طاووس بلاريش
في يوم لا يختلف كثيرًا عن باقى أيام الأسبوع.. ورقة سقطت من النتيجة وجاء غيرها.. استيقظ صباحًا بكسل سائم ..نظر إلى سقف الغرفة الضيقة بخواء ..رنات الهاتف تنطلق في نغم متصاعد يزعجه أيما إزعاج، إنه يذكره بأنه يجب أن ينهض.. يجب أن يرتدى ملابسه ..يجب أن يعمل.. يجب أن يعيش .. مازالت دقات المنبه تتعالى تزعج حتى أحلامه .. هرب من الحلم واستيقظ فضغط زر الهاتف ليتوقف الصوت المثير للأعصاب مثل طفل صغير أطعمته قطعة حلوى..
ينهض متثاقلًا ويرتدى ثيابه بغير عجل.. يغتسل بلا عناية ..يمشط الشعيرات المتناثرة حول رأسه بلا اهتمام.. يلقى نظرة لامبالية على ملامحه الدقيقة ..على وجهه الأسمر وشعره الفاحم السواد وعينيه الواسعتين.. ملامح هندية وسيمة.. يغلق باب المنزل بإهمال ثم يزحف على السلم بطيئًا بلا اكتراث, ولم يتناول شيئًا كعادته في الصباح فهو يفضل أن يتناول إفطاره في العمل.. إن هى إلا بعض شطائر الطعمية والفول مع بعض الفلفل الحار - كم يعشقه - ثم كوب من الحبر الأسود يضمن له أن يسكت صوت المعدة حتى العصر، كان أحمد سليم شابًا عزبًا يعيش بمفرده ..لم يتزوج ولم يفكر فى الزواج.. يرى أن الأنثى - أي أنثى - لا تستحق مجرد النظر إليها ..لذا فهو يأبى الانزلاق بالتفكير - ولو حلمًا -في هذا الأمر .. معظم من عرفهن عاملات وهو لا يطيق المرأة العاملة، و أعلن رأيه ثابتًا كالجبل الشامخ .. لن يرتبط أبدًا ولو فرض وحدث هذا الزواج فلن تكون عاملة على الإطلاق.
يرى أن المرأة العاملة تعطى لعملها أضعاف ما تعطى لزوجها من اهتمام ورعاية وحنان وحب، وهو يريد أن يستأثر بكل ذلك ويستمتع به وحده على مهل .. ويرى كذلك أن الفتاة التي تفكر - مجرد تفكير- في العمل هى على أتم استعداد أن تبيع أي شيء مقابل عملها اللعين ..حتى زوجها، وجد نفسه على ناصية الطريق الضيق بين عمارته حيث يسكن وبين حارة مجاورة طالما لعب بها صغيرًا وجلس على مقهاها شابًا يتبادل السجائر مع أصدقائه ويتراهنون على الجنيهات القليلة التي ادخروها من المصروف على بعض أكواب الشاي أو الحلبة، وكان موضوع الرهان دائمًا هو عشرة (طاولة) أو دور (دومينة) كم عشق أنفاس دخان السجائر - الشيشة أحيانًا- وكم أحب مذاق الشاي، وكم طرب لصوت ضربات أحجار الدومينو حين يضربها بعنف بطريقة توحى بالتمكن والاحتراف, ذلك يعنى أنه انتصر وأنه لن يدفع ثمن (المشاريب).. كذلك يضمن أنه سيدخر تلك الجنيهات القليلة ليوم آخر ومتعة أخرى، ألقى نظرة يعتصرها الحنين لذاك المقهى فوجده خاويًا كعادته في مثل ذلك الوقت من النهار، ولكنه شعر أنه بعد أن انفض عنه الأصدقاء تحول لصحراء مقفرة، بادية مهجورة بلا أنيس.. كأن الذكريات كانت أشجارًا نبتت هنا ثم أذبلها النسيان ..لا يذكر بالتحديد متى انفرط عقد الشلة فقد كانوا نادرًا ما يفترقون، ولكن يعتقد أنه بعد وفاة والدته وبعد أن أصبح يتيم الأبوين زهد الحياة بأسرها، لا يريد أن يرى أحدًا أو يراه أحد .. في الواقع كان هو الذى تركهم لا هم من تركوه ، مازال الطريق يتقاذفه وكذلك أمواج الذكريات ..هناء ذات العشرين ربيعًا ..في مثل سنه كانت .. توأما لروحه.. عيناها العسليتان وشعرها الذهبى ووجهها الأبيض الجميل ملامح حفرت في ذاكرته للأبد، وكم جمعت بينهما لحظات بريئة في حب من نوع نادر .. طفولة مغموسة في اللهو وشباب ممتزج بالعاطفة ..ابنة الجيران الصغيرة التي فتحت جفنيه وأرته الدنيا في عينيها الصغيرتين ولم ير أنثى غيرها، كانت هناء سعيدة معه ولكنها كانت دائمًا ما تلح عليه أن يبحث عن عمل.. أى عمل ..وكان يرفض ويزداد إلحاحها فيزيد رفضه ..ألمحت له مرارًا أنها لا تحب الرجل الذى يعتمد على شريكة حياته وأنه لكى يكون جديرًا بها فلا بد له من عمل يتكسب منه ويحقق ذاته.. لكى يستطيع أن يتقدم لطلب يدها للزواج لابد أن يكون جديرًا بها ..لم يهتم لتوسلاتها ..لم يعتن بدموعها ..حتى عندما أخبرته أنها تقدمت لوظيفة وتنتظر الالتحاق بها قريبًا, يتذكر عباراتها التي كانت تتوسل بها إليه ولم يبالى:
" أحمد لابد أن تفعل شيئًا "
لم يشأ أن يعترف لنفسه بصدق حديثها وقوة منطقها، بل ألقى في وجهها قذائفه الملتهبة واتهمها بالخيانة وتركها وانصرف!
بضع أسابيع مرت لم يرها أو يتصل بها مطلقا ..كان ينتظر منها أن تحاول الاتصال به..سيطرت عليه كبرياؤه والعزة بالاثم
" إنها لابد عائدة فهى لن تطيق الابتعاد عنى !"..
وزلزله الخبر الصادم ..لقد التحقت بالوظيفة التي حدثته عنها.. ولكن ما هدم صرح غروره حقا أنها خطبت لشاب تعرفته في عملها الجديد ثم انتقلت مع أسرتها للسكنى بالقاهرة ..إذن فقد فعلتها والتحقت بالعمل.. ثم خطبت وتريد أن تتزوج ! كيف فعلت ذلك؟ كيف تتركه يلوك مرارة الفشل واليأس؟ كيف تجرؤ ؟ غرق في بحار الحزن وذكريات خيانتها.. استنشق دفعات من هواء الصبح يطفئ به جوفه الملتهب .. ياللوعة الذكريات الحبيبة ..جر قدميه نحو موقف السيارات المتجه من بنها إلى القاهرة حيث يعمل واستقل إحدها، تجلس بجواره أنثى فاتنة لم يلق لها بالًا وهو يقلب كتاب ذكرياته.. نظر من النافذة وشرد من جديد..
تركته هناء حزينًا وتركه أصدقاؤه بعد أن ملهم وملوا ملله منهم .. بل رفض أن يلقاهم أكثر من مرة رغم إلحاحهم، التحق معظمهم بوظائف - يراها هو- دون مستواه ولا تليق به، وسافر آخرون إلى الخارج، وبقى وحده ..عنكبوتًا كئيبًا متفردًا في بيت مهجور أضنته الوحدة، ولم تكفه حفنة الجنيهات التي تبقت من مدخرات أبيه القليلة جدًا، فاتخذ قراره المصيرى بالبحث عن عمل لعله يقتل وحدته ويتخلص من ذكرياته الحزينة، أو يهرب من شبح الفشل الذى يلاحقه في أركان البيت ثم يطارده في الشارع حين يقرر - أحيانًا - أن ينزل للشارع كى يتنسم هواء الليل أو يجلس على المقهى يراقب المارة ويحتسى شايًا لا يحس له طعما فيتركه حتى يبرد، كان المكان يرفضه وهو يرفض المكان .. كانوا هنا ثم رحلوا فعلام البقاء؟ ويترك المقهى ويسير بلا هدى حتى تلفظه كل الطرقات فيعود كئيبًا ويتقوقع على نفسه منزويًا في حجرته الحقيرة لا ينتظر يومًا جديدًا، حاول مرارًا أن يبدأ من جديد ..حاول أن يكتب شعرًا لكنه لم يكمل؛ فقد كان الشعر إذا تسلط عليه يسحق ماتبقى من حصون صبره ..يدكها … يقطر حزنًا وألمًا، كان كل حرف يكتبه يذكره بما حدث فقرر أن يتوقف.. بل قرر أيضًا أن يثور على كل شيء ويخرج بحثًا عن عمل، خرج يومها لنفس موقف السيارات واستقل سيارة.. ربما تكون نفس السيارة التي يستقلها الآن.. وتوجه لمكتب ذلك المحامي الشهير .. صديق والده ..فكم أخبره أبوه أن (الأستاذ) صديقه الحميم، ولما كان أحمد حاصلًا على ليسانس الحقوق توجه لذلك المحامي، دخل المكتب متوترًا فوجد تلك السكرتيرة الحسناء تبتسم له..توتر كعادته كلما أقبل على شيء مصيري يتعلق بمستقبله.. شيء يتعلق بنظرة الآخرين له وتقييمهم.. سألها باضطراب:
- ممكن أقابل الأستاذ ؟
أجابته وفى عينيها التمعت نظرة لم يعرف معناها :
- لحظة من فضلك؟
وسُمح له بالدخول.. حدثه عن نفسه وعن والده المرحوم فأثنى المحامى الشهير على والده وعرض عليه أن يتدرب في مكتبه - بلا أجر طبعًا - ولكنه تراجع بعدما نظر إلى هيئته الزرية وثيابه المهلهلة فوافق تكرمًا على إعطائه بضع جنيهات كمرتب في آخر الشهر ..تكفى أجرة المواصلات ويدخر منها بالكاد ما يقيم أوده..
" وصلنا يا أستاذ"
قطع بها السائق فيض الذكريات بنبرة حادة لاعنًا الأيام التي جعلته سائقا ليقابل أولئك -الأفندية- الذين لاهم لهم في الحياة إلا العبث مع الفتيات..!
انتبه لأن السيارة متوقفة والركاب غادروها وهو مازال غارقًا فى بحيرة شروده، نزل من السيارة متثاقلًا حتى وصل لمكتب المحامى الشهير حيث يعمل، ألقى تحية الصباح على السكرتيرة ..اسمها دعاء.. دعاء الناحلة الرقيقة سوداء العينين جميلة الملامح بريئتها ..لكم حاولت أن تستميله إليها بلا جدوى، يشعر بمحاولاتها في التقرب إليه والتي تبدو في نظره غاية في السذاجة.. كم عاملته بلطف وكم حادثته بحنان؟ كانت نبضات العاطفة تشع من ثناياها فيزداد بعدًا كلما اقتربت ويحبس بسد الصمت أنهارًا من الكلمات توشك أن تنطلق من فمها فتغرقه، بل أنه أحيانًا يعاملها بجفاء ممزوج بغرور الواثق وقسوة الزاهد، لكنها لم تيأس.. يلاحظ أنها لم تيأس .. وكل ذلك يزيده قوة وفخرًا وسعادة، خاصة كلما ألقى عليها تحية الصباح ولاحظ إشراق وجهها وابتسامتها العذبة .. يعترف لنفسه أن ابتسامتها عذبة، وبرغم هذا يرفض حبها بكل إصرار.. ويطلب منها بكل جفاء أن تعطيه ملفًا لقضية ما أو تكتب مستندًا لأحد العملاء ، أو يتساءل عن ملف قضية لم تكتمل بعد أو حتى يسأل عن الأستاذ ..برغم علمه أنه لا يأتى إلى المكتب إلا بعد ساعتين كاملتين.. يهرب منها كلما حاولت أن تجد إليه سبيلا , ولم يعلم أحمد في حقيقة الأمر لماذا يرفض حبها الواضح بكل هذا الإصرار؟ هل لأنها امرأة عاملة وهو لا يبغض في حياته أحدًا بقدر ما يبغض المرأة العاملة ؟ أم لأنها تذكره بهناء حبه القديم وذكرى فشله وجرحه الذى يأبى الشفاء ويأباه النسيان؟ أم لكلا الأمرين معا؟
وفى كل مرة ينجح ..وتذوب الابتسامة على وجه دعاء لتغرق في العمل, وبينما هما منهمكان أحس بوجود جميل نبهه إليه رنين أخاذ عندما غردت البلابل:
" صباح الخير"
أجمل صباح الخير سمعها في حياته .. سيمفونية رائعة من ألحان الصباح الممزوجة بالندى العطرى، رفع عينيه ورفع وجهه ورفع أذنيه!.. بل رفع جسده كله ..وبلا شعور قام واقفًا وقد انفتح فمه ببلاهة وهو يحدق في ذلك الوجود ..وجود جميل بعبير أخاذ يحمل وجه أنثى جلّ من سواها.. كيف لذلك الوجه الصغير أن يحمل كل هذه الروعة ؟! يحيط به شلال كستنائى يحتضن وجهها في شوق الحبيب إلى الحبيب .. أما العيون العسلية فتأسر العالم كله داخلها ..والعجيب أنه راضٍ بهذا الأسر سعيد به، مرت لحظات خيل إليه فيها أن وجه دعاء تموج في غضب واشتعلت بها نار الغيرة، وأخيرا لما طال الصمت استطاع أن يقنع ساقيه أن تنثنى وجلس على الكرسى.. واستطاع أن يقنع لسانه بالحديث وإن لم يستطع أن يأمر قلبه أن يكف عن الخفقان.. نبرات الصوت المتهدجة تتساءل في لهفة:
- أية خدمة يا آنسة؟
-اسمى مها
يا إله الكون.. أى نغم موسيقى يحمله الاسم وصاحبته تلك القادمة من أساطير اليونان ..حيث يركض هرقل هربًا من الهة الاوليمب!.. مها ..اسم جميل شجى الأثر.. عذب الوقع رقيق النغم.. لعلها أتت في قضية تطلب من مكتب المحاماة أن يترافع فيها، وحمد الله أنه يعمل في هذا المكتب لدى الأستاذ الشهير الذى غطت شهرته القاهرة وتعدتها لبعض المحافظات المجاورة أيضا، لسوف يسعده أن يكلفه الأستاذ بتولى هذه القضية ولسوف يهتم بها كل الاهتمام ..سيهتم بها كما لم يهتم بأي قضية أخرى.. كان أحمد يشعر أنها قضية عمره وسوف يقترب من مها أكثر، ويطلب منها لقاء تلو لقاء لبحث سير القضية التي لم يكن ينوى أن تنتهى أبدًا ! ..وكم يتمنى ألا تنتهى.. سوف يستمتع بالقرب منها ويرشف حديثها وسوف ينهل من ينبوع وجهها الشيق ..
ولكن.. هل ستقبل الزواج منه ؟ ..إنها ستبدو فاتنة في ثوب الزفاف الأبيض.. هل هي من سكان القاهرة ؟ وهل ستقبل أن تسكن معه في حارته الضيقة في بنها أم سيضطر إلى الانتقال للقاهرة من أجلها ؟ إنه مستعد أن يفعل أى شى من أجل هذا الوجه الجميل والصوت العذب وال........
- لقد جئت لأبحث عن عمل !!
سددتها مها خنجرًا لقلب أحلامه الوردية فانهارت الصخور فوق رأسه وتهدم الجبل ..تبحث عن عمل.. إذن فهى تريد أن تكون امرأة عاملة تعطى عملها كل اهتمامها وحنانها وصوتها العذب ..خيل إليه أن غرفة المكتب تضيق به ويخفت نورها، وخيل إليه أنه يلمح الدماء تعود إلى وجه دعاء وعلى ركن شفتيها شبح ابتسامة لا يدرى أهى ابتسامة انتصار أم سخرية أم تشفٍ ؟ كانت دعاء تقول لمها أن المكتب لا يحتاج إلى موظفين جدد في الوقت الراهن.. وليته يحتاج ! ..تركهما تثرثران وعاد يغرق في أفكاره السوداء إلى أن أيقظه صوت دعاء تقول في حنان :
- هل أحضر لك كوبًا من الشاي؟
نظر إليها لحظة في شرود فرددتها للمرة الثانية ولكنه كان قد اتخذ قرارًا خطيرًا وكعادته في اندفاعه المفاجئ باغتها قائلًا :
- دعاء... هل تقبلين بالزواج منى؟
تلوّن وجه دعاء بكل ألوان الطيف ثم أدارت وجهها للناحية الأخرى وهى تقول في خفوت:
- لا طبعًا !
سمع حينها ضحكات متقطعة في الشارع لطفل يلهو مع أصدقائه .
