عدنان عضيبات هو شاعر أردني معروف بلقب "شاعر المرأة"، وهو من أبرز الشعراء في العالم العربي الذين تناولوا موضوعات الحب والمرأة في قصائدهم.
الجزء الحادي عشر رواية يولا
الجزء الحادي عشر من رواية يولا
عمان ٢٨ ابريل
لماذا يا يولا
لماذا استنزفت مني كل ذلك الاحتياطي من الفرح ونهبت مني طمأنينة كنت أظنها حصنا منيعا قبل أن تتعثر خطاي بوجهك
لقد كنت قبل لقائك أقتات على سعادة بسيطة وأرضى بسلام بارد لا يكسره حنين
لكنك جئت كالعاصفه
أحييت في قلبي ما أماته الزمن ثم تركتني أواجه هذا الفراغ الموحش وحدي
كأنك أخذت معك كل ألوان الحياة التي اكتشفتها بين يديك ولم تبقي لي سوى رماد اللحظات الجميلة
أهكذا يكون اللقاء
أن نسرق من بعضنا أجمل ما فينا ثم نمضي وكأننا لم نكن يوما وطنا لبعضنا
لقد كان قلبي عامرا قبل أن يعرفك والآن أقف في منتصف الطريق أتساءل كيف لشخص واحد أن يمنحك الكون في لحظة ثم يسلبك حتى نفسك في لحظة وداع
صرخة الأنانية المقدسة
في ذروة يأسنا الجميل رفعت يولا صوتها فجأة وكأنها تحاول أن تطرد طيفي من حياتها المستحيلة
كانت تبكي وهي تقول
عدنان تزوج
ابتعد عني قدر ما استطعت
خرجت كلماتها متكسرة كأنها تنتزع من صدرها بالقوة
قالت وهي تحاول أن تجمع ما تبقى من اتزانها
لم أعد أملك القدرة على التفكير ولا أحتمل رؤية نفسي في مرآة روحك
كيف أكون بهذه الأنانيه
كيف أتركك سجينا في انتظاري وأنا أعلم أن دروبنا قد تباعدت
كانت تطلب الرحيل لكنها في الحقيقة كانت تتشبث بي بطريقة موجعة
فما عجزت عن قوله هو أنها تحبني إلى درجة لا تحتمل معها أن تراني أذوي في انتظار معجزة لن تأتي
حين تنطق الروح بالوجع
لم يكن حديثها يقاس بالكلمات بل بالألم الذي كان يهبط في صدري مع كل حرف
كانت كلماتها تخرج مثقلة بيقين جارح وكأن كل جملة تقولها تنتزع جزءا مني وتترك مكانه فراغا لا يملؤه شيء
أحيانا تكون الكلمات أشد قسوة من النصال
فهي لا تجرح الجسد فقط بل تخلع من الإنسان توازنه كله
وكان صراخها بمثابة اقتلاع أخير لما تبقى في داخلي من أمل
كأنها حين طلبت مني الرحيل لم تطلب الابتعاد فقط بل أخذت معها شيئا مني ومضت
حين لا يعد للحليم إيمانا بالصبر
في تلك اللحظة صرخت في وجهك لأول مرة
ونسيت أنني كنت قد وعدت نفسي ألا يرتفع صوتي أمام امرأة تحمل كل هذا القدر من السكينة لكن كلماتك كانت أقسى من احتمالي فسألتك والدم يغلي في عروقي
لماذا إذا التقينا يا يولا
أيعقل أن الأقدار كانت ساخرة إلى هذا الحد
أن تجمعنا بعد عشرين عاما من الانتظار وبعد أن احترقت أعمارنا في أزقة الحنين ثم تأتين الآن بكل هذه البرودة لتحاولي قتلي للمرة الثانيه
ألم تكفك رصاصة الوداع الأولى في عام ٢٠٠٣
هل جئت لتتأكدي أن قلبي ما زال ينبض فقط لكي تزيحي ما تبقى منه عن وجه الحياة
إن القتل بالكلمات يا يولا أشد فتكا من الرصاص فكيف استطعت أن تحولي حلم العمر إلى كابوس نودع فيه أنفسنا قبل أن نلتقي
وقفة على أطلال المستحيل
أخبريني يا يولا ماذا تنتظرين مني الآن هل جئت لتنتزعي مني مباركة على ذبحي
أم أنك تطلبين موافقتي الرسمية على موتي بين يديك للمرة الثانيه
أيعقل أنك تظنين أن في قلبي متسعا لعشرين عاما أخرى من الانتظار
لقد استهلكت في غيابك الأول كل رصيدي من الصبر وأحرقت خلفك كل سفن العودة حتى صرت أرى وجهك في عتمة السنين كأنه المنتهى
واليوم حين يجمعنا الزمن على حافة الوداع من جديد تسألينني أن أعود للتيه
انظري إلى تجاعيد روحي قبل ملامحي وهل تبقى من العمر ما ينتظر من جديد
لقد مر قطار العمر سريعا ولم يترك لي سوى بقايا رجل يحاول أن يجمع ما تبقى من شتاته
فالانتظار في العشرين كان حلما أما الآن فهو انتحار بطيء
قسوة الياسمين
نعم يا يولا
لقد كنت أعلم منذ اللحظة الأولى التي تعثرت فيها عيناي بوجهك أنك لن تمري في حياتي كامرأة عابرة
كنت أدرك أن حكايتي معك قدر محتوم وأن نهايتها لن تكون أقل موتا من ذلك الانتظار الطويل الذي نهش من عمري عشرين عاما
لقد كنت مستعدا لكل أنواع الوجع
لكنني رغم كل شيء لم أكن أعلم أنك تملكين كل هذا القدر من القسوه
لم أتخيل أن اليد التي علمتني كيف أتنفس الحب هي نفسها التي ستخنق أنفاسي في لحظة اللقاء
يا لياسمين الشام كيف تحول في كفك إلى أشواك
وكيف صرت من حلم نناجيه في غسق الليل إلى سيف يغرس نصله في قلب رجل لم يكن ذنبه سوى أنه صدق أن العمر قد يمنحه فرصة ثانية للحياه
هذيان الوجع الأخير
حسنا يا يولا
إذا كان هذا هو حكمك النهائي وإذا كنت تصرين على وأد الحلم قبل أن يولد فليكن لك ما أردت
هل تريدين حقا أن أذهب لأبحث عن امرأة أخرى تشاركني قهوتي الصباحية وتملأ الفراغ الذي تركه غيابك
هل يرضيك أن أمنح امرأة أخرى ذلك الحضن الذي ادخرته لك وحدك طوال عشرين عاما
هل تريدين مني أن أزيح طيفك عن وسادتي لأستبدله بوجه لا أعرفه وأوهم نفسي أنني أعيش
إن كنت تظنين أنك بذلك تريحين ضميرك فأنت واهمة
لأنك تطلبين مني أن أرتكب جريمة بحق قلبي وبحق تلك المرأة التي ستكون مجرد ظل لك
رصاص الوداع الأخير
صمتت يولا قليلا وكأنها تجمع في صدرها كل مرارات السنين
ثم فجأة أمطرتني بوابل من الكلمات التي لا ترحم
اذهب بعيدا
ابتعد عني
اذهب ومت
ليتك تموت يا عدنان
كانت تلك الكلمات أقسى ما يمكن لقلب أن يتحمله
أهذا هو الدعاء الأخير الذي أسمعه من الشفاه التي قضيت عمري أحلم بتقبيلها
لقد قتلتني كلماتها قبل أن أموت فعليا
فالموت الجسدي رحمة أمام موت القيمة في عين من تحب
أدركت حينها أن يولا لم تكن تطلب رحيلي فقط بل كانت تحاول اقتلاع جذور ذكراي من خيالها حتى لو كان الثمن أن تتمنى لي الفناء
تساؤل الطفل المذبوح
أمسكت بالقلم واليد ترتعش من الخيبة وسألتك في رسالة بللتها الدموع قبل الحبر
أخبريني يا يولا
كيف للأم أن تدعو على طفلها بالموت
أما كنت أنت من جعلت من صدرك وطنا لي
أما كنت تنادينني طفلك الذي لا يكبر إلا في عينيك
كيف استطاع قلبك الذي احتضن جنوني وضياعي عشرين عاما أن ينطق بفنائي
إن دعاء الأم مستجاب فهل ترضين أن يستجاب دعاؤك في
لقد كنت أظن أنني مهما ابتعدت سأظل ذلك الطفل الذي يعود إلى دفء اسمك ليجد الأمان
فإذا بي أجد نفسي يتيما للمرة الثانية وعلى يد من وهبتها روحي وصية على عمري
النهاية حين يندم الحب على نفسه
لم تلتفت يولا خلفها
بل رمت كلماتها الأخيرة كأنها تريد أن تقطع كل طريق يؤدي إلي
اذهب ولا تعد
ليتني لم ألتق بك يوما
وليتني لم أعرف إلى هواك سبيلا
كانت تلك الكلمات هي الرصاصة التي لم تقتل الجسد بل قتلت الذاكره
أن يتمنى المحب لو أن اللقاء لم يكن يعني أن الوجع قد فاق الحب وأن الندم أكل خضرة الذكريات كلها
غادرت يولا
ولم تترك خلفها سوى فراغ موحش ورجل يقف في منتصف الشام يحدق في حلم تحول إلى لعنة تتمنى صاحبته لو تمحى من سجل الوجود
مضت وكأن عشرين عاما من الانتظار لم تكن سوى وهم
وكأن كل قصائد العشق التي كتبت في عينيها لم تكن سوى حبر يحترق الآن في موقد الخيبه
بقلم
عدنان عضيبات
رواية يولا ٢٠٠٣
Powered by Froala Editor
