رسالة
الضوضاء اليومية تخترق ستار النوم، همسات العصافير التى تذكرت فجأة أن شباك غرفة نومه مكانًا مثاليًا لمناقشة مشاكلها الحياتية!.. تنهد بعمق وهو يحاول على الضوء الخافت القادم من الشارع أن يتلمس موضع هاتفه الذى لا يذكر أين وضعه بالأمس، يقلب يده يمنة ويسرة حتى اصطدمت أخيرًا بالجسم الصلب .. الشاشة الباردة التى تعده أن يظل على اتصال بالعالم.. بوابة الأسرار وكهف المفاجآت ..فتح هاتفه وجرى بلهفة نحو البريد الإليكترونى الذى يربطه بها ، فتحه بشغف عساه يجد منها رسالة تطفئ ظمأ شوقه إليها.. انتظر للحظات ريثما يفتح التطبيق ولكن الأمر طال.. شعر بالملل فترك الهاتف رغمًا عنه ونهض يترنح حتى وصل إلى باب ثلاجته الصغيرة ..تناول بيده زجاجة تكاثفت القطرات على سطحها فأعطتها مظهرًا مغريًا بالشرب ،فتحها وجرع ربعها دفعة واحدة ثم عاد وقد انعشه الماء فأيقظ حواسه ..عاد يفتح تليفونه فوجد البريد الالكترونى استجاب أخيرًا لالتماسه بعد طول عناء.. ليس هذا فحسب ولكنه يخبئ له مفاجأة أيضا العلامة الزرقاء الحبيبة ..دليل الخير القادم من وراء البحار.. علامة السعادة التى تدل على رسالة جديدة لم تقرأ.. رسالة منها ..فتح الرسالة متلهفًا ولكنها لم تفتح ! حاول مرة وثانية ومرات بلا فائدة.. أغلق هاتفه وفتحه عدة مرات بلا جدوى، أغلق الراوتر ثم فتحه بلا أمل ..كاد يمسك بالتليفون فيحطمه فوق الأرضية الصلبة لولا أنه يعرف أهمية الرسالة التى يحويها ،والتفت نحو جهاز الكمبيوتر وقد هداه تفكيره أن يفتح بريده الالكترونى على الكمبيوتر مستغنيًا عن التليفون اللعين .. داعب زر التشغيل بيده فاستيقظت الشاشة السوداء بلون أزرق مرحب يعده بالمعرفة .. لحظات ويفتح الكمبيوتر عالمه الشيق، ولكن اللحظات طالت وامتدت لدقائق والدائرة فى منتصف الشاشة مازالت على هيئتها إلى أن فاض به الكيل فضغط زر التشغيل مرة أخرى بعصبية لتعود الشاشة السوداء.. تنهد بعمق مداعبًا زر التشغيل بلطف وكأنه يعتذر له إلا أن الكمبيوتر رفض اعتذاره ..وانطلقت عدادات الأرقام السريعة على شاشة زرقاء تعلن بكل وضوح عن سقوط النظام (نظام التشغيل)!
اللعنة على هذا الحظ السئ.. عاد لتليفونه ثانية محاولًا كسب وده لعله يستجيب ،ولكنه سمع النغمة التى يكرهها والتى تعلن عن نفاد طاقة البطارية عن آخرها تمهيدًا للإغلاق ..كل أجهزته تتآمر عليه ..لماذا نسي أن يشحن هاتفه؟ أى غباء ! .. بحث حوله عن الشاحن فلم يجده فكر قليلًا لابد أنه نسيه فى مكان ما كعادته، و خرج من الغرفة إلى التى تجاورها ثم قلب كل أركان البيت دون أن يجد الشاحن، حتى أدركه اليأس أن يقرأ رسالتها ..وبينما يبحث عن شاحن التليفون ويفتش تحت المنضدة وكراسيها وجده ممدًا على الأرض يخبئ نصفه تحت سجادة الصالة.. سحبه برفق حتى لاينقطع وأوصله بالكهرباء ثم أوصله بتليفونه آملا فى عودة البطارية للحياة ..وقبل أن تضئ الشاشة ويجرى المؤشر الأخضر لأعلى انقطع التيار ! ..كاد يضرب رأسه فى الحائط غضبًا من كل هذا( النحس ) الذى يلازمه، تنهد بلا أمل ثم خرج للشرفة يتطلع إلى الشارع الذى استيقظ للتو، أين سيجد من يصلح الكمبيوتر الآن؟ كل محال صيانة الأجهزة مغلقة، ولكن.. ربما وجد أحد مقاهى الإنترنت ممن يسهرون الليل كله مازال مفتوحًا، انتعش قليلًا بنسمات الأمل ، وهكذا لبس ماوجده أمامه ونثر على وجهه رشتين من الماء ثم ضرب الفرشاة فى شعره و وضع تليفونه فى جيبه وحافظة النقود فى جيبه الخلفى وهبط السلم فى خمسة قفزات سريعة ليجد نفسه بعدها يصافح الشارع ، يمم يمينًا فيسارًا حتى خرج للشارع العمومى.. لمح مقهى الإنترنت مغلقًا أبوابه فاستمر بالمشى.. لمح واحدًا آخر يستعد للإغلاق فأسرع خطاه لعله يلحق به ..خطوة فخطوتين ..كاد يعدو فى الشارع حتى تدركه والساتر الحديدى لم يعانق الأرض بعد
حكى له حكاية ملفقة عن بريد إليكترونى هام ينتظره من أخته المريضة التى ...الخ وهكذا أقنع صاحب المقهى أن يمهله خمس دقائق.. خمس دقائق فقط ليفتح بريده و يقرأ الرسالة ويرحل.. تنهد الرجل بضيق ثم قال له بلهجة ملول:
-تفضل يا أستاذ.. سأذهب للمحل المجاور لأشترى علبة سجائر وأرجو ألا تتأخر
كاد يقبله فرحًا وهو يجلس على أقرب الكراسي له أمام أول جهاز صادفه ويضغط زر التشغيل وينتظر ..ولكن لم يحدث شئ!.. ترى أين الخطأ؟ تلفت حوله فوجد مفتاح الكهرباء فى وضع التشغيل ماذا إذن؟.. وفجأة انتبه ..تذكر أن مقهى الإنترنت فى نفس صف البناية التى يقيم فيها، أى أن الكهرباء مقطوعة هنا كذلك !
نهض مسرعًا عابرًا الطريق.. غير مبال بصياح صاحب المقهى وهو يناديه متعجبًا من انصرافه بهذه الطريقة، التزم هذه المرة بالناحية المقابلة عساه يهرب من مشكلة انقطاع التيار..عساه يهرب من لعنة الحظ السئ الذى يطارده.. وطال به المسير.. وبدأت حرارة الشمس فى التوهج، ورائحة (الطعمية) تضرب أنفه الذى يعذب بطنًا لم تتذوق شيئًا منذ عصر الأمس ولكنه سيحتمل من أجلها.. من أجل ريم
ما أجمل اسمها ! له مذاق الشيكولاتة ..وهو يعشق الشيكولاتة .. لم يعرف تامر فى سنوات الجامعة الثلاث الماضية فتاة غير ريم ولم ير فى حياته فتاة فى جمالها وذكائها ورقتها .. نشأت بينهما علاقة بسيطة على الإنترنت من خلال تعليق بسيط على منشور يخص أحد الشخصيات العامة، ومن هنا بدأ التعارف.. أخبرته أنها لا تستعمل الفيس بوك كثيرًا وأنها تفضل البريد الاليكترونى ، فتبادلا (الإيميل) وبدأت المحاورات بينهما تتشعب وتنمو.. عرف عنها أنها ريم الحسينى الطالبة بكلية التجارة بأحد جامعات الولايات المتحدة حيث تعيش مع أسرتها هناك ، سافرت لأمريكا منذ عامين لذلك فهى تتابع الأخبار فى مصر وتتابع صديقاتها وأصدقائها بصفة مستمرة ..كانت ريم قمحية اللون عسلية العينين كستنائية الشعر تهتم بالصحافة والإعلام والفن،كم تحدثا سويًا وكم ملأت ساعاته بالبهجة والسعادة، وآنست لياليه الموحشة بدفء حديثها الذى يحتضن وحدته.. رقيقة المشاعر حالمة خيالية.. تداعب بهمساتها الحانية خواطره اليائسة برفق فتتفتح معها زهرات الأمل...
أيقظه من شروده صوت حاد دوى فى أذنه لصرير إطارات سيارة وقفت فى نصف الشارع فجأة ، تلفت حوله باحثًا بعينيه عن (سايبر) مازال مفتوحًا فلم يجد ..قرر ألا يستسلم وهو يعبر الطريق شاحذًا كل انتباهه حتى وصل الناحية المقابلة.. وتوغل فى طريق آخر فرعى ومازال يبحث حتى استطاع الشرود أن يختلس يقظته مرة أخرى
تذكر أول مرة يحدثها فيها على فيس بوك .. وحين أرسلت له إيميلها ،كم شعر بالسعادة لأنه سيجد من يؤنس وحدته ، فالمعروف عن تامر عبدالسلام أنه بلا أصدقاء ..طالب بكلية الفنون الجميلة.. لا تكاد تراه .. فهو قصير القامة أسمر اللون تجد فى عينيه السوداوين الواسعتين شجنًا غريبًا يجعلك تشعر نحوه بالألفة والعطف ..تريد أن تربت على ظهره، فنان يحب الرسم لذا قرر أن يهب حياته من أجله.. يسكن فى شقة فى بمفرده أثناء فترة الدراسة يقضى أيامه بها تتخللها أحيانًا زيارات لأهله بالإسماعيلية ، لم يكن له أصدقاء وإنما كانت أيامه مع الورق والقلم الرصاص والفرشاة والألوان إلى أن أشرقت ريم فى ظلام لياليه، توطدت علاقته بها وأرسلت له على الايميل صورًا لها ..كانت متعته الوحيدة بعد الرسم هى التنزه فى حديقة ذكرياتها ومشاهدة صورها، وبدأ يحاول أن يرسم صورها على غرار ما أرسلته ثم يرسله لها ..فكانت تحب ذلك منه ويسعدها ويسعد هو لسعادتها، حكت له كل شئ عنها وعن عائلتها وأصدقائها ..عرفهم جميعًا دون أن يراهم، وحكى لها كل شئ عن عائلته ولم يحك عن أصدقائه لأنه بلا أصدقاء..
أمس الأول أخبرته أنها سعيدة معه وأنها تحب أحاديثه الشيقة فأجابها أنه أسعد أهل الأرض إذ يسمع ذلك منها ، ومن ساعتها وهو يقلب فى الإيميل منتظرًا رسالتها على أحر من الجمر ..هل ستخبره أنها قادمة إلى مصر ويجود الزمان برؤياها؟ ياله من حلم!
أم تراها ستخبره أنها معجبة به؟.. لابد أنها لاحظت أنه لايستطيع أن يخبرها بإعجابه.. ولكنها عرفت.. أحست بمشاعره من حديثه معها.. أحست حبه دون أن يتكلم.. ترى أى مفاجأة تجهز له؟
العجيب أنها لم ترد من ساعتها رغم أنه أرسل لها عشرات الرسائل
أفاق من شروده على صوت حافلة عبرت بجانبه وكاد لفح هوائها يطيح به من فوق الرصيف، فالتفت يسارًا و....أخيرًا وجد مايبحث عنه.. مقهى إنترنت مفتوح.. وبه كهرباء.. يالمحاسن الصدف!.. اخترق الباب بلهفة تعجب لها صاحب المكان وجميع رواده ولكنه لم يبالى بل سأله بلهفة عن جهاز شاغر ليرد الرجل
- للأسف يا أستاذ كل الأجهزة مشغولة
حاول أن يفهمه أن الأمر عاجل حاول أن يتوسل:
-أرجوك أنا لا أريد أكثر من خمس دقائق لأمر بالغ الأهمية
إلا أنه فوجئ به يرد بغلظة:
هل تريد منى أن أطرد أحد الموجودين لأجلسك مكانه ..شئ غريب!
كاد يرحل يائسًا بائسًا لولا أن سمع صوتًا صغيرًا رقيقًا يهمس:
-"اتفضل على جهازى ياعمُّو"
التفت للطفل الجميل ممتنا ثم بسرعة البرق فتح حسابه وانتظر ليتم التحميل، انتظر تمهيدًا لقراءة الرسالة المنتظرة.. الرسالة الحبيبة .. الرسالة التى جعلته يجوب الشوارع ليقرأها ولما فتحها وجد كلمتين :
- أشعر بالملل!
دارت به الدنيا وهو يحدق فى الشاشة البيضاء إلى أن سمع همسة صغيرة بجواره فالتفت يحدق فى ملامح الطفل بذهول مندهش وهو يسأله:
"خلَّصت ياعمو"
