مسلم يؤمن بان الاسلام دين متفرد عن بقية الاديان لا يجوز لنا ان نقيسه على غيره من الاديان او نقيس غيره عليه لا يقال ان الدين لا يتدخل فى السياسة ذلكم دينكم انتم
تأملات قرآنية 4
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
العقل مناط التكليف ولا تكليف على صبى لم يكتمل عقله ولا على مجنون قد فقده بالكلية
ومن هنا يمكن ان ندرك ما هو العقل
فالمجنون هو من لا يدرك حقيقة الاشياء على ما هى عليه فلا يفرق بين الالوان او الاطعمة قد يستسيغ الحلو والمالح ويأكلهما معا وقد لا يدرك عاقبة وضع يده بالنار وقد لا يدرك عاقبة ضربه لجداراو لزجاج وقد تراه عريانا لا يستر عورته غير عابئ باعين الناظرين ولا شاعر ببرد او حر وقد ياكل بعضه او ملابسه او ما تعافه النفوس السوية وقد لا يعرف اباه او امه او اخوه او ابنه
والصبى وان عرف الالوان والاطعمة واباه وامه وعرف الخجل من العرى وعرف طبيعة الاشياء وحقائق الحياة الا ان معرفته لم تزل ناقصة يعوزها الاستواء والكمال .
لذلك يصح من الصبى صلاته وصومه وحجه ويخاطب بكل ذلك على حسب مقدرته فيؤمر بالصلاة والصوم والحج ولا عقوبة عليه ان ترك شيئا من ذلك او ارتكب محرما محدودا بحد شرعى لانه يعقل فى الحقيقة غير انه ناقص العقل والادراك فعمله الصالح مقبول مأجور بما فيه من عقل وعمله الفاسد مرفوع بنقصان عقله
اما المجنون فلا يخاطب بشئ من ذلك
ولكن اذا كان اكتمال العقل بالبلوغ وهو ما قد يكون عند بعض الناس فى الثانية عشر فما هذا العقل الذى اكتمل وقد راينا اناسا قد بلغوا سن الشيخوخة وعقولهم قاصرة ؟ . الحق ان العقل الذى اكتمل هو ما يسميه المناطقة اوليات العقل وهى ادراك الحقائق الاولية التى تدركها النفس بلا واسطة ولا برهان
وهو تمييز الممكن من المحال من الضرورى او الواجب الحدوث فادراكنا لاستحالة طير الحصان مثلا عمل العقل هنا ليس الا توليد معنى الاستحالة نفسه وهكذا كل محال فى الدنيا فلولا ان فى العقل قوة ميز بها ذلك المعنى اعنى الاستحالة لتصور الانسان ما يستحيل وجوده او فعله ولهذا حينما يفقد الانسان عقله فقد يصعد الى اعلى بناية ويلقى بنفسه فى محاولة للطيران وكذلك معنى الامكان فلولا ذلك المعنى الذى جبل عليه الانسان لما استطاع التوصل الى تحقيق حلم الطيران نفسه من خلال محاكاة عمل الطائر فالمحال هو الطيران بلا الة او اداة اى تمكين المحال من خلال محاكاة الواجب الذى هو المعنى الثالث ذلك ان طيران الطائر واجب الوقوع لما خصه الله به من قدرة على الطيران ولهذا فكل ما توصل اليه الانسان هو تحويل المحال الى ممكن او واجب من خلال استكشاف الواجب الطبيعى كالزراعة مثلا فهى محال بغير ماء او بذر او تربة تلك العناصر التى اذا اجتمعت صار واجبا انبات الزرع كما هو تمييز الالوان لان ادراكنا بالفرق بين الاحمر والاسود والابيض هو عمل العقل الذى فرق بين كل لون حسه البصر كما هو تمييز الناعم من الخشن والصلب من اللين
كما هو تمييز الاطوال والمقادير والاوزان ففرق بين الطويل والقصير والكثير والقليل والثقيل والخفيف فهذه المعانى كلها والتى لها الفاظ ميزتها ورتبتها الترتيب الذى ندركه لولا العقل لما كان يمكن ادركها وترتيبها هذا الترتيب
هذه المعانى الكلية التى ميزها العقل هى مرجع كل العلوم والخبرات والمعارف التى يحصلها الانسان ولا يزال يحصلها الى ان يحين اجله فهو لم يزل متعلما بتلك الالة التى تكونت فى نفسه واكتملت مع بلوغه فما من شئ سيراه فى دنياه الا ويمكن له وان يتعقله اى يدركه من خلال تلك المعانى الكلية او الاولية او الفطرية التى تكونت فى نفسه والتعبير القرانى قد صرح بان هذه القوة العقلية محلها النفس او الفؤاد او القلب وهى الروح ولكن هناك من يعتقدها فى الدماغ والمخ خالطا بين التعقل والتفكير فالتفكير انما يكون بتذكر المعانى والجمع بينها ولكن التعقل انما هو طبيعة الروح التى تدرك بلا تفكير ان اللون الاحمر هو غير الابيض هو غير الاسود والتى لا تحتاج الى تفكير فى ان الانسان لا يكون فى مكانين مختلفين فى وقت واحد فمجرد معرفة شئ او رؤيته او تلمسه تدرك النفس طبيعته واحواله اما التفكير فهو عملية تذكر للمعانى والجمع بينها لتعقل معنى جديد كما لو راى انسانا شيئا جديدا لم يتعقله من قبل فهو يبحث فى ذاكرته عن اقرب الاشياء التى تشبه هذا الشئ الجديد فهى عمليه تعقل من خلال التفكير او التذكر ذلك ان اكتمال العقل ليس بمعرفة كل المخلوقات وانما اكتمال العقل بمعرفة كل الطبائع والاحوال الاولية فهذا الشئ الجديد له لون وله ملمس وله ابعاد ومقدار او وزن وكل هذه المعلومات الاولية قد اكتملت فى النفس ثم هو من خلال تعقل ملمسه ولونه وجميع طبائعه اما ان يلحقه بمثل فى ذاكرته لنوع من المخلوقات واما ان يعده نوعا جديدا فالتعقل عمل النفس والتفكير عمل الدماغ لانه محاولة الحاق مثل معقول امامه بمثل معقول فى ذاكرته او الحاق مثلين معقولين فى الذاكرة ومن خلال التذكر اما ان تستكين النفس الى معرفة جديدة وهذا تعقل واما ان لا تصل الى اية معارف لهذا كانت المعرفة والعلم نتاج الحواس والعقل الذى هو المعارف الاولية المركبة فى الروح
" والله خلقكم فى بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون "
" ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولائك كان عنه مسئولا "
العلم هو اليقين ولا يمكن للعلم بالشئ ان يتحقق بغير الحواس والعقل الذى هو الفؤاد وهو النفس وهو القلب فى الفاظ القرآن وهو القوة التى بها تعرف اوليات العقل
والتفكير محله الدماغ لانه يتجه الى الذاكرة يقول تعالى " انما يتذكر اولو الالباب " والتفكير هو عملية قياس مثل فى الواقع المحسوس على مثل فى الذاكرة لذلك يقول تعالى " فاقصص القصص لعلهم يتفكرون " من خلال ضرب مثلهم مع رسولهم مع مثل الاقوام التى سبقتهم مع رسلهم وما آلت اليه احوالهم من الخسارة والهلكة بعد محاربتهم لتلك الرسل وتكذيبهم لها
ويقول تعالى " وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " فهذه الاية من اصرح النصوص الدالة على ما قلناه انفا من ان التفكر او التفكير هو عملية ضرب الامثلة بعضها ببعض
ويقول تعالى " اولو كان اباؤهم لا يعقلون شيئا " ذلك ان العلم بالشئ هو تعقل له اما الجمع بين شيئين فى الذهن والبحث عن اوجه الشبه او الاختلاف بينهما فهو تفكير
وكل فساد فكرى وكل معارف باطلة انما مرجعها لفساد التفكير ذلك ان العقل واحد اما ان يكون المرء عاقلا او غير عاقل ولكن الاختلاف فى التفكير اذ راينا اناسا يضربون مثلا شبيها بمثل دون ان يكون مطابقا له فى كل احواله وسموا هذا قياسا فقاسوا اشياء لا جامع بينها لمحاولة ادراك ما لا يمكن ادراكه بالعقل
فالعلم لم يكن وليد العقل وحده وانما العلم وليد الحواس والعقل ولولا الحواس لما كان علم ولولا العقل لما كان علم لكنهم ارادوا الخروج عن عالم الحواس الى عالم غير محسوس وارادوا معرفته من خلال معرفة العالم المحسوس وما اداهم لهذا الا اسئلة عقلية طبيعية فالعقل لما تعلم انه لا يكون شئ بهذا الترتيب والاتقان بلا خالق له سال من خلق هذا العالم ولماذا خلقه وماذا كان قبله وماذا سيكون بعده كل هذه الاسئلة عقلية وعلمية ولكن الاجابة عليها بالعقل والحواس غير ممكنة لاننا لم نر خالق الكون ولم نر ما كان قبله ولا نعرف ما سيكون ولكن تعلمنا ان هناك علما لا يكون الا بالخبر ذلك اننا لا نعلم ما كان قبل ولادتنا الا من اباءنا واجدادنا الذين اخبرونا عن حوادث لم نرها كما اننا لا نعرف ما حدث بعيدا عنا الا من خلال محدثين لنا راو ما وقع فاخبرونا به وتعلمنا ان المخبر بشئ اما ان يكون صادقا او كاذبا وتعلمنا ان الصادق له علامات يدرك بها صدقه والكاذب كذلك
فاذ تيقن لنا استحالة معرفة تلك الاسئلة عن خالق الكون وسبب خلقه وما كان قبله وما كان بعده من خلال الحواس بقى ان نبحث عن علم ذلك من خلال الخبر وقد اخبرنا عن اناس ادعوا انهم ياتيهم خبر من خارج الكون ينبئهم بمن خلقه ولماذا خلقه وماذا كان قبله وماذا سيكون بعده وهؤلاء هم الانبياء الذين ارسلهم الله ليعلموا الناس ما لا يمكن علمه من خلال الحواس والعقل وانما يمكن علمه من خلال الخبر ويمكن علم صدق المخبر من خلال العقل والحواس ذلك ان كل نبى ارسل قد جاء بمعجزة خارقة لما اعتادته الحواس وما تعلمه العقل
وصار تغيير عادة ما على وجه مخالف للطبيعة والعقل دليلا على ان صاحب المعجزة له علاقة بخالق هذا الكون الذى رتبه على ما هو عليه ولا يمكن لاحد ان يغير رتبة من رتبه او طبيعة من طبائعه الا باذنه عزوجل
اذ ان تغيير طبيعة شئ لا يستطيعه الا خالقه ومن ثم كانت برهانا على نبوة من تحققت المعجزة على يديه ولهذا كان موسى عليه السلام والذى صارت العصا افعى على يديه قد اظهر لاهل السحر الذين يعلمون خدعه وطرقه ان تحويله للعصا الى افعى ليس من باب السحر والذى هو خداع وليس حقيقة اما تحويل عصا موسى الى افعى فقد كان تحويلا حقيقيا لا يقدر عليه الا الخالق عزوجل
وكذلك لما القى ابراهيم فى نار تاكل الاخضر واليابس ثم اذا به هو يخرج منها سالما مبردا كان ذلك التغيير فى طبيعة النار دليلا على صدق ابراهيم فى اخباره انه على صلة بخالق النار وخالقه وخالق الكون لهذا قال تعالى " وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه " اى امنه من النار
ولهذا سمى الله عزوجل معجزات الانبياء بانها بينات وحجج وبراهين لانها الدليل الذى قدمه الانبياء لاقوامهم على صدق صلتهم بخالق الكون وخالق طبائعه ورتبه وعاداته
اما الفلاسفة ومن نحا نحوهم ممن ارادوا المعرفة غير الطبيعية من الطبيعة فهؤلاء من قال الله فيهم " ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير "
اذ لا علم بالله ممكن من خلال الطبيعة التى هى دليل على ان لها خالق ولكنها ليست دليلا على من هو وما هو سبب خلقه لها ولنا وبقى ان ياتى الهدى من عند خالقها عزوجل كما قال تعالى " فاما ياتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "
وكما ان العقل علم الطبيعة بالحواس فان العقل وحده قادر على تعلم هدى الله الذى هو كتاب انزل على نبيه فبلغه كما هو لفظا وبين معانيه وفصل احكامه ولا يمكن لنا فهم هذا الا من خلال العقل
فالعقل يعمل فى نصوص الشرع عمله فى الطبيعة ولا سبيل لمعرفة معانى النصوص الا بالحواس والعقل لا بالهام اخر غير الهام النبى قد يختص به شيخ من الشيوخ ولا بحدس ولا بباطن غير ظاهر بل النصوص تفهم بذات الالة التى بها نفهم العلوم الطبيعية ولهذا يقول تعالى " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين " والتفقه هو الفهم وانما يحصل الفهم بالعقل والحواس
