فات جيلنا الحالي شيء كثير حين لم يدرك جيلا سابقا من الأدباء والمفكرين والكتاب ، جيل كان يملك شيئا يقدمه ، ويملك تاريخا علميا وسيرا حافلة من البحث والدراسة والتحقيق ، فكانت خلافاتهم أو " معاركهم الفكرية "  جديرة بالاعتبارة والاحترام أو بالاستمتاع - على الأقل -  لأنها صادرة عن جهد وبحث وقراءة ، وفيها جمال وبلاغة ، لا جمع لمصطلحات ورصف لكلمات .

وأتصور قاريء ذلك العهد واجدا من المقالات المنشورة " مقالات حقيقية " تزيده ثقافة واطلاعا ، لا مقالات  كحديث العامة ، لا تزيد القاريء إلا جهلا وحيرة واضطرابا . وهذا مما جناه على جيلنا غلو حياتنا الأدبية في " الفساد"     - كما يعبر أبو فهر رحمه الله - الذي ظهرت براعمه بجلاء في أوائل عهده ، واستوى على سوقه في عهدنا .. فامتلأت " حياتنا الأدبية " بمصطلحات رنانة وأسماء براقة و " عار فاضح وعبث رزين متعقل "

أتأمل في الاصدارات التي كانت تصدر تحت مسمى " الكتاب العربي السعودي "  ، فأجد فيها ثروة عظيمة لم يعد لها رواجا لدى جيلنا اليوم ، فقد أصبح معظمنا يستصعب قراءة العسير ، هانئا بقراءة القصة والرواية ويراها جهدا علميا ضخما يستحق الفخر والمباهاة ، وتصدّر المجالس والمنتديات الثقافية ، منتظرا فرصة سانحة لصحيفة سائرة كي يمد الناس بعلمه العظيم  ، وهو والله وجه آخر من وجوه الفساد في حياتنا الأدبية .. ويؤسفني أن هذه الكتب لم تعد ترى في المكتبات ، ومن يسعى لها فليتحمل عبء الإستعارة من المكتبات العامة ، أو عبء تتبعها في مكتبات المستعمل والأسواق الشعبية ، وإنه حظ عاثر آلت إليه .

من بقية ذلك الجيل  الشيخ ابن عقيل - حفظه الله وأمد في عمره - وهو ظاهرة غريبة ، كان قد اختار طريقا مختلفا في قراءته وبحثه وكتابته ، يظهر هذا جليا في كتابه " هكذا علمني وردزورث " ، فتجد فيه بحثا لمسألة أصولية ، ثم تحريرا لمصطلح لغوي ، فحديثا عن الجمال والفلسفة ، ثم تحليلا لفيلم" عريس بنت الوزير " .. فسطورا من أجمل السطور عن العبقرية والجنون ، وقس على هذا .. متبعا في كتابه هذا - كما يقول -  طريقة الحصري في " زهرة الآداب " لتظهر في التجميع إفادة الاجتماع ، وفي التفريق لذاذة الامتاع .

فينقلك في كتابه هذا من صفحة تظنها حلقة مهيبة لعالم سلفي يفصّل ضرورة " سيادة النص " ، إلى حديث فيلسوف ماتع عن الإيجابية والإطرادات والثوابت من ناحية فكرية ، ثم يحملك على بساط من الريح مرح إلى " كفر أبي صير " ليحدثك عن فيلم لـ"عبدالوهاب " وأغنية غناها الأطرش .. وبعدها يقول لك : " صح لنا باللفظ قطعي الدلالة والثبوت من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن حلق اللحية حرام .... " !

أسمعُه يقول : " لقد حاولت أن أربي فكري - منذ أول تمييزي - على الحرية التي لا يحد منها إلا  صدق النية في تحري الحق والخير والجمال " ص316 .. وهنا تظهر ملامح هذه الظاهرة التي فهمت الحرية كما ينبغي فلم يمنعها القول برأي ابن حزم في الغناء من التصريح بحرمة حلق اللحية ، ولم يمنعه حبه للتفكير وإطلاق العقل من تقديس أدلة الكتاب والسنة وتقديمها على كل شيء ، وهذا التحري الحر الساعي إلى الحق هو من جعله بعد ثلاثين سنة من كتابه يكتب مقالا بعنوان " الغناء جميل ، ولكن غدا أجمل " ، ويستغفر لابن حزم لرأيه الذي تابعه عليه  ..

الإشكالية التي يعاني منها كتاب اليوم وجيل اليوم هو تجسيده للحرية الفكرية في قالب واحد قليل من شذ عنه ، تتميز ملامحه في قضايا متلازمة لا يمكن أن تنفصل ، فأصبحت الحرية تعني مخالفة السائد مطلقا أو القفز مباشرة من شكل إلى شكل جديد دون نظر ولا بحث ولا قراءة ولا استدلال ففر هؤلاء منن تقليد الحق إلى تقليد الهوى والباطل كما يشير الغزالي رحمه الله ، وأصبح "الأحرار" نسخا مكررة  ، أو كما يقول صاحبنا : " يعادون ما يجهلونه ، ويدعون ما لا يعلمونه ، ولا يملكون رؤية كونتها خبرة ثقافية ، ولا يملكون رأيا كونه فكر نير "  .. وهذه القولبة والتكرار  أكبر دليل على أن هذه الحرية المدعاة ما هي إلا وهم من الأوهام ، وسير في طريق المخالفة للمخالفة ذاتها ، دون بحث ولا تمحيص.

الحديث هنا عن ابن عقيل كظاهرة ليس للتركيز على آرائه التي ذهب إليها قديما أو التي عاد منها ، لكن للتركيز على المنهج الذي ينبغي أن يتبعه المثقف المسلم في حياته ، من وجود ركائز ومنطلقات واضحة ، وسعي للحق بتجرد ، واعتزاز بالثقافة ، مع علم وبحث وجهد يدعم كل هذا ، وحين نتأمل الظاهري نجد أنه ينطلق من منطلقات واضحة ، ساعيا سعيا صريحا للحق لا يخجل حتى من توبيخ نفسه ، معتزا بثقافته وأصوله .. واقرأ له إن شئت ما كتبه قبل فترة حول اكتشافه لنفسه ، وحديثه في كتابه الذي سبق ذكره حين يقول : " ما تلقيت الإهانة في حياتي قط إلا بعد ما جنت علي ّ الصحافة فقعدت عن مجالسة العلماء فهذه واحدة ، وكتبت هذرا كثيرا فهذه ثانية ، وكان ما كتبناه غير نافع ولايراد به وجه الله فهذه ثالثة ..... " لقد كان صادقا مع نفسه ومن كان صادقا مع نفسه صدق مع الناس وفي سعيه و " لن تقرأ المعرفة الصحيحة في قلب غير صادق " كما يقول هو .  وهذا ابن عقيل يعلمنا أن الحرية الفكرية واطلاق العقل ، قبلهما مفاوز من دراسة وبحث واطلاع ومكابدة الكتب بالليل والنهار، وأصول ثابتة ومنطلقات لا تهرم ، وإلا كانت الحرية رق للهوى ، وكان اطلاق العقل نوعا من الجنون .. ويعلمنا أن على من ادعى الحرية الفكرية ، أن يسلك عقبات كؤود ، ويعاني حياة عسيرة ، ويجهد في طلب العلم والدرس نفسه ، وأن يجعل الديانة قصده ، ثم ليختلف بعدها كيف شاء ..

صلّيت مع هذا الرجل الحر في مسجده ، منتظرا مجلسه الأسبوعي الذي تمنيت لو أنه أقامه .. وسألته عن كتابه العجيب هذا ، فنكس رأسه وقال : " ذاك من كتب السفاهات " !

 ألا غفر الله لك يا يا والدنا الوقور ، أي شيء نقوله عن الكتب التي ملأتنا بما تعلم ؟

وددت يا أبا عبدالرحمن أن يقرأ جيلنا اليوم مما أسميته  كتاب السفاهات  مقالك الشجي " أنا مغترب والراحلون هم ُ " ليعلم أي شيء كان جيل الراحلين عليه ، و"ثالوث المؤرخ الحديث " ليفهم أن العلم لا يأتي " دون مكابدة لأعباء الكتب ويأبى الله ماظننتم " ، وأن يقرأ " أنا شرقي إذن أنا أبكي " ليشعر بما " يشغل الساحة اليوم من أوشاب أدبية وفنية تظهر في عناد طفولي مغتصب لمشاعر الجماهير " و" عصر الإرهاب الفكري أو أصنام بيكون " ليتخلص من وباء " الأنصاف " ، وأن يتذوق " الجمال بين النظرية والتطبيق " لتسمو لديهم قيمة الحق على قيمة الجمال ، وأن يفهموا " الاطرادات الفكرية " ليعلم هذا الجيل على أي أصل هو يتكيء .

وأجزم لو قرأنا هذه وفهمناه ، لعلمنا بحق أين تعشعش " السفاهة " في يومنا هذا وتفرخ ، ولقضينا وقتا مع "صلوات قلب " لنقرأ قلوب الصادقين ، ونشهد تبتل العارفين المؤمنين .

أي شيء نجنيه على مجتمعاتنا حين نحن نغفل عن علماء أعلام عظام ، ونضع في مقامهم أعلاما من وهم ، وغفر الله لك يا ابن عقيل وغفر لهذا الجيل الذي يسمع طنين اسمك في أذنيه فيظنك من علماء القرن الخامس الهجري !