مسلم يؤمن بان الاسلام دين متفرد عن بقية الاديان لا يجوز لنا ان نقيسه على غيره من الاديان او نقيس غيره عليه لا يقال ان الدين لا يتدخل فى السياسة ذلكم دينكم انتم
تأملات قرآنية 3
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) البقرة
الفاعل مبنى لما لم يسم فاعله وقد قال بعضهم هو الله عزوجل وقال بعضهم بل هو الشيطان وقال بعضهم بل زين بعضهم لبعض وكل ذلك صحيح فالشيطان انما يزين للناس الحياة الدنيا بامر الله والحياة الدنيا مزينة اصلا بامر الله وكل انسان يزين لصاحبه شيئا من الحياة الدنيا لا يفعل ذلك لا بامر الله عزوجل
ولكن ما يتبادر الى الذهن لماذا خص الذين كفروا بتزيين الحياة الدنيا لهم وقد كانت الحياة الدنيا دوما مزينة لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم وقد قال تعالى " قل من حرم زيتة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق "
نعم لكن دون ان تكون هى مقصودهم وغايتهم واليها تصرف هممهم دون سواها وانما مقصود المسلم وغايته هو الحياة الاخرة كما قال تعالى "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الاخرة من نصيب"
ويقول عزوجل " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف اليهم اعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون اولائك الذين ليس لهم فى الاخرة الا النار " لانهم لم يردوا اسوى الحياة الدنيا ولم يلتفتوا الى الاخرة بل صرفوا الهمة كلها صوب هدف واحد هو الاعلى والاجدى فى نظرهم ولو التفتوا الى الدين ياخذونه ماخذا دنيويا ايضا اى لخدمة الهدف الاسمى وهو الدنيا فتراهم يصلون ويصومون خوفا على دنياهم ان تزول او رغبة فى المزيد منها كالذى يعبد الله على حرف فان اصابه خير اطمان به واستمر على عبادته وان اصابه شر تبين لنفسه وللناس انه لم يكن يعبد الله الا لنيل الدنيا فلما صرفت عنه انصرف هو عن العبادة كانه لم يجدها ذى نفع فى تحقيق غايته التى لها وهب حياته كلها وهى هذه الحياة الدنيا وزينتها
والذى يصرف همته للدنيا والسعى لنيل زينتها لا شك ينظر الى من صرف همته للاخرة نظرة السخرية والاستهزاء لانه يراه قد شغل حياته بما لا يجد له نفعا فى الدنيا فهو دائما يزن الامور بميزان الربح والخسارة الدنيويين ولا يؤمن بيوم يكون فيه الميزان غير الميزان والربح غير الربح والخسارة غير الخسارة ولو امن بهذا اليوم لعمل له ولكنه عمل لما بين يديه ولم ينظر الى ذلك اليوم الذى سينصب فيه ميزان لا تزن فيها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وانما تزن فيه الاعمال الصالحة التى اليها انصرفت همم المؤمنين
وانظر الى قوله تعالى " والذين اتقو فوقهم يوم القيامة " هم يبتغون بزينة الحياة الدنيا الاستعلاء على الناس وطلب المكانة العالية التى يتفوقون بها على من سواهم فالله يعد اهل التقوى الذين انصرفوا عن زينة الحياة الدنيا وزهدوا فيها وانصرفوا الى ما يتقربون به الى الله عزوجل بان لهم العلو والفوقية يوم القيامة
واختصاص الذين اتقوا بالفوقية المطلقة على من سواهم من الناس فانما ذلك لا ينفى عن عامة المؤمنين التفوق على من سواهم فكل مؤمن فيه تقوى لكن فيها تتفاوت مراتب المؤمنين
فكانت الفوقية المطلقة لاهل التقوى المطلقة وكلما ازدادت تقوى المؤمن كلما ارتفعت منزلته وعلا مكانه يوم القيامة
ثم وبعد ذلك كله فان الله عزوجل هو من بيده رزق هذه الحياة فكم من طامح لها قد صرف جهده ووقته وافرغ ذهنه من كل مقصود سواها ولم ينل منها الا الدنية والخزلان وكم من منصرف عنها غير عابئ بها وهى اليه ساعية متقربة رافعة من قدره ومنزلته بين الناس
ذلك ان الرزق كله بيد الله يؤتيه من يشاء
وتامل معى حرف الواو وهو يتكرر بين اربع جمل متتالية " زين للذين كفروا " ويسخرون من الذين ءامنوا " " والذين اتقوا فوقهم " " والله يرزق من يشاء "
لم يكتفوا بانشغالهم بزينة الحياة الدنيا والسعى لها بل ومع ذلك يسخرون ممن لم ينح نحوهم ويتبع طريقتهم من شدة نكرانهم لذلك اليوم الذى له يعمل العاملون من اهل الايمان لكن الله عزوجل يرد على منطقهم فى السخرية من اهل الايمان بالسخرية منهم كما قال تعالى " سخر الله منهم " بانهم مع سخريتهم من الذين ءامنوا فان هؤلاء الذين تسخرون منهم هم فوقكم يوم القيامة ومع ذلك كله فان الرزق رزق الله يؤتيه من يشاء فانتم مع كل ما تصرفونه من جهد وما تتكبدونه من تعب وشقاء فلن تنالوا الا ما كتبه الله لكم من رزق
