بقلم: على طه النوباني

قبل عامين أو ثلاثة؛ تم التقاط مئات الصور لعدد كبير من مسؤولي البلد وشخصياتها السياسية والدينية والفنية والأدبية والرياضية، وتم طباعة الصور مكتوبا عليها عبارة " اوعدينا تفحصي". وقد قصدوا بذلك تشجيع النساء على الفحص الدوري للكشف المبكر عن سرطان الثدي.

بقيت الصور معلقة في الشوارع وعلى الجسور والأنفاق ومحلات الملابس والحلويات والخضار والحدائق العامة أعواما عديدة في حملة إعلامية توحي بأن الدولة وزعت أجهزة الماموجرام على جميع المراكز الصحية والعيادات وحتى محلات السوبرماركت والأجهزة الكهربائية.

الواقع مختلف تماما.

تزور المرأة المركز الصحي، فيكتب لها تحويلا إلى المستشفى، وعند ذهابها للمستشفى تقف في طابور طويل لكي يكتب لها طبيب الجراحة ورقة التصوير بالماموجرام، وعندما تذهب إلى الشخص المعني في مستشفى جرش الحكومي تجد أن جهاز التصوير بالماموجرام معطل منذ فترة، فيطلبون رقم هاتفها على أن يبلغوها عند تصليح الجهاز.

المفاجأة أن الفحص ليس مجانيا لمن لا يملكون تأمينا صحيا، فقد تدفع السيدة بين كشفية الطبيب العام في المركز الصحي، وكشفية طبيب الاختصاص في المستشفى، ورسوم التصوير بجهاز الماموجرام المعطل مبلغا ربما يتجاوز الخمسة عشر دينارا، ناهيك عن تكاليف التنقل.

اوعيدينا تفحصي....

هل كانت تعرف الجهة المانحة التي موَّلت حملة " اوعدينا تفحصي"، والتي كلفت ربما مئات الأولوف من الدنانير – هل كانت تعرف أن محافظة جرش التي يسكنها ما يزيد على ربع مليون مواطن ليس فيها غير جهاز ماموجرام واحد عطلان، وأن جميع المعنيين يقومون بالتحويل إليه، ولا يعرفون أنه عطلان؟!

هل كانت تعرف الجهة المانحة التي موَّلت حملة " اوعدينا تفحصي" أنّ الحالات التي تستدعي فحوصات سرطان الثدي تخضع لتصنيف التأمين الصحي الاعتباطي الذي يكبد فئات ضعيفة ماليا نفقات فوق قدرتهم لمجرد الفحص؟

وإنني أتوجه بالسؤال إلى الحكومة وإلى وزير الصحة:

 كيف تقوم المرأة بالفحص والجهاز عطلان؟!

ألم يكن الأولى من نشر ذلك العدد الكبير من الصور التي بدا بعضها هزليا غريبا أن يتم توفير أجهزة الفحص المناسبة والتي تغطي حاجة الوعد المطلوب: " اوعيدينا....)، وأن تتم التوعية على وسائل التواصل الاجتماعي بكلفة أقل وفعالية أكبر، ودون أن نصل إلى مفارقة سوداء كهذه حيث تذهب النساء للفحص ويجدن جهازا معطلا.

أيتها الحكومة:

 اوعدونا ترحمونا من هذه المفارقات العجيبة التي تعتبر سببا أساسيا في سرطان الثدي والمخ والرئتين والحنجرة وانفصام الشخصية والجنون السيكوباتي وكل الأمراض التي خلقها الله.