لعل الاحرار واصحاب الوعي و الفكر الحر ادركوا منذ القدم خطورة الاسهاب في الكلام والاسترسال بنقل النظريات والآراء وطرح الافكار والمعتقدات على بساط البحث والنقد , والاطناب في فتح الملفات الشائكة وفك رموز الشفرات الممنوعة والمحرمة ... الخ ؛  لذلك لاذوا بالفرار  الى صوامع الاعتزال  البعيدة وغرف الصمت  المظلمة وبوادي اللامبالاة وتلال الحياد  ؛ هروبا من سهام المجتمعات المأزومة والمريضة والمعقدة  و حراب التجمعات المتعصبة والمتخشبة والمتشنجة .

ففي هذه الاماكن الموبوءة اياك ثم اياك من التفكير الحر بصوت عال , او التنكر لفكرة السيد او ما نسب الى الال , او ان تترك للحبر مجالا وترسل من خلاله رسائل وعي وفكر  للأجيال .

ولعل المطلع على التراث الاسلامي والعربي والعراقي يقر بوجود أقوال وحكم وأمثال وقصص تتحدث عن الكلام والصمت مدحًا وذمًا ؛ الا ان كفة مدح الصمت والاشادة به ترجح على كفة الكلام ودوره المهم في الحياة ؛ وقد يكون السبب في ذلك لما في الكلام من مخافة كشف الحقائق والاسرار وبالتالي خشية الوقوع في الزلل والهاوية , ولما يسببه من أضرار لا يحسب لها حساب , لاسيما في ظل حكم الظالمين والدكتاتوريين او العيش وسط الناس المتعصبين والمؤدلجين ؛ لذلك جعلوا للصمت قيمة تساوي قيمة الذهب في مقابل الكلام الذي اعتبروه من فضة ، فقالوا: «إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب» ؛ لأنه يحمي راسك من السيف ويحفظ لسانك من القطع ؛ وقيل قديما : «مقتل الرجل بين فكيه»  . 

والمشكلة ان البعض يدعي تمسكه بكل ما جاء في التراث الا انه ينقلب عليه عندما لا يوافق اهواءه ومعتقداته الانية  , فهو يؤمن ببعض ويكفر ببعض – والبلاء انه كل يوم في شأن ؛ ففي كل يوم يأتي بمعتقدات دوغماتية ( جديدة عتيقة)  غير قابلة للنقاش والنقد ويرفض الاطلاع على الآراء المخالفة - ؛ والتناقض والازدواج سمة من سمات تلك المجتمعات والتجمعات   ؛ فقد جاء في التراث الاسلامي والعراقي عن حكيم العراق وحاكمه الامام علي : «لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل» ؛ وهذا القول يعتبر القول الفصل في حل التعارض بين الاحاديث التي تمدح الصمت وتذم الكلام , اذ بين حكيم العراق ان الصمت الممدوح ذاك الصمت الذي يمنع الجاهل من التفوه بما لا يعلم ؛ وعليه يكون الصمت عن ابداء الراي الصائب وبيان الحكمة مذموما والكلام واجبا , وان الكلام الذي يخلو من الحكمة والعلم والمعرفة مجرد ثرثرة لا خير فيه والعكس صحيح . 

لقد كان القدماء من المفكرين والحكماء والفلاسفة أول من فطن إلى أن عقلية المرء وطبيعتها ومزاجها مخبوء وراء لسانه... ولا يمكن سبر أغوارها ومعرفة كنهها إلا بالكلام المنطوق، وبالكلام تتأتى المعرفة... و قال حكيم العراق الامام علي بن أبي طالب في كتاب نهج البلاغة مشيرًا إلى هذا المعنى وملخصًا إياه في هذه الحكمة البليغة : «تكلموا تعرفوا… فإن المرء مخبوء تحت لسانه».

وإذا ما حاولنا أن نتصفح أخبار الأولين ونوادرهم في هذا الباب، ألفيناها شواهد جلية وقاطعة تدلل على صدق ما ذكرناه ؛ ومنها : عندما تضايق الفيلسوف سقراط من شاب يبالغ في إطالة السكوت، خاطبه قائلًا: «تكلم يا هذا حتى أراك!»...  ومعنى الرؤية عنده هنا الرؤية العقلية أي المعرفة اليقينية لا الرؤية البصرية، أي تكلم حتى أعرفك... إذ بالكلام تعرف مكنونات الإنسان .

نعم يبقى الكلام مذموما بل ومرفوضا اذا كان يمس حياة الناس الشخصية ويهتك اسرارها ويفضح خصوصياتها , ويوقع بين الاصدقاء بالوشاية ويفرق بين الاحبة بالنميمة , ويتهم الناس بالباطل وسوء الظن ... الخ ؛ ومعنى كل هذا إن ما ينطق به اللسان يكشف عن طبيعة المرء المتكلم العقلية  وتربيته الاخلاقية المتخفية وراءه .(1) 

ولعل ما جاء في كتاب القران : ((لذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)) يعتبر ردا واضحا على مزاعم المتعصبين والمرضى  المنغلقين من الذين يرفضون الاستماع لأقوال واراء الاخرين بحجج واهية – اوهى من بيت العنكبوت - ؛ فهذه الآية صريحة ببيان هذا المعنى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ؛ وهذا جنس يشمل كل قول فهم يستمعون جنس القول ليميزوا بين ما هو معقول وما هو خلافه ؛ فلهذا من وعيهم  وفكرهم  أنهم يتبعون أحسنه اي المعقول منه . 

.................................................................................

  • مقالة ( تكلموا تعرفوا ) للكاتب المغربي صلاح اهضير / بتصرف .