قال وقيل...!
"إنَّ أصحاب الحساسية الشديدة بما يقول الناس، الذين يطيرون فرحًا بمدحهم، ويختفون جزعًا من قدحهم؛ هم بحاجة إلى أن يتحرروا من هذا الوهم، وأن يسكبوا في أعصابهم مقادير ضخمة من البرود وعدم المبالاة، وألَّا يغتروا بكلمة ثناء أوهجاء، لو عُرِفَت دوافعها ووُزِنت حقيقتها ما ساوت شيئًا.
وهَبْها تساوي شيئًا ما، فلماذا يرتفع امرؤ أو ينخفض تبعًا لهذه التعليقات العابرة من أفواه المتسلِّين بشؤون الآخرين"
قلت: ومن المؤسف أن كثيرًا منَّا جعل أقوال الناس وآراءهم معيارًا له في قراراته، فتراه تارةً ينتهي عن عملٍ مباحٍ أو حتى واجبٍ خشية كلام الناس وانتقاداتهم، أو يعكس الأمر فيعمل عملًا انتشر بين الناس ولو كان هذا العمل ممنوعًا شرعًا كأنَّه نسي قول النبي ﷺ:
《لا يكن أحدكم إمَّعة، يقول: أنا مع الناس؛ إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت!! ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا ان تجتنبوا إساءتهم 》
وليت شعري؛ متى ينتهي كلام الناس؟ ومتى يسلم الإنسان منه؟ وهل سلم منه صفوة الخلق حتى نرجو نحن السلامة منه؟! فيا سبحان الله.
وقد وعى هذا، المؤلف الأمريكي ديل "ديل كارنيجي" حيث قال كما نُقِلَ عنه:
" لقد اكتشفت من سنوات أنني وإن عجزت عن اعتقال ألسنة الناس حتى لا يطلقوها فيَّ ظلمًا وعدوانا، إلا أنه وسعني أن أفعل ما هو خير من هذا أن أتجاهل لوم الناس ونقدهم...
ويقول: إنني أعلم علم اليقين أن الناس لا يشغلهم التفكير في زيدٍ وعمرٍو أكثر من لحظات، فهم مشغولون بالتفكير في أنفسهم منذ يفتحون أعينهم على اليوم الجديد حتى يأوون إلى مضاجعهم وأن صداعًا خفيفًا يلمُّ بهم لهو كفيل أن يلهيهم عن خبر موتي أو موتك."
إذًا فليس إرضاء من حولك أو اعتقال ألسنتهم -كما يقول كارنيجي- هو ما يجب أن تعمل عليه؛ فإن التفاتك لكل شاردة وواردة تقال فيك مثلها كمثل الأغلال حول عنقك ويديك تجعلك أسيرًا لأهواء الناس ورغباتهم؛ بل هي أردى من ذلك إذ تردك على عقبك فتبوء بخسارة دينك ودنياك. قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} ولكن تعلَّم أن تتجاهل وأن لا تبالي بكل ما يقال، وأن تُقدم على ما أنت مقبلٌ عليه بنفسٍ مطمئنة وخطوةٍ واثقة تبتغي رضا الله لا رضا الناس.
ولا تنسى كذلك أن تضع لقاعدة التجاهل استثناءً إن جانبك الحق في اتخاذك قرارك فقد قيل: "مراجعة الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل"، ويقول الشيخ الغزالي: " أما الانتقاد الصحيح لما وقع من أخطاء، أو استدراك على ما فاته من كمال؛ فيجب أن نقبله على العين والرأس.
ولو كان النقّاد مدخولي النيّة، سيئي القصد.
فسوء نيتهم عليهم وحدهم، وخيرٌ لنا أن ننتفع بما أجراه القدر على ألسنتهم من تصويب."
هذا وما التوفيق إلا بالله العليِّ العظيم، والحمد لله رب العالمين.
- الاقتباسات من كتاب جدد حياتك للشيخ محمد الغزالي.
