العالم الخارجي مرآة لإنعكاس ذواتنا 

كنت اتناقش مع صديقٍ لي عن فكرة تبنيتها مؤخرًا مفادها، أننا نجد ذواتنا عند التفاعل مع الآخرين وليس فقط بالعزلة كما يتصور البعض. وأردفت قائلةً له: أشعر أنني وُلدت في غرفة لا يوجد بها أي مرآة وعشت طيلة حياتي بها لا أعلم كيف يبدو شكلي، وكل ماكنت أفعله هو التخمين وطرح الأسئلة ومحاولة استنتاج هيأتي ولكن، عندما خرجت من هذه الغرفة، رأيت الأشخاص حولي وكل فرد يحمل كُسارة مرآة صغيرة، يحملها كلًّا منهم بمستوى مُختلف فمثلًا، هناك من يحملها بمستوى قدماي والآخر بمستوى عيناي وهكذا، فكلما مررت من شخص أرى جزءًا مختلفًا من جسدي، أرى إحدى عيناي هنا وذقني هناك وأنا مُتلهفة مليئة بالشغف عطشة لاكتمال صورتي في ذهني، أركض هنا وهناك أنظر في كسارة المرآة هاته وتلك لتجميع أجزاء صورتي وتركيبها.

العُزلة ام الإختلاط بالأشخاص؟

أنا وهناك العديد مثلي من يجدون المُتعة بالبقاء بمفردهم او مع أقرب الأشخاص إليهم وممارسة أنشطتهم المُفضلة. يجدون في غُرفهم عالمًا كاملًا، لذا دائمًا ما ترى غُرفهم كالمتاحف، مليئة بالدهشة وعالم كبير مليء بالأفكار والأشياء التي تعبر عن ذواتهم، لأنها تعني لهم أكثر من مجرد مكان للراحة والنوم ثم البقاء معظم اليوم خارج المنزل. غُرفهم هي هويتهم. لكن الان انا أفهم تمامًا بعمر العشرين عامًا، أنه يمكنني أن احمل غُرفتي وهويتي معي بداخلي والخروج للعالم وتجاربه. كسمكة الزينة الذهبية مثلًا، عندما تضعها في حوض سمك ستكبر فقط بالحجم الذي يناسب هذا الحوض، ولكن عندما تبحث عن سمكة الزينة الذهبية بحجمها الأصلي في الأنهار؛ ستُصدم بأنها أكبر بكثير! هذا ما يحدث لنا نحن عندما نأخذ خطوة خارج حُجراتِنا، خارج منطقة راحتنا، سنكبر من التجارب والفشل والدروس والنجاح ومجابهة مختلف الأفكار والشخصيات والمشاعر بهذا العالم الشاسع! فالسمكة الذهبية في النهر تواجه المخاطر دائمًا فهي عُرضة للإفتراس في أي وقت، ليس كسمكة الزينة الذهبية بحوض السمك، لا يوجد ما يهدد حياتها بالخطر، وطعامها جاهز لا تتعنى حتى عناء البحث عنه. ما أعنيه هو، أنك عاجلًا ام آجلًا ستواجه العالم الخارجي ومغامراته فمن الأفضل ان تبدأ الان بالتجربة واكتساب الخبرات قبل أن ترغمك الأيام فجأة للاضطرار لمواجهة الحياة خارج الحوض.


الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه

هل تأملت يومًا حتى وإن كنت اكثر الأشخاص انطواءً بالعالم بمدى إتصالك بالأشخاص حولك؟ فقراءة الكتب مثلًا، ماهي إلا عبارة عن قراءة أفكار الكاتب والتأثر بمشاعره المنسوجة بكلمات، وأنت بطبيعتك اما ان تنتقد أفكاره او تنتمي إليها، بالتالي قام بالتأثير بمشاعرك وأفكارك ومبادئك في أحيانٍ كثيرة، تمامًا كما يحدث عند التحاور مع شخص ما. خُذ على سبيل المثال الأفلام، أحب عالم السينما، أحب رؤية الممثلين بشخصيات متعددة ومختلفة بكل عملٍ سينمائي، والإندهاش من قدرتهم على تقمص هذه الشخصيات، أحب تأمل الحوارات والأفكار التي يتم مناقشتها، يعطيك هذا تأثيرًا مُشابهًا للوجود بمكانٍ عام ومشاهدة العديد من الأشخاص حولك وكل مجموعةٍ منهم مُنهمكون في عالمهم الخاص (فيلمهم الخاص). أو قراءة المقالات، سماع البودكاست، مشاهدة المقابلات، مواقع التواصل الاجتماعي، جميعها مجرد طرق أخرى للإتصال بالإنسان الآخر. فالسؤال هنا: هل يمكنك ان تعزل نفسك بدون أيٍّ من المذكور سابقًا؟ هذا معنى العزلة الحقيقي! ان تستمع لنفسك فقط بدون أي تأثير من أي أفكار خارجية.


هل هناك نهاية حقًا عندما يتعلق الأمر بإكتشاف ذواتنا؟

أعتقد بأن رحلة اكتشاف الذات هاتِه رحلة مليئة جدًا بالتساؤل والفضول والشغف ولا يوجد حقًا نهاية لها سوى النهاية الحتمية لنا جميعًا وهي الموت. لذا اعتقد أنه من الأفضل لنا ان لا نقولب ذواتنا بقوالب مشحوذة بدقة ونعلق بها للأبد. التغيير حتمي سواءً بأنفسنا او بالكون من حولنا، اكتشف جميع الأفكار والإحتمالات حولك، امتص الألوان ودرجاتها كلها، عِش ما أمكنك وكن منفتحًا للتغيير دومًا. عندها فقط، ستستمر باكتشاف ذاتك وذوات غيرك وسيستمر الشغف بهذه الحياة. عند تعلم قراءة نفسك، تلقائيًا سيسهل عليك قراءة غيرك والعكس صحيح.