صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينالتصنيفاتأحدث المقالات
OktobOktob
صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينالتصنيفاتأحدث المقالات


عن أكتبتواصل معناشروط الكتابةسياسة الخصوصية

اكتب © 2026

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك وعرض إعلانات ذات صلة عبر Google AdSense. سياسة الخصوصية

  1. الرئيسية
  2. أحدث المقالات
  3. ماركيز 61
د
د. مزوار محمد سعيد

الأستاذ الدكتور مزوار محمد سعيد هو فيلسوف وكاِتب جزائري، مدرِّس اللِّسان العربي في المدرسة الجزائرية وَمؤلِّف مجموعة مِن الكتب أهمها: قاتلي يتدرَّب في شيكاغو.

4 أغسطس 2022
مدة القراءة: 3 دقائق

ماركيز 61


يومٌ مشمسٌ جميل، يقودُ ماركيز سيارته الفرنسية عبر منعرجات كثيرة قاصدا احدى الغابات لعلَّه يحظى ببعض الهدوء، رغم أنَّه يعلم مسبقا بأنَّ كلمة هدوء على أرض القراصنة حلمٌ يقترب مِن الوهم، أكثر مِن اقترابه مِن أيِّ شيء آخر، ومع ذلك نجد الأستاذ ماركيز – هذا الفيلسوف الهادئ طبعا وتطبعا – دائم الركض خلف ما يسمونها جزافا بالهدوء.

كلمات "جون لوك" السريعة تنبعث من المذياع، السيجارة في فمه كالعادة، الأستاذ ماركيز يبتسم لكل ما تقع عليه عيناه، سواء كانت أشجارا، طيورا أو حتى زواحف، يسير لمدَّة ليست بالطويلة، قبل أن يتوقف بشكل متباطئ، ثمَّ يعيد ركن السيارة بالقرب من احدى الغابات الكثيفة والمليئة بأشجار الصنوبر الطويلة، ذات الأوراق الخضراء المنتشرة كانتشار الجراد في مواسمه المعروفة؛ وَكعادة معظم سكان المنطقة، فإنَّ ماركيز يقصد الغابات لأنَّها احدى الملاجئ التي يلجأ إليها العشاق والسكارى، فهي تعتبر على أراضي القراصنة فنادق في الهواء الطلق، الكل يزورها لغرض ما في نفسه، وهذا الغرض طبعا ليس التمتع بالمناظر الطبيعية التي يعمل القرصان بأقصى ما يملك من مجهودات لتحطيمها.

اتخذ الأستاذ ماركيز مكانا له بالقرب من سيارته الفرنسية التي ركنها تحت احدى أشجار البلوط العملاقة، وبعدما أنزل منها أغراضه، جلس فوق كرسيٍّ صغير مخصص لهذه الجولات، قبل أن يشرع في احتساء الويسكي وقراءة كتاب "فن اللامبالاة" للكاتب الأميركي مارك مانسون، المكان كان خاليا من الضوضاء إلى حد بعيد، لأنَّ بعض أصوات الضحكات لبعض الشباب كانت تخترق ذلك الصمت بين الحين والآخر.

مِن العادات السيئة التي لم يتمكن ماركيز من التخلي عنها هي عادة شرب الويسكي أثناء نزهاته بلا ثلج، يشربه دون خلطه بأيِّ سائل آخر، مما يجعله يؤذي بعض أطراف بدنه، فينشغل برهة من الزمن بالتأقلم مع تلك الآلام الناتجة عن تهور دفين في داخله، نتيجة تخبط ذلك الوحش الذي لم يتحرر من روحه بعد.

أخذ الويسكي يأخذ مِن الأستاذ ماركيز مأخذه، قبل أن تظهر أمامه فتاة بدت له كشبح خرج من الغابة، قامت بتحيته قبل أن تطلب منه سيجارة قائلة: أهلا أستاذ، عذرا عن التطفل كما أعتذر عن وقاحتي مسبقا، أنا فقط أرغب بسيجارة لو سمحت، لأنني أعلم بأنك مدخن منذ زمن بعيد.

دون حتى أن ينطق وجد نفسه يعطيها السيجارة بحركة آلية، قبل أن يساعدها في اشعالها؛ أخذت الفتاة نَفَسًا عميقا من تلك السيجارة، نظرت إلى الفراغ، قبل أن تتابع كلامها: لم أعلم يا أستاذ أنَّك تشرب الويسكي أيضا، منذ دراستي في قسمك كنت أرى كغيري من التلاميذ تلك السيجارة التي لا تفارقك إلاَّ نادرا، لكنني اليوم اكتشفتُ عادة جديدة لديْك، أنت تشرب هذا السائل الذي يجعل العقول تتعطل، فكيف تكتب تلك الكلمات المعقولة جدا التي لا يستطيع كتابتها حتى أبرز العقلاء من القراصنة وأنت غائب عن الوعي معظم الوقت، دعنا من رائحة الكحول، فهذا يفسر سر اقتنائك للعطور الأوربية الفاخرة – قبل أن تتبع كلماتها بضحكة قوية – لم يجد أمامها ماركيز مهربا سوى الإجابة عن هذه التساؤلات.

يا ابنتي! لا علاقة للأفكار بحالة الإنسان، والدليل أنَّ معظم العباقرة في التاريخ عاشوا في أوضاع قاسية للغاية، وبعض هؤلاء الذين غيَّرت أفكارهم حياتنا اليوم، كانوا مدمني كحول أيضا، ألم ينزل ريني ديكارت التفكير من السماء إلى الأرض عبر الكوجيتو وهو في حالة بين اليقظة واليقين؟

عجبا! ليس غريبا أن تكون أحدهم لا أستاذ؛ فأنت لا تزال تتحدث رغم أنَّ زجاجة الويسكي قد نزل منسوب محتواها تحت النصف – رمت عقب السيجارة جانبا – ودَّعته قبل أن تتجه نحو عمق الغابة، بينما بقي ماركيز محدقا في الفراغ وكأنَّه جزء من المكان، شجرة، حجرة أو حيوان بريّ لا يعرف مِن أين أتى ولا إلى أين هو متجه.


د
د. مزوار محمد سعيد
10 متابِع0 يتابع

الأستاذ الدكتور مزوار محمد سعيد هو فيلسوف وكاِتب جزائري، مدرِّس اللِّسان العربي في المدرسة الجزائرية وَمؤلِّف مجموعة مِن الكتب أهمها: قاتلي يتدرَّب في شيكاغو.

الأستاذ الدكتور مزوار محمد سعيد هو فيلسوف وكاِتب جزائري، مدرِّس اللِّسان العربي في المدرسة الجزائرية وَمؤلِّف مجموعة مِن الكتب أهمها: قاتلي يتدرَّب في شيكاغو.

صورة ترويجية لتطبيق أكتب على الهاتف

انضم الى اكتب

منصة تدوين عربية تعتد مبدأ البساطة في التصميم و التدوين

التعليقات

تدوينات اخرى للكاتب

23 يونيو 2021

أيُّها الصميم، أنتَ قريب للغاية

الإنسان هو الذي يجعل العالَم كما يشاء، وكما يشتهي، يرفعه إلى أقصى المسافات، وينزل به إلى أعماق الأعماق، يلوِّنه باللون الذي ي...

مدة القراءة: 3 دقائق
23 يوليو 2021

ما أشبه اليوم بالأمس عندما يصبح الراكون المبلل رئيسا للبيت الأبيض

يتفطَّن مالك بن نبي (الصدِّيق) كما يسميه المقربون منه، إلى أنَّ المجال المعنوي هو الأهمّ حينما يتعلَّق الأمر برصف الحوافز من...

مدة القراءة: 3 دقائق
29 يونيو 2021

لا تعاتبني؛ اَنصت إليّ

تزور الشقراء الكيلايوس من أجل إظهار مفاتنها، لكنها ترتبك، تعيد الاستراحة لأكثر من مرَّة على عتبة باب هيبة سمينثوس، تتبرَّك بل...

مدة القراءة: دقيقتين