حين يصبح الصدق خسارة
في مرحلةٍ ما من حياتي… لم أكن أتخيل أن الندم قد يكون شعورًا بهذا الثقل.
ليس ندمًا على حبٍ عشته، ولا على لحظاتٍ صدّقتها…
بل ندمًا على كلماتٍ خرجت منّي بصدقٍ كامل،
ووصلت إلى شخصٍ لم يكن يملك القدرة على فهمها.
كنت أظن أن الصدق يكفي،
أن العتاب دليل حب،
وأن من نُعطيه هذا الجزء العميق منّا… سيحمله بحذرٍ يشبهنا.
لكني كنت مخطئة.
لم يكن العتاب بيني وبينه مجرد كلمات عابرة،
كنتُ أتكلم من مكانٍ هشّ، من مكانٍ آمن ظننته موجودًا فيه،
كنت أضع قلبي أمامه دون أن أقول ذلك صراحة،
وأنتظر… أن يفهم.
لكنه لم يفعل.
ليس لأنه لا يسمع،
بل لأنه لا يشعر بهذا العمق أصلًا.
هناك أشخاص يمرّون على الحب كأنه شيء خفيف،
كأنه تجربة عابرة،
بينما نكون نحن… نغرق فيه بكل ما نملك.
والمؤلم؟
أنك لا تكتشف هذا الفرق إلا بعد أن تكون قد أعطيت كل شيء.
أنا لا أندم لأنني تكلمت،
بل لأنني تكلمت مع الشخص الخطأ.
لا أندم لأنني كنت صادقة،
بل لأن صدقي وُضع في مكانٍ لا يقدّره.
كنت أستطيع أن أصمت،
أن أختصر كل شيء برحيلٍ هادئ،
أن أحافظ على كرامتي دون أن أشرح، دون أن أعاتب…
لكن هذا لم يكن أنا.
أنا التي تحب بوضوح،
وتتكلم بصدق،
وتؤمن أن المشاعر يجب أن تُقال… لا أن تُخفى.
واليوم…
أجلس أراجع كل شيء،
كل كلمة، كل موقف، كل لحظة ضعف،
وأتساءل:
هل كان يجب أن أصمت؟
لكن الحقيقة التي لا أستطيع الهروب منها…
أنني لو عدت لنقطة البداية،
سأكون كما كنت.
سأقول نفس الكلمات،
بنفس الصدق،
لأن هذا أنا…
ولأنني لا أعرف كيف أكون أقلّ شعورًا.
الفرق الوحيد؟
أنني الآن فهمت.
فهمت أن ليس كل من يسمعك… يفهمك،
وأن ليس كل من اقترب منك… يستحق هذا القرب،
وأن العطاء بلا وعي… يتحول إلى خسارة صامتة.
أشتاق لنفسي القديمة أحيانًا،
تلك التي لم تكن تحسب كلماتها،
ولا تخاف من مشاعرها،
ولا تراجع نفسها بعد كل موقف.
أما الآن…
فأنا أزن كل شيء،
أفكر قبل أن أشعر،
وأخاف من صدقي… كأنه نقطة ضعفي.
وهذا التغير… لم يكن خيارًا،
بل نتيجة.
نتيجة خذلانٍ لم يكن صاخبًا،
بل هادئًا لدرجة أنه سكن داخلي بدل أن ينتهي.
ومع ذلك…
لا أستطيع أن أكره التجربة،
لأنها، رغم ألمها، عرّتني أمام نفسي،
وأظهرت لي كم كنت نقيّة،
وكم كنت أُعطي دون حساب.
واليوم…
لا أبحث عن أن أعود كما كنت،
لأنني لن أعود.
سأتعافى… نعم،
لكن ليس بنفس القلب،
ولا بنفس الاندفاع،
ولا بنفس البراءة.
سأتعافى وأنا أحمل داخلي صمتًا جديدًا،
ونضجًا لم أطلبه،
وحزنًا لم يعد يبكي…
بل استقرّ في مكانٍ عميق داخلي.
وربما هذا هو الدرس الأصعب:
أن بعض الألم لا يختفي…
بل يتحول إلى جزءٍ منك.
لكنني، رغم كل شيء…
ما زلت أنا.
وما زلت أؤمن…
أن صدقي لم يكن خطأ،
بل كان فقط… في المكان الخطأ. 💔🕯️
