التقصير في تربية الناشئة
بسم الله الرحمن الرحيم
سيجد من تابع الجزء الأول من مقابلة العلامة الجليل الشيخ أحمد بن حمد الخليلي جوابه عن ذكرى الانقلاب المشؤوم الذي حدث في زنجبار عام 1964م، مسببا وقوعه بالضعف الذي طال منظومة التربية في المجتمع المسلم آنذاك.
التقصير في تربية الناشئة يومئذ خلقت جيلًا ضعيف العقيدة، منطمس البصيرة، تتخطفه التيارات الفكرية من كل حدب وصوب، يهوي إلى ما تميل إليه نفسه، ويصدقه عقله من كذب وأوهام يبثها إليه أعداء الإسلام؛ فما كانت نتيجة ذلك إلا أن جعلت هؤلاء المخدوعين وحوشًا كاسرة تتحكم بها ربابنة التيارات المعادية؛ فأفسدوا في الأرض أيما فساد، حتى أنَّ أحد العمانيين مِمَّن سُلبت منهم عقولهم، وتشوهت فطرهم قتل ما يربو على السبعين نفسًا من أبناء جلدته -كما يروي شيخنا الخليلي- يعجل بهم إلى إرضاء أسياده.
ولا يخفى على ذي لب تشابه الأحوال اليوم، وظهور الجماعات ذات الفكر المنحرف التي ما فتئت تستدرج الشباب لمستنقعاتهم القذرة؛ فكان لزامًا على المربين أن ينتبهوا لما يدور حولهم، وأن يأخذوا حذرهم ويحفظوا أبناءهم، ولا يكون ذلك إلا بتنشئة الأبناء النشأة الحسنة، على أساسٍ صلب وفق العقيدة الصحيحة السليمة، واللغة العربية النقية والتي -مع الأسف الشديد- أهملها كثيرٌ من أولياء الأمور، واستبدلوها بلغةٍ أجنبية أخرى وحثوهم على تعلمها وحرضوهم في سبيلها وزادوا في ذلك. وأتبع تعلم اللغة التطبع بعادات أهلها وأتباعها -ولو كانت عاداتٍ قبيحة دنيئة- يقول الشيخ الخليلي في كتابه نداء الحق:
"غير أن الناس -ولا سيما العرب- أصبحوا زهادا في هذا اللسان، لا يعيرونه اهتمامهم ولا يحركون من أجله عنايتهم، وإنما استعاضوا عنه لسان من بزهم في القوة، فأمسك بنواصيهم وأخذ بتلابيبهم، ففي ميدانه يتسابقون، ولأجل إتقانه يتنافسون، حتى أنهم لا يعنيهم أن ينشئوا ناشئتهم على لغة العرب، بل يجتلبون المربيات لهم لتنشئهم على اللسان الأجنبي، ولا يفكرون إن سرى إليهم مع هذا اللسان الدخيل فكر أهله وأخلاقهم وآدابهم، وتطبعوا بعاداتهم حتى تصبح حياتهم صورة من حياتهم، كأنما ولدوا من أرحامهم، وتتباعوا في أصلابهم، فإنه من المعلوم أن ضياع الألسنة إنما هو ضياع للأمم التي تنتمي إليها، كما قال إمام الأدب العربي: (( لا عزيمة لقلب خذله اللسان، ولا تشدد للسان خذله القلب، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبهم {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا} الأنفال:37 )) [1].
ثم إن الدعوة إلى الاهتمام باللغة العربية لا يعني ترك تعلم اللغات العالمية والاستفادة منها، ولكن المراد هنا أن تكون لغة القرآن صاحبة المقام الأعلى والمكان الأسنى.
وصلى الله وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
