع أن تقول : ( إنهم ماتوا ) .
وتعتبر أن الذنب الوحيد لهؤلاء أنهم كانوا ينتمون إلى طائفة وقومية معينة خلال تلك الحقبة ؛ وتقصد بذلك الحقبة الطائفية البعثية التكريتية الصدامية اللعينة وانهم محسوبون على الاغلبية العراقية الاصيلة لانهم من نفس المذهب .

(5)

لقب السويدي
ان هذا اللقب جاءهم من جهة الام كما هو الحال في نسب عائلة المجرم السفاح عزت الدوري وعائلة الباجه جي وغيرهم ؛ وسأبين ذلك في الحلقات القادمة ؛ اذ انهم ادعو انهم كانوا يلقبون قبل هذا اللقب بالقاب كثيرة منها : بنو المسترشد – ال الخليفة – البو المدلل – البو مرعي –العباسيين – الدوريين - والنسب واللقب الذي عرفوا به فيما بعد لم يثبت الا عن طريقهم فقط ؛ وكما هو معروف ان مدح الانسان لنفسه او توثيقه لها يستلزم الدور والبطلان كما يقول المناطقة الا ان انهم استندوا على القول المأثور : (( الناس مؤتمنون على أنسابهم )) ؛ واستنادا على هذه القاعدة حاول البعض اثبات صحة نسبهم لهذه القبيلة او تلك العائلة ؛ و كثير ممن يدعون النسب الهاشمي يدندنون بهذه المقولة ويتشدقون بها ؛ ليثبتوا انتسابهم إلى النبي محمد او بني هاشم , و كثير من الكتاب والناس يروون المقولة مكتفين بجزئها الأشهر متناسين أو جاهلين بتتمة العبارة و هي ( ما لم يدعوا شرفا ) ؛ إذا فالمقولة الصحيحة كاملة هي : ( الناس مؤتمنون على أنسابهم ما لم يدعوا شرفا ) .
فأصل المقولة و مصدرها عبارة : ( الناس مؤتمنون على أنسابهم ما لم يدعوا شرفا ) ، تنسب إلى الإمام مالك و هي قاعدة فقهية وليست قاعدة أنساب بل إنها لم ترد ابتداء في كتب الأنساب المعتبرة بل نقلها كتاب متأخرون كتبوا في علم الأنساب دون دراية مما ساعد في انتشار المقولة واعتبارها قاعدة في الأنساب لا تقبل الجدال .
و يذكر الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد في كتابه الموسوم : ( معجم المناهي اللفظية ) حول أصل هذه المقولة ما نصه : (( هذا لا أصل له مرفوعا ؛ ويذكر علماء التخريج أنه من قول مالك وغيره من العلماء ؛ وإلى هذه الساعة لم أقف عليه مسندا إلى الإمام مالك أو غيره من العلماء ، فالله أعلم )) ؛ و يذكر ايضا في كتابه الموسوم ( فقه النوازل : قضايا فقهية معاصرة ) : (( أن هذه العبارة لا أصل لها مرفوعاً ، ويؤثر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى )) , و مما تقدم نخلص إلى أن هذه المقولة ما هي إلا قاعدة فقهية تستخدم في مسائل اللقطاء و إلحاق ولد الفراش، والمواريث ، و ما شابهها من مسائل فقهية ؛ كما ذهب الى ذلك الكثير من طلبة المعارف الدينية وانها تنسب الى الامام مالك .
معنى المقولة و مدلولاتها :
(( الناس مؤتمنون على أنسابهم ما لم يدعوا شرفا )) : تعني أن الناس مؤتمنون على أنسابهم مالم يدعوا الشرف ويثبت خلاف ما يدعون ، فإذا ادعوا انهم من الاشراف او ثبت خلاف ما يدعون سقطت القاعدة و لم يعتد بها .
و قد أورد الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد فائدة حول هذه المقولة في كتابه ( فقه النوازل ) حيث قال : (( وهاهنا فائدة يحسن تقييدها والوقوف عليها وهو أن هذا - (أي مقولة الناس مؤتمنون على أنسابهم) - ليس معناه تصديق من يدعي نسباً قبلياً بلا برهان ، ولو كان كذلك لاختلطت الأنساب ، واتسعت الدعوى ، وعاش الناس في أمر مريج ، ولا يكون بين الوضيع والنسب الشريف إلا أن ينسب نفسه إليه ؛ وهذا معنى لا يمكن أن يقبله العقلاء فضلاً عن تقريره ؛ إذا تقرر هذا فمعنى قولهم ( الناس مؤتمنون على أنسابهم ) هو قبول ما ليس فيه جر مغنم أو دفع مذمةٍ ومنقصة في النسب كدعوى الاستلحاق لولد مجهول النسب )) .
ضعف الاستدلال بها :
هذه القاعدة تعتبر قاعة هشة لا يعتد بها دائما و مما يدل على ذلك أنك تجد أفرادا يتنسبون إلى قبيلة واحدة أو أسرة واحدة يختلفون حول انتسابهم إلى جد معين و تجد اختلافهم كبيرا وهذا أمر ملاحظ و معروف ؛ و كثير ممن اشتغلوا بعلم الأنساب و ألفوا فيه وتعمقوا لا يثقون بهذه القاعدة و لا يعتدون بها لأنه ثبت لهم أن الناس قد يجهلون أنسابهم ؛ فما هذه الا دعوى ؛ وأكثر من ادعاها المتصوفة في العهد العثماني ورجال الدين من كلتا الطائفتين لأثبات انتسابهم لبني هاشم .
قيل : ان هو أول من عرف بهذا اللقب من عائلة السويدي ؛ هو عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين ؛ ولو صدق القول الذي ذهب الى ان اول المهاجرين منهم كان مرعي ؛ فكيف يصح ان يطلق عليهم لقب ( ال مرعي ) ؛ فهل اطلقه مرعي على نفسه ام اطلقه ابنه حسين على نفسه وابيه ؟! لو صحت هذه المهازل النسبية والادعاءات العشائرية لأصبح كل بيت في العراق فيه ثلاثة عوائل ؛ وأضحت كل محلة فيها مئات العشائر وعشرات القبائل ؛ ولم يكتف بذلك الشيخ عبدالله ؛ حتى انشأ لقبا – السويدي - جديدا خاصا به .
ولم يعرف عن حسين - ابو عبد الله - هذا اي شيء سوى ما ذكره ابنه الشيخ عبد الله عنه ؛ ومع ذلك لا يخجل البعض – كما مر انفا - من وصف جده مرعي بالإمام العلامة الشريف بالرغم من غموضه وجهالة حاله ...!! ؛ فعندما أقام ناصر الدين هذا في الكرخ ببغداد ، وولد له فيها ولد ذكر سماه مرعي ، فولد لهذا بدوره حسين ، وقد عرف الأخير ب (الملا) مما دل على أنه كان يعمل بمهنة تعليمية دينية ، ويظهر أنه حاز ، وراثة أو اكتسابا ، ثروة لا بأس بها ، لكنه أنفقها كلها على مستلزمات مركزه الاجتماعي كما يدعون و قد جاءت المعلومات التي ذكرها الشيخ عبد الله عن ابيه حسين في كتابه : ( النفحة المسكية في الرحلة المكية ) حيث قال : (( أما أبي حسين فكان من الأخيار الأجواد ، ذا عقل رصين وشجاعة وبراعة ، كبير قومه وعشيرته ، يرجع أمرهم إليه .. وكان ذا مال غزير صرفه كله على الفقراء والضيوف والضعاف حتى افتقر آخر عمره ، فكان يبيع من متاع البيت ويصرفه على الفقراء والضعاف حتى مات مدينا )) .
ومن هذا النص نعرف ان اباه قد انفق الاموال التي حصل عليها في بغداد ولعلها من العثمانيين او من ابيه الذي اخذها منهم ؛ فقد جاء ابوه الى بغداد معدما فقيرا في بداية امره , و قد رجع فقيرا اخر ايام عمره كما يعترف ابنه بذلك ؛ وكل هذه المعلومات مشكوك فيها لأنها من باب مدح الانسان لنفسه , كما انها لم تؤكد من غيره , فهو الشاهد والحكم والراوي والمستفيد في نفس الوقت من هذه المعلومات الملفقة المضطربة !! .
عن اي قبيلة واي عشيرة يتكلم وعن اي زعامة ؟!
فمن خلال ما سبق ومن لسانهم هم عرفنا ان جده دخل بغداد مجهولا لا يعرفه احد , وحيدا فقيرا , ومن ثم تم اثبات نسبه كما يدعي عن طريق رجال الدين والموظفين العثمانيين في بغداد ؛ فمتى اضحت له عشيرة وقبيلة في بغداد وكيف تزعمها ؟!
وتزوج حسين من امرأة من أسرة دينية أيضا ، كانت تتولى المشيخة والخدمة في جامع الشيخ معروف الكرخي ، القريب من محلة الدوريين ، وقد اشتهر منهم الملّا أحمد بن سويد أخو زوجته المذكورة ، الذي كان يتولى أوقاف جامع الشيخ معروف الكرخي .
ولد للملّا حسين طفل ذكر سموه مرتضى ، وكانت تسميته هذه بسبب وفاة وليد سابق عليه ، وما لبث شبح الموت أن داهم مرتضى أيضا ، فمرض وهو ما زال رضيعا بعد ، واشتد مرضه حتى بات (عظاما في جراب ) ، وصادف أن رأته إحدى نساء الجيران وهو على تلك الحال ، فشبهته ببعض من تعرفه من مجاوريهم ، وكان نحيفا في غاية النحافة ، يدعى (عبد الله) فلم يكن إلا أن ذاع هذا التشبيه ، ولأمر اختاره الله ، عرف الطفل بهذا الاسم ، ونسي اسمه السابق مرتضى ، وسرعان ما اقتنعت الأسرة بمزايا الاسم الجديد ... كما ذكروا ؛ وهذه القصة المفتعلة والتي تخفي الحقيقة الطائفية لهؤلاء الغرباء ان دلت على شيء فإنما تدل على طائفية القوم وحقدهم على الاسماء التي تشير ولو بصورة غير مباشرة الى معتقدات وثقافة الاغلبية العراقية واشمئزازهم منها ؛ وتحول هذا الامر فيما بعد الى ظاهرة ( عبد الزهرة وعبد الحسين ... الخ ) التي جرت الويلات على اصحابها ؛ فالاسم بحد ذاته اصبح تهمة فيما بعد ؛ ولاسيما في العهد الصدامي المنكوس ؛ وقد روى لي احد ضباط الاغلبية العراقية انه رشح لمنصب في وزارة الدفاع ؛ وقد رفع كتابه الى عديم الاصل صدام السفاح وتم رفضه بعد اطلاع السفاح عليه و وضع خطا تحت اسم والد الضابط : ( عبد علي ) ؛ وعندما سأل الضابط العراقي زملائه من ضباط الاقلية الهجينة ؛ أجابه بعضهم وهم يضحكون : ان رفضه كان بسبب اسم والده .
كما ويورد الكاتب هاني الفكيكي، وهو أحد قادة انقلاب 8 شباط 1963 العارفي الطائفي الأسود، حادثة تؤكد ما ذهبنا اليه ، حيث يصف فيها هجوم الضباط القومجية العملاء مساء 11/11/1963 على القاعة التي كانت القيادة القطرية لحزب البعث المجرم مجتمعة فيها لمناقشة الأزمة ، فيقول : .. وضجت القاعة بالاحتجاج والصياح والشتائم .. عندما أصر سعدون حمادي على المغادرة وأعلن أن ما يجري مؤامرة لن يشارك فيها ، ولعلنا نجد في جواب المقدم الطائفي علي عريم على إصرار سعدون ؛ بعضاً من أسباب الانقلاب ودوافعه , إذ قال له : اخرس عبد الزهرة !! .. والزهراء هي فاطمة بنت النبي محمد ، بالإضافة الى معرفة سكان العراق القدامى بكوكب الزهرة ؛ علما ان كوكب الزهرة يرمز لعشتار لدى البابليين .., وبعض سكان العراق الاصلاء لا زالوا يعتزون بهذا الارث الحضاري القديم ؛ لذلك درجوا على تسمية أبنائهم : بـ (( عبد الزهرة )) تسمكا منهم بثقافتهم العتيدة او تقرباً من ابيها النبي محمد ومن زوجها الإمام علي بن أبي طالب وحبا بهما ؛ ويقال أن اسم والد سعدون أو جده عبد الزهراء ؛ وكما هو واضح أراد الطائفي الحقير علي عريم أن ينتقص من الدكتور سعدون حمادي لشيعيته وعراقيته ؛ واضحى اصطلاح ( عبد الزهرة وبعض الاسماء المحلية ) يشير الى الاغلبية العراقية في العهود الطائفية البغيضة ؛ علما انها مجرد اسماء متداولة شعبيا و قد لا يفطن اصحابها احيانا الى معانيها اللغوية الدقيقة , ومعروف عن العرب انهم يطلقون التسمية على الشيء لأدنى مناسبة ؛ فقد كان العرب يسمون بالشنيع من الاسماء، كأسماء الجماد والحيوان الأليف وغير الأليف , وقد تكون التسمية تبعاً للعادات والتقاليد كتسمية الولد الأول دائماً باسم الجد والجدة ؛ وهكذا هي سيرة الناس في كل مكان وزمان واهل الجنوب والوسط العراقي ليسوا بدعا عن باقي الناس الا ان هذه الشرذمة من وعاظ السلاطين الطائفيين كعادتهم لا يعترفون بحقوق الناس الثقافية والفكرية ولا يحترمون العادات والتقاليد لهذا الشعب او ذاك ان كانت تتعارض مع عقلياتهم المريضة وجمودهم الفكري , وادخلوا هذه الاسماء ضمن خانة الشركيات والمحرمات و الجنجلوتيات الوهابية – (عبد الزهراء وعبد الحسين وعبد النبي ... ) – وعدوها من الاسماء العجمية والتي جاءتنا من الدولة الصفوية كما يدعون ؛ وليت شعري ايهما لفظ عجمي ( عبد ) ام ( الحسين ) ام ان لغتنا تبدلت ولم نعلم بذلك ؟!
والعجيب في امر هؤلاء المرضى الطائفيين الذين لم يسلم من شرهم وشر فتاواهم الارهابية حتى الاسماء ؛ تغافلهم عن ابناء جلدتهم واليك مثالا بسيطا عن الفنان المطرب الاردني المعاصر عمر عبد اللات , والذي حور فيما بعد وصار : عمر العبد اللات , ففي منطق هؤلاء المرضى ان تكون عبدا للات او هبل او مناة او يزيد او معاوية فهذا مجرد اسم لا يفسد للود قضية ؛ ولكن الويل والثبور وعظائم الامور تحيق بك ان اطلقت اسم عبد النبي على احد اولادك ..!! .
ولم يلبث الطفل – عبد الله ( مرتضى سابقا ) - أن رزيء ـ وهو ما يزال في الخامسة من عمره ـ بوفاة أبيه ، تاركا وراءه أطفاله الصغار ، عبد الله ومرعي وموسى ، وحليمة ، وديونا لم يكن قد وفّاها لأصحابها ، فاضطرت الأم إلى أن تعيل أسرتها وحدها ، متحملة من المشاق أشدها ، وكانت تنفق عليهم من بيع ما تقوم بغزله من قطن ، ولم يكن ما تحصل عليه يكفي لسد حاجات الصغار الذي باتوا ـ على ما يذكر السويدي ـ : (( لحما على وضم ، لا حال ولا مال )) وشاء سوء حظ الأسرة ، أن يكون الخال أحمد بن سويد الصوفي ، غائبا آنذاك في رحلة له إلى القسطنطينية ، فقضت المرأة أياما عصيبة وربما شهورا ؛ حتى عاد الخال من رحلته ، ليجد أولاد أخته وهم على آخر رمق ؛ فكفلهم وربّاهم وتعهدهم برعايته .
والسيرة التي سردها السويدي نفسه تدل على ان هذه العائلة منقطعة الجذور ولا اصل لها , فمن الواضح ان والده كان من رعايا الاتراك المهاجرين الى العراق وعندما بعثه الاتراك في مهمة ما وما اكثر مهماتهم مات هناك وقد ترك زوجته العراقية - وقد تكون اجنبية ايضا - وحيدة كالعادة وسوف تتكرر هذه القصة مع العديد من الشخصيات الغريبة والاجنبية التي ادعت الهوية العراقية والقومية العربية كالرصافي وغيره , فلو كان لهم عشيرة واعمام وابناء عمومة - كما يدعون - لما تركوا الايتام وحدهم ؛ اذ تؤكد تقاليد العشائر العراقية الاصيلة على صون ورعاية المرأة الارملة و ايتامها من قبل الاهل والاقارب والعشيرة لاسيما اذا كانوا من زعماء العشيرة وشيوخها .
وكما يروي لنا السويدي ان امه قد عملت بالحياكة وغزل الصوف وبيعه في الاسواق من اجل اعالتهم ؛ وعمل المرأة من اجل رفع المستوى المعاشي لعائلتها , او الكد مع زوجها من اجل اطعام الاطفال وتربيتهم ؛ يعد شرفا ما بعده شرف , وكل المجتمعات المتحضرة تمارس النساء فيها الاعمال كما الرجال ؛ الا ان الطغمة الطائفية الفاسدة والشرذمة الاجنبية الهجينة والتي سرقت ثروات الجنوبيين ومارست بحقهم كل اساليب الافقار والتهميش ؛ طالما عيرت العراقيين بعمل بعض النسوة القلائل في الاسواق واعتبرت الامر مثلبة يعاب عليها ؛ بالرغم من كبر سنهن وحشمتهن وتبرقعهن بالسواد من الرأس الى اخمص القدم ..!! .
ولكن العجيب في الامر ان اولاد الحائكة الايتام الفقراء المشردين ابناء الموظفين العثمانيين الغرباء سيتحولون بين ليلة وضحاها الى اسرة ارستقراطية عريقة , نرجسية الى حد اللعنة , تعد من العوائل الراقية وفقا لثقافتهم المنكوسة , ومن المعروف عن العرب وسكان الوسط والجنوب العراقي انهم لا يزوجون بناتهم للحائك احتقارا منهم لتلك المهنة ؛ فما بالك ب ابن الحائكة ؟!

ولأن خالهم كان عثمانيا و مثقفا بحسب الثقافة الدينية الطائفية العثمانية لذلك العصر ، ويعمل في إدارة أحد المرافق الدينية المهمة في المدينة ، ويكسب رزقه من أوقافها ، فإنّه أدرك ألا سبيل لأن يفوز من يرعاهم بتقدير المجتمع والحكومة ، وأن يضمنوا ـ بذلك ـ مستقبلهم ، إلا بالاتجاه إلى طلب المعارف الدينية وخدمة الدولة العلية كأسلافهم عبيد الاتراك السابقين ، ومن هنا فقد أرسلهم إلى الكتّاب ، حيث تلقوا ـ وعبد الله بينهم ـ مبادئ العلوم الدينية على يد الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمود من أهل ما وراء النهر - من اسيا الوسطى - ، فختموا عنده القرآن الكريم ، وتلقوا عليه رسالة في التجويد ، وتعلموا الكتابة .
وهكذا تلقى الغريب المهاجر معارفه الدينية من غريب مهاجر اجنبي مثله في بغداد , وسيتمر الحال على هذا المنوال فيما بعد , وبعد الفراغ من تلقي مبادئ المعرفة ، انتقلوا ـ وعبد الله بينهم ـ إلى المرحلة التالية ، فشرعوا بتعلم الخط ، على قواعده ، وأصوله وفنونه ، وثابر عبد الله على إتقان ضروبه ، والتمهر فيه ، على الرغم من ضيق الحال و تدهور أحوال أسرته المادية آنذاك ، اذ يقول السويدي نفسه : (( إلى أن بقيت أسوّد مشقي على ضوء القمر )) وما ذاك إلا لأنه عدم ضوء المصباح ، ولعدم قدرته على دفع ثمن وقوده ، ويظهر أن الظروف المعيشية للأسرة ، هي التي دفعتها ، في هذه المرحلة ، إلى الاكتفاء بما نهله أبناؤها من أسباب المعرفة ، فاشتغلوا بأعمال تزيد من دخل الأسرة وتخفف عن كاهل الأم وأخيها مؤونة الحياة وأعباءها ؛ الا انه لم يذكر نوعية تلك الاعمال التي مارسوها بسبب الجوع والحرمان .
عاد الشيخ عبد الله من الموصل بعد ان اكمل دراساته وكان يدعى بالبغدادي هناك إلى بغداد وقد حصل من العلم ما لم ينله غيره من معاصريه كما يدعون ، فطار صيته ، واشتهر أمره ، ونال في هذه المرحلة من حياته لقبه الشهير (السويدي) الذي سيعرف به ، وأولاده من بعده ، وسبب تلقبه به ، هو أن زميلا له في الدرس ، يدعى الشيخ حسين بن عمر الراوي سافر ذات مرة إلى راوة بقصد زيارة أهله ، فأخذ يراسل عبد الله من هناك على العنوان الآتي : (( يصل الكتاب إلى الملا عبد الله ابن أخت الملا أحمد بن سويد )) ، ثم اختصر ذلك ، في ما بعد ، إلى (السويدي) فعرف به ؛ وكانت أسرته تعرف قبلها بأولاد مرعي نسبة إلى جده - كما مر عليكم انفا - ، على أن هذه الألقاب لم تشتهر شهرته بالسويدي .
ويبدو أن شيئا من التحسن أصاب أحواله المادية بعد ارتباطه بالحكومة العثمانية ، فقد استطاع أن يتزوج من امرأة ، تدعى فاطمة ، شجعته على المضي في طلب العلم.
ومنّ الله عليه منها بأولاد ، ولد أولهم عبد الرحمن سنة 1134 ه‍ / 1721 م ، وولد ثانيهم محمد سعيد سنة 1141 ه‍ / 1728 م ، وولد ثالثهم إبراهيم سنة 1146 ه‍ / 1733 م ، وولد رابعهم أحمد في سنة 1153 ه‍ / 1740 م وبابنتين هما سارة ، ولدت سنة 1150 ه‍ / 1737 م ، وصفية ، وقد ولدت سنة 1155 ه‍ / 1742 م.
وانتقل عبد الله من مسكنه القديم في محلة الدوريين ، إلى دار أخرى ـ يظهر أنها كانت أحسن حالا من سابقتها ـ في محلة خضر إلياس من محال الكرخ القديمة من بغداد ، وكانت الدار قريبة من دجلة ، مطلّة عليه ، ومشرفة على الفضاء الواسع الذي يحيط بالكرخ آنذاك ؛ كما يقولون .
وقيل : ان اتصافهم ب لقب السويدي بسبب عمهم وليس خالهم ؛ فها هو السويدي نفسه يحدثنا قائلا : (( فبقينا بعد ذلك برهة من الزمن تغزل أمنّا القطن وتنفق علينا منه ؛ وكان عمنا أخو أبينا لأمه الشيخ العارف العامل ، والعالم الكامل ، المتلقي سائر الفنون ، ولا سيما التصوف ، عن مشايخ عظام وعلماء ، سيدي الشيخ أحمد ابن سويد الصوفي ، غائبا عن البلد في القسطنطينية ، فلما سمع بموت أبينا أخيه ، شدّ الرحل على الفور ، وتوجه إلى مدينة السلام بغداد ، فجاءنا ونحن على آخر رمق ، فكفلنا وربانا وأحسن تربيتنا ، إلّا أن كسوتنا غالبها على أمّنا على طريقتها السابقة ... )) ؛ وكما ترى تارة المصادر تقول : عمه , واخرى , تقول : خاله ؛ وتشابه البقر علينا .
وقيل غير ذلك : ((اما لقب( السويدي) فجاء اليهم عن طريق جدهم الشيخ عبد الله السويدي 1693 - 1761 الذي عرف بتوقيع رسائله وخطاباته باسم( سويد) احد اقاربه من جهة الام، ثم مدّ سويد الى سويدي كإيقاع محبب لدى العامة ... )) .
كما قال الشيخ عبد الله نفسه في مواضع اخرى ما يلي : (( (وكنت أدعى في الموصل بالبغدادي) فكناني الشيخ محمد المذكور بذلك ؛ وأما نسبتي إلى السويدي فهي نسبة إلى سويد أبي عمي من الأم ، وسببها أن صاحبنا العالم الفاضل ، والمحقق الكامل ، الشيخ حسين بن عمر الراوي ، نسبة إلى راوة قرية من أعمال عانة ، لما سافر إلى عانة بقصد زيارة أهله ، كان يراسلني ، فيكتب في عنوان الكتاب : عبد الله بن أخي أحمد بن سويد ، فاستطال ذلك فكتب مرة بدل ذلك كله : عبد الله السويدي ، فغلبت هذه النسبة عليّ ، وإلا فنحن ندعى بأولاد مرعي جدنا )) وليت شعري ما كان يقصد بعبارة : ( سويد أبي عمي من الام ) ؟!
العبارة مضطربة كما ترى , وتتعارض مع عبارة : (عبد الله بن أخي أحمد بن سويد ) .
وقد تلقب ب لقب السويدي خلق كثيرون ؛ ومن مختلف العصور والامصار والعشائر والقبائل والعوائل والشخصيات , وليس كل سويدي عباسي – طبعا لو سلمنا بفرضية بقاء ذريتهم وصحة الانتساب اليهم - وقد جاء في التاريخ الكبير لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : (( 807 - محمد بن النوشجان البغدادي السويدي وإنما قيل السويدي لأنه رحل إلى سويد بن عبد العزيز يحدث عن يحيى بن سليم سمع منه أحمد بن حنبل. ))
وجاء في كتاب الطبقات لابن حجر العسقلاني ج5 / ص 78 : (( 919 - مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى بن عبد الْكَرِيم بن عَسَاكِر بن سعد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سليم بن مَكْتُوم الْقَيْسِي بدر الدّين السويدي الأَصْل الدِّمَشْقِي ... ))
وجاء في مقالة : ( الالقاب الموصلية / الجزء الثاني / للكاتب أزهر العبيدي ) : (( وجاء في : السويدي : نسبة إلى جدّهم سويّد الحافي ، ويحمل قسم منهم لقب السويداني ، ويقولون أنهم من نسب آل السويدي في بغداد .. )) .
وافراد قبيلة السودان في الخليج يطلقون على انفسهم لقب السويدي نسبة للقبيلة بخلاف قبيلة السودان العراقية والتي تطلق لقب السوداني على افرادها .
وهنالك عائلة تدعى بالسويدي ايضا في مصر وتسكن محافظة الشرقية وتتدعي انها ترجع لقبيلة شمر ؛ اذ ادعوا ان اصولهم ترجع إلى مؤسس مدينة «المجمعة»، وهو الفارس عبدالله بن سيف الشمري الذى أسسها فى القرن التاسع عام 820 هـ، وكان له ثلاثة من الأولاد منهم، سيف، وحمد، وكان لحمد ابن يسمى «سويد» ، وهو الذى انحدرت منه أسرة السَّــويْد ومنه توزع أبناء الأسرة في بلاد كثيرة منها بلدة الحُمْر، وبلدة البُصْر، ومدينة بريدة .
(6)
الشيخ عبد الله السويدي
ينتمي الشيخ عبد الله ن حسين بن مرعي بن ناصر الدين السويدي الى الزمرة العثمانية في بغداد , ومن خلال ما كتبه الشيخ عبدالله بيده وما خطه يراعه وما سطره المؤرخون عنه ؛ نعرف انه كان من المقربين الى احمد باشا ومن حاشيته كما ذهب الى ذلك الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث – ( ج 1/ ص 133) - و قد ولد في بغداد عام 1692 م وتوفي عام 1761 م , وكان الوالي احمد باشا يرعاه ويتعهده , وقد شارك عبد الله السويدي في القتال مع العثمانيين كباقي المرتزقة ضد الملك نادر شاه الذي اراد فتح بغداد وتخليص اهلها من براثن الاحتلال التركي الطائفي الجائر, و في سنة 1746 م أهدى والي بغداد احمد باشا لعبد الله السويدي فرساً ، فتعاون ولداه عبد الرحمن ومحمد سعيد على نظم قصيدة في شكره ومدحه ؛ وقد تولى عبد الله السويدي انشاء الرسائل التي بعث بها احمد باشا الى خصمه نادر شاه وربما كان له دور في صياغة افكارها ايضاً ، وكافأ احمد باشا الشيخ عبد الله بتعينه مفتياً في قصبتي النجف وكربلاء ، وخصص له راتباً سنوياً من مزروعات كربلاء - يكره اسم كربلاء ويبغض اهلها كأبناء جلدته الغرباء و مع ذلك يأكل من خيراتها وينهب ثرواتها ؛ ستتكرر هذه الحالة الشاذة في تاريخ العراق الحديث !!!- ومن المعروف عن بعض رجال الدين المسلمين الالتزام بمبدأ رفض قبول الهدايا من السلاطين على أي وجه جاءت ورفض العمل معهم ، بل إن هذا كان مذهب جمهور العلماء ؛ فقد كانوا يرون ذلك كفيلاً بتحرير العالم المفتي من أيّة قيود تمنعه من صناعة الفتوى باستقلالية ، نظرا لعدم تطلعه إلى ما في يد السلطة من مالٍ أو جاه ؛ وعلى رأس هؤلاء الفقيه العراقي الشهير والمفكر القدير الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ) الذي رفض تولي القضاء للخليفة العباسي المنصور (ت 158هـ) لأنه كان ( هاربا من مال السلطان ) ، وكان يتاجر في الحرير ليضمن لنفسه الاستقلالية العلمية في الرأي والموقف ؛ وكذلك كان الفقيه العراقي سفيان الثوري الذي كان يبيع الزيت ، مستثمرا حصته من ميراث عمّ له ... ؛ كما يخبرنا الخطيب البغدادي (ت 463هـ) في كتابه تاريخ بغداد .
ومن المعلوم ان أول من أتى بالمماليك إلى العراق هو الوالي العثماني حسن باشا والد الوالي احمد باشا ؛ فقد أراد هذا الوالي بعد أن فسد نظام الانكشارية أن يجعل لنفسه جندا مختصين به يستعين بهم ويتعصبون له فأرسل إلى بلاد القفقاس من يأتي إليه بالصبيان ؛ وكانت أسواق مدينة تفليس الجورجية آنذاك زاخرة بالصبيان المعروضين للبيع ، فأسس حسن باشا في بغداد دائرة خاصة اسمها : ( إيج دائرة سي - أي دائرة الداخل - ) ومهمتها هي الإشراف على شراء المماليك من تلك البلاد وتدريبهم ، وعندما تولى الحكم من بعده ابنه أحمد باشا أكثر من شراء اللقطاء المماليك وأعتنى بهم ودربهم على فنون القتال ، حتى أصبحوا قوة لا يستهان بها ؛ وقد تسبب مجيء وهجرة هؤلاء الغرباء واللقطاء والمأبونين الى بغداد وبعض المناطق العراقية بحدوث اضطرابات سياسية وتناشز اجتماعي وتحولات ثقافية وانحطاط اخلاقي وتغييرات ديموغرافية فيما بعد ؛ بل لا زلنا نشاهد أثارها السلبية إلى هذه اللحظة في بعض المناطق .
وقد شهد حكم احمد باشا – ( 1723- 1747 ) - لولاية بغداد صراع عثماني – ايراني ، وقد اعتمد في حكمه على المماليك اكثر من والده كما مر انفا , واوكل لهم مهمة مهاجمة العشائر العربية والكردية العراقية ، ، اذ اتبع احمد باشا سياسة شديدة مع العشائر العربية ولاسيما عشيرة شمر التي ساعدت نادر شاه الايراني اثناء هجومه على العراق ، وكذلك عشيرة قشعم وعبيد وغيرهما ؛ كما قام بمواجهة تمرد العشائر العربية العراقية الجنوبية في المنتفك والتي استمرت حركتها اربعة سنوات انتهت بمقتل الشيخ سعدون زعيم حلف المنتفك العشائري عام 1741 ؛ وكذلك قام احمد باشا بشن حملة ضد عشيرة البابانيين الكردية عام 1747.
وبما ان الاجواء بين العثمانيين والايرانيين والاغلبية العراقية كانت متوترة كالعادة , انعكس هذا الامر على الزمر العثمانية الموالية للاحتلال التركي بحجة الخلافة , والقى بظلاله على الاوضاع الاجتماعية والثقافية والدينية , وكان الشيخ عبد الله السويدي ضمن المعسكر العثماني لذلك نلاحظ ان معظم مؤلفاته مشحونة بالعبارات الطائفية والعنصرية ومليئة بالألفاظ القاسية التي تنال من العراقيين والمسلمين من اتباع ال البيت .
ومن ضمن تلك المؤلفات الطائفية كتاب : (الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية ) او كتاب ( مؤتمر النجف ) كما يروق للبعض تسميته .
تحدث فيه عن تفاصيل مؤتمر عقد في النجف الاشرف للتقريب بين المسلمين وبرعاية الشاه الايراني نادر شاه , وانتصر فيه السويدي على خصومه كما يدعي , ولكن البعض ذهب الى ان قصة مؤتمر النجف ما هي الا اكذوبة من وحي خيال الطائفي العثماني السويدي , بينما ذهب البعض الاخر ان نسبة الحقيقة في رواية السويدي لوقائع المؤتمر تكاد تكون منعدمة او قريبة من الصفر , اذ احتوى الكتاب على الكثير من المبالغات والادعاءات ومدح الذات ورمي الخصوم بالموبقات والافتراءات وخلط الباطل بالحق والكذب بالصدق لتشويه الحقائق وقلب الوقائع رأسا على عقب .
وقد وجه سؤال حول هذا المؤتمر - والذي روى تفاصليه الشيخ السويدي فقط وانتشر خبره عن طريقه - الى المرجع الديني الشيعي العربي الشيخ محمد السند , وهذا نص السؤال والجواب :
(( السؤال : استفساري عن مناظرة حصلت بين علماء الشيعة وعلماء السنة في النجف الأشرف ويروي أنه أورد هذا الحوار علامة العراق السيد عبدالله بن الحسين السويدي العباسي ( مولود 1104 هـ : والمتوفي 1174 هـ ) في مذكراته عن مؤتمر النجف الذي انتهى بخضوع مجتهدي الشيعة لإمامة أبي بكر وعمر . وهل صحيح أنه اُعلن ذلك على منبر الكوفة في خطبة الجمعة يوم 26 | شوال | 1156 هـ وقد حضرها نادر شاه ( وهو أحد ملوك الشيعة ومعروف عنه البطش والتقتيل ) وعلماء السنة والشيعة ؟

جواب سماحة الشيخ محمد السند :
بسم الله الرحمن الرحيم
قد كثرت في الآونة الاخيرة دعاوى الوهابية وتلفيقاتهم حول الشيعة ومذهب أهل البيت (ع) وقد أصدروا كتباً تحمل اسماءً شيعية تدليساً وتمويها ولفقوا فيها من الأراجيف والجواب عن كل ذلك أن حجج وبراهين مذهب أهل البيت عليهم السلام مدوّنة في كتبهم بل ان من مصادرها كتب ومصادر أهل سنة الجماعة من الاحاديث النبوية فضلاً عن البراهين القرآنية فها هو البرهان فليأتوا بمثله و ليتركوا التشبث بالتلفيقات التاريخية التي لا مصدر ولا اساس لها .)) .
ولكنني بعد التتبع والاستقراء توصلت الى نتيجة بهذه الخصوص مفادها : ان الشاه الايراني نادر شاه اراد التقريب بين المسلمين والاعتراف بالمذهب الجعفري مذهبا خامسا وعقد مؤتمرا لذلك , ولكن التمثيل الشيعي في هذا المؤتمر الشكلي او الصوري ما شئت فعبر ضعيف جدا , اذ كان اشبه ب تمثيل بعض الحركات الشيعية المعاصرة المشبوهة او الهزيلة والمرتبطة بالقوى الاجنبية او بالحكومات المحلية للشيعة كدعاة المهدوية او ظاهرة الشيخ ياسر الحبيب الكويتي ؛ والتي تتدعي تمثيل الشيعة او فئة منهم وهم في حقيقة الامر والواقع غير معترف بهم لا من المؤسسة الدينية الشيعية الرسمية ولا من قبل جماهير الشيعة ومثقفيهم , فلم يحضر علماء النجف الاشرف او كربلاء المقدسة او قم او الكاظمية او الحلة المعروفين الى هذا المؤتمر ولم يذكر في مذكراتهم او مصنفاتهم , وهذا يدل على عدم الاعتراف به وتجاهله نهائيا ؛ نعم كلف احد علماء كربلاء المعروفين آنذاك من قبل الملك نادر شاه وهو السيد نصر الحائري لأداء بعض المهام .
وبما انه لا توجد مقارنة بين الايرانيين المتحضرين والذين يمتلكون كل المقومات الحضارية والقيم الانسانية وبين الركب العثماني الموغل في حقده وتخلفه والغارق في اجرامه وبداوته , والمدمن على عنصريته وطائفيته ؛ بادر الايرانيون وملكهم نادر شاه - ولأول مرة في التاريخ - بالدعوة الى الوحدة الاسلامية واخماد نار الفتن الطائفية بين المسلمين و التي يعمل على تأجيجها العثمانيون ورعاياهم من المماليك - غير المسلمين اصلا - ذوي الاصول المسيحية واليهودية ؛ حفاظا على ارواح الفريقين ولاسيما الطوائف الاسلامية التي تقع تحت الهيمنة العثمانية ومنها الاغلبية العراقية التي عانت الامرين من ظلم وخسة الاتراك والمرتزقة من رعاياهم وعبيدهم المجرمين وغلمانهم المأبونين ؛ فقرر الملك نادر شاه إقامة مؤتمر في النجف الاشرف لعلماء المسلمين ودعا له علماء إيران وسبعة من علماء أهل السنة في أفغانستان وسبعة من علماء السنة في بلاد ما وراء النهر - ( بخارى وبلخ ) - وغيرها من الأمصار الإسلامية بما فيها بغداد ، بالإضافة الى بعض رجال الدين الشيعة غير المعروفين او الذين لا يعدون من علية القوم وكبار العلماء , وبغض النظر عن كل ما قيل حول المؤتمر وتفاصيله , ومن باب الزموهم بما الزموا به انفسهم ؛ نرجع الى صلب الموضوع ونطرحه على بساط المناقشة على علاته .
وارسل والي بغداد احمد باشا – كما يدعون – الشيخ عبد الله السويدي الى حضور المؤتمر بعد الحاح شاه ايران الملك نادر شاه ؛ الا ان الشيخ عبد الله اضطرب و تردد كثيرا في الذهاب كما يعترف هو بذلك ؛ و كان هدف شاه ايران ومطلب كل المسلمين الشيعة في اصقاع المعمورة بما فيهم الاغلبية العراقية - ولا زال - هو ادراج المذهب الجعفري ضمن المذاهب الاسلامية وحقن دماء الفريقين والقضاء على الفتن الطائفية ؛ كي لا يستغل اعداء المسلمين هذا الصراع لصالح مخططاتهم المشبوهة واهدافهم الاستعمارية , ويكفي الله المسلمين شر الصراع الطائفي والقتال .
وقد زار ملك ايران نادر شاه كلا من مرقد الامام موسى الكاظم ومرقد الامام ابي حنيفة , وبعدها توجه للنجف الاشرف وعقد مؤتمرا اسلاميا للتقريب بين المذاهب الاسلامية , وقد ارسل والي بغداد الشيخ عبد الله و زوده بالمؤنة والخدم والكسوة والدواب وامره بالذهاب الى النجف الاشرف كما مر انفا , والعجيب ان الشيخ عبد الله السويدي طلب ان يكون الحكم والفيصل بين السنة والشيعة حكما مسيحيا او يهوديا .. لكي يكون الحكم بينهم وبين الله كما يدعي !!
علما ان الفريقين يذهبون الى أن كل من دان بغير الإسلام فهو كافر، سواء كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ؛ ومن اوضح الواضحات لدى الطائفتين عدم صحة حكم وقضاء الكافر بين المسلمين , اذ لا خلاف بين علماء المسلمين على أن الكافر لا يجوز له أن يحكم بين المسلمين ؛ وقد استندوا في ذلك على ظاهر النصوص القرآنية والتي منها ما جاء في سورة النساء / الآية 144 : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ )) ؛ ولعل الشيخ عبد الله السويدي حن الى اصوله النصرانية او اليهودية القديمة او لضعف عقيدته او لتفضيله البعض على الاغلبية العراقية , وطالما تكررت هذه الحالة في عراقنا الذي عانى من هذه الطغمة الغريبة ؛ و من الشواهد على ذلك تقريب اليهودي الحاقد ميشيل عفلق والنصراني الغادر طارق عزيز وما تسببا به من ويلات ونكبات ومؤامرات على الشعب العراقي ؛ و قد دهشت وانا اشاهد مجريات محاكمة العصابة البعثية الصدامية من على شاشات التلفاز ؛ عندما تشاجر المجرم وطبان مع المجرم النصراني طارق عزيز ؛ وقد بصق في وجهه وشتمه و قال له : (( لعنة الله على طارق عزيز ...ادبسزز .. )) اذ كان طارق عزيز مؤسس ومهندس الجريمة الكبرى في العراق , بل عراب المؤامرات الدولية ضد العراقيين ؛ حتى ان المجرم وطبان نفسه يعتبره سببا لكل بلايا و نكبات العراق .
وقد اعترف السويدي في كتابه هذا المليء بالمبالغات والترهات والخزعبلات والافتراءات والتدليس والغرور الاجوف والكذب الواضح الذي لا ينطلي على القارئ اللبيب الا انه مع ذلك يصح ان يكون دليلا على حقيقة هؤلاء الغرباء وكما يقول المثل العراقي الشعبي : (يفوتك من الجذاب صدك جثير ) بانه تم اكرامه من قبل حاشية الملك نادر شاه والاحتفاء به ؛ ومما ذكره انه التقى هناك بصديقه معيار الممالك وزير الملك نادر شاه وهو كرجي الاصل – لعلهما يرجعان لنفس الارومة - ؟!
ومما ذكره ايضا ان الملك نادر شاه قد خاطبه باللغة التركمانية وتكلم معه بها , وقال الشاه نادر شاه له : اتدري لماذا بعثت في طلبك ؟ فقال السويدي : لا ؛ فأجابه الشاه : ان في مملكتي فرقتين تركستان وافغان يقولون للإيرانيين : انتم كفار , والكفر قبيح ولا يليق في مملكتي قوم يكفر بعضهم بعضا ... .
ومما سبق يتبين لنا ان ظاهرة التكفير ليست جديدة على المجتمع الإسلامي ، فقد عرفها هؤلاء المنكوسون منذ امد بعيد ، وتوارثوها خلفاً عن سلف , وهي من الظواهر الخطيرة التي لازمت الإسلام السياسي منذ تاريخه الأول للأسف الشديد، وغالباً ما كانت مصحوبة بالعنف والقتل والسبي والنهب ؛ ولعل من نتائج هذا الفكر العفن فاجعة مجازر الايزيديين العراقيين التي ارتكبها تنظيم داعش الناصبي الارهابي في سنجار ؛ و ان تلك الفاجعة لا تزال جرحا نازفا في ضمير الانسانية و وصمة عار تضاف الى السجل الاسود للشرذمة الاجنبية الغريبة الحاقدة في العراق .
و بالرغم من تفاصيل قصة المؤتمر الخيالية ومع غض الطرف عن كل ما جاء في كتابه : من انتصارات طائفية وهمية و مساجلات ومطارحات في العقيدة طوباوية من وحي خياله المريض ؛ اعترف في ثنايا كتابه ان بعض رجال الدين العثمانيين والطائفيين من وعاظ السلاطين لا يعرفون شيئا عن المذهب الجعفري ؛ ومع ذلك يفترون عليهم ...!!

ومن المؤمل - وفق السياقات الطبيعية - ان يخرج المؤتمر التقريبي الوحدوي بنتائج ايجابية تصب في مصلحة المسلمين والعراقيين وتهدئ الاجواء وتطفئ الفتن المذهبية وتخمد النعرات الطائفية , لاسيما بعد اكرام علماء البلاط العثماني من قبل الملك نادر شاه وعلماء حاشيته من المسلمين الشيعة والتجاوب معهم ومداراتهم , فالأغلبية العراقية والمسلمين من اتباع ال البيت كانوا ولا زالوا ينشدون الوئام والسلام مع مختلف المذاهب الاسلامية والى يومنا الحاضر ؛ والمفروض بعد هذا المؤتمر التقريبي ؛ ان تصفى القلوب من الاحن والامراض والاحقاد الطائفية ؛ الا ان اماني المسلمين والعراقيين في الوحدة والتقريب ذهبت ادراج الرياح بسبب رجال هذه العصابة الطائفية المريضة التي تجري خلف الدولة العثمانية العنصرية الطائفية .
فكانت ولا زالت السلطات الجائرة والحكّام الظلمة هم من يفتعلون الأزمات الطائفية والمذهبية ويخدعون الشعوب الإسلامية بها ؛ بتصوير أن المواجهة مذهبية اوبين أتباع الطوائف ، فيستغفلون جماهير الناس عن منفذها الحقيقي وعن رجال الدين الطائفيين و وعاظ السلاطين الذين يؤججون نار الفتنة والصراعات ويفتعلون المؤامرات والازمات ؛ خوفا على مآربهم ومكاسبهم الشخصية وتحقيقا لأهدافهم السياسية التخريبية .

وهذه الشرذمة الغريبة والاداة الاجرامية من وعاظ السلاطين المرتزقة طالما استعملهم الساسة الاجانب والمحتلين الغرباء في ضرب الاغلبية العراقية من خلال الفتاوى الشاذة والتدلسيات وافتراء الاكاذيب ؛ فهم عملوا جاهدين على اضفاء الشرعية على كل الحكومات الغازية المحتلة والظالمة والتنظير لوجودهم الطارئ والمرتبط بالأجنبي دوما وابدا ؛ فلا تستغرب من هؤلاء عندما يفضلون غير العراقيين من المستعربين والاعراب والافارقة واقوام القوقاز والكرج والارمن ... على العراقيين الاصلاء ؛ او عندما يستنجدون بالغرباء الارهابيين الدواعش من امثالهم واشباههم واقرباءهم وابناء ارومتهم .
فقد فتحت هذه الشرذمة الضالة المنحرفة، الشاذة الغريبة، المارقة المندسة ابواب العراق امامهم , ودعت شذاذ الافاق المجرمين وجحافل المسلحين من الشيشان والتركمان والقوقاز والطاجيك والاتراك والصينيين والروس الارهابيين ... الخ ؛ اذ انضم الى صفوف تنظيم داعش الارهابي الطائفي نحو 40 ألف مجرم أجنبي من مختلف أنحاء العالم للقتال في العراق وارتكبوا فيه أبشع وأقذر الجرائم بحق العراقيين الاصلاء وابناء السنة الوطنيين العراقيين وباقي المكونات العراقية كالمسيح والشبك والايزيديين والتركمان الشيعة ... , واليك نماذج من جرائمهم المقززة :
• يقتلون الأطفال : فقد أعدم تنظيم داعش 13 فتى في مدينة الموصل العراقية لمجرد أنهم شاهدوا مباراة لكرة القدم بالتلفزيون، وذلك بدعوى أن مشاهدة مثل هذه المباريات "محرمة شرعا" , وجرى إعدام الفتيان رميا برصاص الرشاشات ، ولم يتمكن ذووهم حتى من سحب جثامينهم خوفا على حياة عائلاتهم .
• يعلمون الأطفال القتل : اذ يقوم تنظيم داعش بتجنيد أو اختطاف الأولاد الصغار في العراق وإرسالهم فيما بعد إلى مراكز تدريبية خاصة ، حيث يتم تدريبهم على استعمال السلاح , وبعد بلوغهم التاسعة من عمرهم يجري إرسالهم إلى خط الجبهة ، وذلك إضافة إلى اعتماد التنظيم عليهم كـ"دروع بشرية" أو جواسيس أو "متبرعين" بدمائهم من أجل المسلحين الجرحى ؛ ومن اللافت للنظر ان هؤلاء يشبهون اسلافهم ويتبعونهم حذو النعل بالنعل فكلاهما مارس خطف الاطفال و اللواط بهم واعمال الفرهود والسطو والنهب والسلب ... .
• خطف النساء والاتجار بهن : اختطف التنظيم مجموعة كبيرة من النساء والفتيات الايزيديات العراقيات لبيعهن فيما بعد إلى التجار العاملين في سوق "الخدمات" الجنسية في الشرق الأوسط ، وذلك بأسعار تراوحت بين 500 دولار و43 ألف دولار أمريكي للمرأة أو الفتاة الواحدة , أما غيرهن من الأسيرات فجرى تزويجهن عنوة إلى أعضاء التنظيم ، فيما حولت الأخريات إلى بغايا بحجة كونهن سبايا ,
• لا يعرفون رحمة إزاء جنودهم : فقد أعدم مسلحو داعش 200 من أعضاء التنظيم العراقيين ، كعقاب لهم لمحاولاتهم ترك صفوفه والعودة إلى منازلهم ، أو لأخطاء ارتكبوها في أثناء القتال , وفي بعض الأحيان لم يتورع داعش عن إعدام أفراد وحدات كاملة من قواته ، بتهمة خوضهم مفاوضات مع الحكومة العراقية حول شروط الاستسلام ؛ وهذه الحالة اشبه بالظاهرة السياسية الثابتة والمتكررة عندهم في العراق , فمنذ تأسيس الحكومات الطائفية الغريبة عام 1920 والى حين سقوط الصنم الطائفي عام 2003 ؛ طالما قتل بعضهم بعضا وغدر بعضهم ببعض ؛ وذلك لانهم من اصقاع شتى وقوميات مختلفة وثقافات متناشزة لا يجمعهم شيء سوى السلطة والعمالة وبغض الاغلبية العراقية ولعل قتل صدام وعلي الكيماوي وغيرهما من شرذمة العوجة لأفراد عائلته - حسين كامل وابناءه واخوانه - دليل على دونية وتشرذم هذه العوائل مجهولة الاصل .
• يحرقون الناس أحياء : قام تنظيم داعش بإحراق 45 شخصا عراقيا في محافظة الأنبار العراقية , وفي أيار من عام 2014 أفادت وسائل إعلام إلكترونية بأن امرأة مسيحية عراقية من الموصل تبلغ 80 عاما من عمرها أحرقت بزعم أنها خالفت أحكام الشريعة الإسلامية , وقاموا بشوي اربعة افراد من الحشد الشعبي العراقي من محافظة النجف الاشرف ؛ وليس غريبا على هذه الشراذم الاجنبية الحاقدة فعل ذلك , فقد فعلها كبيرهم الذي علمهم الاجرام والارهاب المجرم السفاح صدام ؛ فقد قام جلاوزة التكارتة وابناء الانكشارية بإلقاء القبض على الشباب والشيوخ والاطفال وبصورة عشوائية و إعطاءهم جرعات من مادة (البنزين) – من خلال فتح الفم بالقوة- وبعد تناولهم لهذه المادة يطلق عليهم الرصاص بكثافة ليحترقوا ويتحولوا الى كومة رماد وذلك في الانتفاضة العراقية الخالدة عام 1991 م , ويشهد الله اني سمعت احد المجرمين المشاركين في هذه الجريمة يتحدث عن كيفية احراق الثوار العراقيين بمادة البنزين في منطقة المحاويل - عندما جمعتني الصدف به عام 1996 في منطقة كسرة وعطش الصناعية - وهو يضحك بملء فيه ويعد هذه الجرائم ضد الابرياء العزل بطولات ...!!
• الاتجار بالأعضاء البشرية : يمارس مسلحو التنظيم الاتجار بالأعضاء البشرية في السوق السوداء العالمية، معتمدين على جراحين "مستوردين" من الدول الخارجية , أما الأعضاء فتؤخذ سواء من المسلحين القتلى أو من أجساد الأسرى والمخطوفين الأحياء ، بمن فيهم الأطفال من الأقليات القومية في سوريا والعراق , وقد فعلها النظام الطائفي البعثي التكريتي الصدامي مرارا وتكرارا في سجونه ومعتقلاته الرهيبة .
• تدمير المدن العريقة وآثار الحضارة العالمية : خلال أقل من عام واحد دمر تنظيم داعش حوالي 30 موقعا أثريا تعود جميعها للتراث الحضاري العالمي , ويتاجر التنظيم بكل ما يمكن بيعه من الآثار في السوق السوداء ويدمر ما لا يمكن بيعه , ومما جرى تدميره حتى الآن بقايا المباني والتماثيل العريقة في مدينة نمرود الآشورية (القرن الثالث عشر قبل الميلاد)، وآثار مدينة الحضر التاريخية في محافظة نينوى العراقية (القرن الثالث قبل الميلاد)، وأثار مدينة دور شروكين شمالي الموصل، عاصمة المملكة الآشورية في عصر سرجون الثاني (القرن الثامن قبل الميلاد) ؛ ولا عجب في ذلك لأنها ليست بلادهم الحقيقية .
• استخدام السلاح الكيميائي : أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأنه في عام 2014 استخدم تنظيم داعش في المعارك مع القوات العراقية وكذلك ضد المدنيين غاز الكلور , أما في تموز من العام نفسه فقد استخدم التنظيم غاز الخردل ضد العراقيين في المناطق الشمالية ، وفي 22أيلول من العام نفسه قضى أكثر من 300 جندي عراقي في هجوم "كيميائي" شنه مسلحو التنظيم ؛ ولهم أسوة في النظام الطائفي العنصري التكريتي الذي استخدم هذا السلاح المحرم ضد المسلمين من اتباع ال البيت والاكراد في شمال العراق وبمنتهى الاجرام والخسة والقسوة .

منذ الطفولة ونحن نسمع اكاذيب هذه الطغمة الدينية الناصبية المدلسة بحق الاغلبية العراقية فطالما غرسوا في عقول الناس البسطاء ان الشيعة تقول في تعقيب الصلوات : خان الامين خان الامين خان الامين مع رفع اليد , وبعد انتشار الفضائيات والنقل المباشر للصلوات عرف القاصي والداني انهم يكبرون الله ثلاث مرات ... !! .
فهم كانوا وما زالوا مصدرا للتدليس والدجل والتكفير والاجرام والاخبار والفتاوى الكاذبة الفتنوية الارهابية ... هؤلاء لا يعرفون الحقيقة والصدق ؛ فالكذب في صالح السلطة والطائفة والعمالة يعتبر في نظرهم من اهم مبادئ الدين ومن سماتهم المتأصلة ... . وطالما دمرت اخبارهم الزائفة بنية المجتمع العراقي وكبدته خسائر جسيمة .
نرجع الى قصة المؤتمر والسويدي , كثيرة هي القرائن التي تشير الى سوء ظن الشيخ عبد الله السويدي بالطرف الاخر وعدم اقتناعه بالحوار وتشبثه بالروح الطائفية وتمسكه بالعصبية السياسية ؛ كما انه حاول البرهنة في كتابه و محاورته مع الملا باشي على ان الشيعة ليسوا على مذهب جعفر الصادق وهذا كما لا يخفى يناقض ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر النجف كل المناقضة ؛ وفيما يلي نص ما قاله السويدي في اخر مذكراته ( ان المذهب الذي تتعبدون عليه باطل لا يرجع الى اجتهاد مجتهد ... وليس لجعفر الصادق فيه شيء ... وانتم لا تعرفون مذهب جعفر الصادق ... ) ؛ علما ان بعض علماء الشيعة المعاصرين يعدون الملا باشي - و يعد هذا من الألقاب وليس اسما ؛ ومعنى الملا باشي رئيس العلماء وذلك إن من عادة ملوك العجم إن يكون لكل منهم عالم يلقب بالملا باشي يصحبه سفرا وحضرا يكون إليه المرجع في الأمور العلمية والمناظرات التي تقع واستمر هذا إلى أخر دولة القاجارية وقد كان بصحبة (تيمور لنك) ملا باشي تولى المناظرة مع علماء حلب لما فتحها كما أشار إليه ابن الشحنة في تاريخه( الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ) - من علماء السنة الايرانيين الذين جاءوا مع الملك نادر شاه بينما يعده السويدي في كتابه بانه ممثل الشيعة وعالمهم الكبير !!!
الجدال بين رجال الدين بصورة عامة اشبه بالجدل البيزنطي والسفسطة اليونانية ؛ فهو مبني على طريقة ان قلتم قلنا وفي الاشكال اشكالين ... وهلم جرا ... , وهذه الطريقة لا تؤدي الى نتيجة مثمرة يتفق عليها الفريقان مهما طال الجدال بينهما , فكلما جاء هذا الطرف ب دليل جاء الخصم بما يبطله , وحين ينتهي الجدل لسبب ما يظن كل فريق انه كان الغالب فيه وخصمه كان المغلوب كما يؤكد ذلك الوردي في كتابه ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث / ج 1 / ص 135 ) .
و ان وظيفة الشيخ عبد الله واولاده واحفاده في الدولة العثمانية كمفتين وقضاة ومؤرخين ومدرسين دينيين وموظفين اداريين تقتضي منهم السير في ركاب الولاة الظلمة العثمانيين ومدحهم وتزكيتهم ؛ وصب جام حقدهم الطائفي على الاغلبية العراقية وتشويه سمعتهم وتزييف الحقائق لإخفاء الحقائق التاريخية الناصعة التي تؤكد على اصالة وعروبة العراقيين و دخالة وظلم وخسة العثمانيين ورعاياهم واذنابهم الاجانب الغرباء .
ولم يغير السويدي طريقة تفكيره ولم يتخلى عن حقده وطائفيته بالرغم من كل محاولات المسلمين الشيعة والعراقيين الاصلاء التي تدعو للإخوة الاسلامية والتقريب , وهذه بعض الشواهد على ما نقول و من مؤلفات الشيخ عبد الله السويدي نفسه وعائلته الطائفية – فيما سيأتي لاحقا - والتي تدعو للفرقة والصراع والاقتتال والتكفير ؛ فانظر كيف يصف الشيعة في كتابه ( الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية) ) : ( ... وارجاع الشيعة عما هم عليه من سب الصحابة وتكفيرهم , وادعائهم الفضل والخلافة لعلي بن ابي طالب رضي الله عنه وتجويزهم المتعة والمسح على الرجلين , وغير ذلك من قبائحهم وبدعهم وضلالاتهم المشهورة المتواترة عنهم ... ) ويقول في موضع اخر من نفس الكتاب : ( ان الروافض اهل عناد ومكابرة فكيف يسلمون لما اقول ولاسيما وهم في شوكتهم وكثرة عددهم ... ) و كما يعترف بان الوسط والجنوب يدعى عراق العرب في كتابه ؛ واني لأعجب من هؤلاء الاجانب والغرباء الذين يعترفون بكثرة عدد الاغلبية العراقية وقوة شوكتهم واصالتهم ومع ذلك يزاحمون اهل البلد الاصلاء في موطنهم وموطن اسلافهم الغابرين – (هم نزل وهم يدبج عل السطح ) - ..!! .
وقد ألف رسالة في نقض عقائد الشيعة ؛ وله بحوث في هذا الباب ضمن كتابه : "النفحة المسكية في الرحلة المكية " ؛ منها رسالة في الرد على الشيعة بمسألة غسل الرجلين .

(7)
ختامها عفن طائفي و غدر واغتيال
كان الملك نادر شاه يشعر بضرورة تفعيل حالة التراضي والمقبولية بين المسلمين بعد انتخابه ملكا لسببين :
الأول: وقف الحروب المستمرة بين الإيرانيين والشيعة والأتراك العثمانيين الطائفيين والتي كانت في أغلب الأوقات تشتعل لأسباب طائفية وسياسية .
الثاني: لان الملك نادر شاه كان يحكم شعوب اسلامية فيها عدة طوائف ومذاهب اسلامية مختلفة ؛ فأراد أن يوحدها على قاعدة إرضاء جميع الأطراف بتقديم بعض التنازلات.
فقرر نادر إقامة مؤتمر في النجف لعلماء المسلمين ودعا له علماء المسلمين كما مر انفا ... ، وجعل الشيخ عبد الله السويدي المفتي العثماني في بغداد حكما بينهم طبقا لإحدى الروايات , و عقد المؤتمر في رواق الحرم العلوي ، حيث جلس العلماء سماطين وبدأ النقاش بينهم ... , لكن من المؤسف أن نقاش هؤلاء العلماء تركز على قضايا جزئية كالمتعة والمسح على الرجلين وسب الصحابة وما شاكل ذلك، وبعد أن أوضح العالم الكربلائي السيد نصر الله الحائري – ولعله العالم المعروف بينهم والذي يمثل الاستثناء لما مر انفا - أدلة ذلك من القرآن والسنة ، ونفى أن يكون للشيعة منهج في سب الصحابة ، وإنما يفعل ذلك أفراد لا يمكن ضبط تصرفاتهم كما هو الشأن في الطائفة السنية التي يوجد فيها افراد يسبون ويشتمون مقدسات الطرف الاخر ، و أقتنع الحاضرون بالأجوبة المقدمة، وتم التصالح بين الفريقين ورفع حالة التكفير واعتبر العلماء المذهب الجعفري مذهبا إسلاميا خامسا.
وقد كتب مقررات المؤتمر بعدة نسخ أرسلت نسخة منها للسلطان العثماني ونسخة للشاه وأخرى لزعماء الأفغان، وأما النسخة الأصلية فقد أودعت في خزانة كتب الحضرة العلوية .
لكن ما يؤسف له أن حكام الدولة العثمانية ورجالها الطائفيين رفضوا اتفاقية الصلح التي أبرمها والي بغداد أحمد باشا مع الشاه، وضربت بمقررات المؤتمر عرض الجدار...!!
وخير شاهد على ذلك ؛ كتاب ( الحجج القاطعة لاتفاق الفرق الاسلامية ) للسويدي والذي يكشف لنا مدى التحامل العظيم على الشيعة وعلى الملك نادر شاه؛ فقد وصفه بأقبح الصفات مثل الباغي الخارجي وغيرها مع كل هذا الإكرام ؛ وكما قال شاعرنا ابو الطيب :
إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ ** وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا
وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى ** مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى
فكل هذه المبادرات النبيلة والمساعي الحميدة ذهبت إدراج الرياح بسبب التعصب وعدم الميل إلى الألفة والوحدة والسلام , ولولا ما حال دونها من هذه التعصبات لأنتجت نتائج حسنة للمسلمين نرى نتائجها الايجابية الى يومنا الراهن .
ومراجعة بسيطة لتاريخ الغرباء الطائفيين والدخلاء العنصريين في العراق تكشف لنا حقيقة هؤلاء اللقطاء والعملاء والشواذ والمجرمين والمرضى والمخربين ؛ فهم لا يؤمنون الا بالعنف والقتل والغدر والفتك , و العنف كما هو معروف يعتبر لغة الجبناء والجهلة وضعاف النفوس , الا ان الحديد لا يفله الا بالحديد , وعلاج السفلة الهوان كما يقولون .

ومما انتقده السويدي على الخطيب السيد نصر الحائري أنه كسر راء عمر مع أنه إمام في العربية وشتم السويدي في كتابه السيد الحائري أقبح الشتم مع أنه يمكن إن يكون لسانه سبقه إلى الكسر والإنسان محل السهو والنسيان وإن كان إماما في العربية سيما في مثل ذلك المجمع العظيم المهيب , أو أنه لم يخلص الفتحة كما يقع كثيرا فظهرت شبيهة بالكسرة فحمل السويدي سوء ظنه الشديد على إن ظن به تعمد الكسر- وحتى الدكتور علي الوردي اشار الى سوء ظن السويدي في كتابه لمحات اجتماعية / ج 1- و يروي السويدي عن ما حدث معه قائلا , ان الاعتماد سأله : كيف رأيت الخطبة والصلاة ؟
فقلت : أما الخطبة فلا كلام فيها وأما الصلاة فخارجة عن المذاهب الأربعة على غير ما شرط عليهم إن لا يتعاطوا أمرا خارجا عن المذاهب الأربعة ؛ فأخبر الملك نادر شاه فغضب وأرسل له يقول : أخبر أحمد خان إني ارفع جميع الخلافات حتى السجود على التراب ... ؛ وعلق احدهما قائلا : يا عجبا للسويدي لا يرضيه عن الشيعة إلا إن يتركوا مذهب جعفر الصادق إمام أهل البيت ويقلدوا المذاهب الأربعة التي ليس مذهب جعفر دونها إن لم يكن خيرها والسجود على التراب جائز في المذاهب الأربعة بل هو أفضل وأقرب إلى الخضوع لله تعالى الذي شرع السجود لأجله فكيف يمنعه نادر شاه ليرضي السويدي ومع كل هذا التشدد كيف يمكن اتفاق المسلمين الذي حاوله نادر شاه بكل جهده فحال دونه أمثال السويدي .... وأرسل بعد ذلك السيد نصر الله الحائري ليكون إماما في مكة المكرمة وأرسل معه هدايا إلى شريف مكة فحاول أهل مكة الطائفيين قتله ؛ بوشاية من السويدي اذ سافر بنفس الوقت الى مكة للإيقاع بالسيد نصر الحائري والفتك به من خلال اخبار السلطات العثمانية في تركيا والشام والحجاز بضرورة التصدي لإفشال مقررات المؤتمر ومنها الاعتراف بالمذهب الجعفري وإن يكون له محراب خاص وإمام في المسجد الحرام وإن يكون من قبله أمير للحاج من طريق العراق وهو يتولى إصلاح البرك والآبار من طريق زبيدة ... ؛ اضمر هذا السويدي الحقد في نفسه وهي الصفة المعروفة لدى الشرذمة الهجينة الغريبة الحاقدة , واخذ يترصد للسيد نصر الحائري ويتحين الفرص حتى سافر السيد الحائري الى الحجاز وكان اول امام جعفري يصلي في بيت الله الحرام ... ؛ فقام السويدي ببعث الرسائل السريعة الى السلطان العثماني ؛ فارسل الوزير التركي في جدّة الى الشريف مسعود - شريف مكة - يطلب منه تسليم الحائري له كي يقتله، فامتنع الشريف عن تسليمه وقال : اني سأحافظ عليه الى أن اكتب الى دار الخلافة في استانبول واتلقى جوابها فيما تأمر، فلم يرضى الوزير التركي عن هذا الجواب واتهم الشريف الى الميل الى المذهب الجعفري، اسرع الشريف فكتب الى السلطان في اسطنبول يخبره بالأمر ويطلب منه الرأي فوصله الجواب من خلال السلطان خلال مدة قصيرة يأمره بإلقاء القبض على الحائري وتسليمه الى امير الحج الشامي اسعد باشا العظم ، ففعل الشريف ما امره السلطان به وحمل الحائري مخفورا مع اسعد باشا الى الشام وسجن هناك في قلعة دمشق وبعد مدة يسيرة طلب الحائري الى اسطنبول فحمل مخفورا اليها، و يبدوا أنّ الشريف مسعود- [والكلام للمؤرخ علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية / ج 1 , وقد اشار الدكتور الوردي ايضا الى تورط السويدي في اغتيال الحائري فراجع ] - شعر بحرج شديد عقب هذه الحادثة، وربما بلغه ما اشيع عنه الى الميل في المذهب الجعفري فأمر بعلن الرافضة على المنابر لرفع وازالة التهمه عنه .
وقد فرح الطائفيون العثمانيون من حاشية السلطان و استغلوا الفرصة ولم يراعوا ان السيد الحائري ضيف عندهم و له حق الضيافة ؛ وجيء به من الحرم اعزلا من السلاح ؛ فوثبوا عليه وقتلوه ومزقوا بدنه وقطعوا اعضاءه - وقيل مات مسموما - و عندما علم السلطان العثماني بذلك اغتاظ لان هذه غدرة , والغدر لا يليق بالإنسان العادي فضلا عن سلطان المسلمين ، اخذهم وقتلهم واحرقهم ... , وقيل ان للسلطان يد في مقتل السيد الحائري الموسوي العراقي - يعتبر من عشيرة ال فائز وجد السادة ال نصر الله الكربلائيين - ؛ وقيل إنه دفنه بالقرب من والده خان في إسطنبول واضحى مزارا يتبرك به ؛ وقيل غير ذلك ؛ وقد هلك الشيخ عبد الله السويدي بعد رجوعه من مكة في اثناء الطريق فذهب الى لحده غادرا طائفيا بينما ارتحل السيد الحائري الى ربه شهيدا وحدويا ، و بعد اغتيال السيد نصر الله ؛ لم تبذل أي جهود لمتابعة السياسة التقريبية، وانهار المؤتمر التقريبي الوحدوي كليا بعد اغتيال نادر شاه في عام 1747 ؛ ومع كل هذا الحقد والغدر والعداء واصل علماء المسلمين من اتباع ال البيت دعواتهم التقريبية في القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين , وطالما رفعوا شعار : ( اخوان سنة وشيعة ) ؛ الا ان افاعي الطائفية لا تعيش الا في جحور الظلام وكهوف الغدر .
ان الغدر والفتك والخيانة صفة متأصلة في نفوس هؤلاء المرضى الطائفيين , والغدر كما هو معروف من طباع اللئام , ولا تعد هذه الصفة من الخسة والنذالة فقط بل هي مرض نفسي كما اكد ذلك بعض خبراء علم النفس والعلاج النفسي ؛ اذ يوضح هؤلاء المختصون أن سوء التعامل مع الناس وعدم إقامة علاقات سوية بينهم وتدهور هذه العلاقات إذا ما قامت أصلاً، إنما لا يرجع إلى مجرد صفات اجتماعية نصفهم بها كالغدر، وإنما هي تصل لحد المرض النفسي اللعين، والداء الاجتماعي العتيق، إنه السيكوباتية .
ويشدد المختصون على أن من أهم ما يتميز به الشخص السيكوباتي في تعاملاته الاجتماعية مع الناس من حوله بغض النظر عن درجة قربهم منه ، هو سلوكه الفج والعنيف أحياناً ، وميله للتجسس على غيره ، وسعيه على الوقيعة بينهم إن استطاع ، بجانب عدم وفائه بأي وعد يعد به وعدم اكتراثه بمشاكل الآخرين ، إضافة إلى أنانيته المفرطة وميله الشديد والمستمر لتحقيق نفعه الشخصي ومصلحته الخاصة فقط لا غير ؛ ومراجعة تاريخية بسيطة لتصرفات وسلوكيات الشرذمة الطائفية الهجينة والبعثيين وابناء القرى الرعيان ... ؛ تؤكد لنا وبما لا يدع مجالا للشك انهم مصداقا جليا لكل تلك الاعراض المرضية .
و ان استمرار وجود هؤلاء المرضى في المجتمع العراقي من دون ايجاد حلول ناجعة وعلاجات حقيقية تقضي على امراضهم وعقدهم الطائفية والاجتماعية والنفسية ؛ كفيل بتدمير وتخريب بنية المجتمع العراقي بل و تعريض العراق الى خطر التقسيم والاضمحلال والذوبان في حدود الدول المجاورة .