نظرة خاطئة فى توقيت خاطئ
خرج من منزله كما يفعل كل يوم.. يعدل من وضع قدرة الفول التى اسودَّ جانباها وتبدو مثل كومة غير واضحة المعالم، سد فمها بقطعة من قماش بجانبها فتحة تخرج منها يد المغرفة.. ألقى نظرة على حماره وقال لنفسه مسكين هذا الحمار يتعب كثيرًا ..هو يعلم جيدًا أن مهنته متعبة.. شد عربة الكارو على الحمار وانطلق يحدوه الأمل فى رزق جديد ..الشارع مازال نائمًا لم يستيقظ بعد، اللون الوردى يصبغ الأشياء بطابع مبهم لم يتخلص من غموض الليل ولم تكشفه صراحة النهار، إنه وقت الدجى حيث الموجودات فى أحلى لحظات الحلم لم تستيقظ ولكنها تتأهب لذلك.. أخرج علبة سجائره والتقط واحدة فركها بين أصابعه وأشعلها ثم سحب نفسًا عميقًا نفثه فى الهواء، والحمار يمشى به بخطوات رتيبة اعتادها لأن صاحبه لا يستحثه فتعود على مشيته البطيئة ذات الطابع الواحد المنتظم حتى يكاد يكون له نغم موسيقى ثابت بإيقاع مثل دقات الطبلة ..سرح فى أحلامه البسيطة.. إنه يحلم أن يتزوج ..حلم يبدو بسيطًا ولكنه باهظ الثمن.. يريد أن يتزوج (دلال) جارته التى تسكن فى العشة المجاورة له تمامًا وتعمل فى (تدميس ) الفول مع أبيها ، ينقسم عالم الفول الى قسمين أحدهما هو الذى يقوم بالتدميس فى الفرن ثم يأتى دور التسويق ، الخطوة التى تتم عن طريق الباعة المتجولين (السرِّيحة) ثم يقتسمان الربح فى النهاية , ودلال مثله فى نفس سنه جمعت بينهما مهنة واحدة واهتمامات واحدة وطفولة واحدة ومصير واحد ..ما أروعها وقد انتفش شعرها وصبغه العرق مع عنقها وهى تجلس أمام الفرن ووهج النار ينعكس على وجهها فيزيده نضارة.. كان مفتتنًا بها لذا تحدث مع أبيها بالفعل ولكن أباها اشترط عليه مهرًا كبيرًا فى مقابل أنه لن يكون هناك شقة, سيتزوج فى نفس البيت الذى يعيش فيه مع أهله ..نفس العشة ..سيخصص لهما غرفة، ولكن كيف له أن يدبر هذا المبلغ الفادح؟ إنه يدخر كل ما تقع عليه يده ويضعه فى جمعية تدبرها له أمه ومازال الباقى كثيرًا.. كثير ًا جدًا.. ولكنه لم ييأس، إن إنفاقه معدوم تقريبًا - فيما عدا السجائر - هو تقريبًا لا ينفق شيئًا.. ولكنه سيصبر من أجل دلال .. ولو استلزم الأمر أن يكف عن التدخين سيفعل من أجل أن يجمع مهرها .. يعيش فى بيت من صفيح فى منطقة يغلب عليها هذا الطابع من البيوت الخشبية المصنوعة من الخشب القديم وألواح (الحُبيبي ) أو البيوت التى تمزج بين الحديد والخشب، أو الحديدية المصنوعة من الصفيح وحديد القطارات القديمة (عزبة الصفيح ) ولو أنك تستيقظ كل يوم مبكرًا لرأيت نفس المشهد لهذا الرجل فوق عربة الكارو يمشى بحماره بخطواته المنتظمة الهادئة البطيئة، يعبر الحوارى والأزقة والشوارع وكلما لمح شباكًا مفتوحًا أو بابًا وراءه أحدهم مد يده بجواره يتحسس جرسه النحاسي وهزه هزات متتالية تغنيه عن الصراخ مناديا على بضاعته، حينها تتفتح الأبواب والنوافذ وتطل منها السيدات وتبدأ العملات الورقية والمعدنية في الظهور ..هل رأيته من قبل؟...هل رأيت عربته و حماره الهزيل؟
ألا تعرف اسمه ؟ ..إن اسمه ( شعبان) ..هو قصير نوعًا ما ..فقير مثل الهنود، يرتدى بنطالًا من الجينز اسودَّ لونه منذ سنين طويلة لايعرف عددها ..وفوقه (فانلة) داخلية كانت بيضاء يوما ما، عليها صديرى مفتوح له نفس لون بنطاله الأسود المغبر، أما عن لون شعبان فأنا لا أعرفه .. ولا أعتقد أن أحدًا يعرف لونه يقينًا ..هو نفسه لايعرفه.. فوجهه له نفس اللون المغبر الذى اتخذته ملابسه، وإن كنت استنتجت أنه أسمر فأنت مخطئ.. فارق شاسع بين السمار والغبرة الناتحة عن الاتساخ و(الصماد) المتكوم والدخان.. إنه - والله أعلم - كان قمحيًا ربما بسبب لون عينيه البنيتين.. أما شعره فكتلة مختلطة مبهمة الملامح لا لون لها .. بائع فول متجول يسير يوميًا فى خط سيره الطويل ..تعال معى لنراقبه وهو يتبختر بحماره وعربته إلى داخل هذا الحى الشعبى، مختارًا وقت الصباح الباكر حيث يستعد الناس للإفطار, وينظر للأعلى وقد أشرقت الشمس فأضاءت كل ماحوله فيجد رجلًا فى الطابق الأول يقف فى (البلكونة) يرتدى بيجامة مخططة بالطول خضراء اللون .. وجهه مستدير وله شارب سميك تحت أنف غليظ.. لمح فى يده طرف السيجارة المشتعل فقال فى نفسه: مستيقظ مبكرا؟ ..لا أظن .. لابد أنه واحد من هؤلاء المترفين الذين اعتادوا أن يسهروا طوال الليل ثم يفطرون صباحًا ويذهبون للنوم بعد ذلك، خالى البال ليس له أية مشكلات .. يجد من ينفق عليه أو هو متزوج ولديه زوجة ترتب له حاجياته وتلبى طلباته، ربما يملك ميراثًا ينفق منه أو هو موظف حكومى لديه مرتب محترم ثابت آخر الشهر يكفى احتياجاته.. يستطيع أن يقدم طلب إجازة فى أى وقت ويستمتع بوقته ويسهر الليل كله وهو يعلم أنه لن يذهب للعمل مبكرًا مثلى، وفى نهاية الشهر يصرف مرتبه ..حياة سهلة يجلس على مكتب نهارًا ثم يعود للمنزل لينام ولا يضطر للتجول طوال النهار يحمل قدرة الفول الملتهبة بذراعيه فيكتويان بحرارتها .. لديه حمام نظيف ومياه دائمة لاتنقطع ..يستحم أكثر من مرة فى اليوم الواحد ..ياله من محظوظ !
****
وقف جمال فى البلكونة يدخن سيجارة .. عندما لمح بائع الفول هناك فى الأسفل، لا يعرف اسمه فهم كثيرون ..ولا شكله تحديدًا فجميعهم يتشابهون.. شرد جمال قليلًا وهو يسأل نفسه ما الحل فى تلك الأزمات التى تلاحقه فى حياته ولا يبدو أن لها مخرجا؟
لقد سأم حياته ومشاكلها التى لا تنتهى .. وكلما فكر فى حل لها وجد أنه لايصلح حتى أدركه اليأس .. منذ أن عمل فى مصلحة البريد ومديره فى العمل يضطهده ويطالب بنقله لأن له ابن أخت يريد أن ياتى به بدلًا منه والمصلحة لا تعانى عجزًا فما الحل؟ الحل أن يرحل جمال .. ينقل لفرع آخر ، المشكلة أن الفرع الآخر فى بنى سويف مما يعنى المزيد من المسافة وتذاكر قطار ومواصلات داخلية، ومصاريف أكثر وإرهاق مادى ومعنوى وجسدى .. إنه اعتاد على العمل فى مكتبه هذا ولايريد أن ينتقل منه ..لكن إسماعيل بيه - المدير - مصرٌّ إصرارًا كبيرًا ، وهو يرفض النقل فما كان من المدير المجرم إلا أن دبر مع المحاسب المتواطئ اختلاسًا من عهدته يقدر بخمسين ألف جنيه، ومطلوب منه تسويته قبل آخر الشهر وإلا فالسجن والفضيحة والفصل من الوظيفة ، وإذا ساوى المبلغ فلا أقل من نقله !
أى أنه خاسر فى كل الحالات.. لم يجد وسيلة لتدبير المبلغ إلا بيع أثاث البيت ولم يتبق على تمام المبلغ غير خمسمائة جنيه فقط.. ولكنه لا يملك مايبيعه ..حتى ملابسه غير صالحة للبيع ، زوجته حينما قال لها ذلك ووجدته يبيع أثاث البيت غضبت ورحلت لبيت أبيها وتطلب الطلاق رافضة أن تساعده في محنته وهى تقسم أنه اختلس المبلغ فقط ليتزوج سهام زميلته فى العمل والتى كان يحبها قبل أن يتزوج!.. بالأمس رمى أحد السكان شيئًا ما فى الماسورة فانسدت وانقطعت المياه عن الحمام ولم يتم إصلاحها حتى الآن، يريد أن يغسل وجهه فلا يستطيع .. أراد أن يعد كوبًا من الشاى فوجد أنبوبة الغاز فارغة ولم يستطع شراء أخرى فهو لا يملك مليمًا ..كل المبلغ الذى اقترضه وثمن ما باعه سدده للمصلحة أولًا بأول نظير العهدة المفقودة واستلم بها إيصالات.. حتى صاحب الشقة يريد أن يطرده منها لأنه لم يدفع الإيجار هذا الشهر ..شهر واحد فقط ولكن الرجل لا يريد أن يصبر, كل الظروف ضده ..كل المصائب تهبط متتالية فلايدرى ماذا يفعل ..لا يعرف أحدًا ليقترض منه فكل معارفه اقترض منهم ولم يكتمل المبلغ بعد..بقيت خمسمائة جنيه فماذا يفعل ؟ ضاق به الحال حتى أنه جائع منذ الأمس ولا يملك ثمن الإفطار ......
شعبان مازال واقفًا يدق جرسه ..وإن لاحظ أن الرجل فى البلكونة دخل شقته فقال فى نفسه ربما ذهب لينام أو ...أو أن زوجته نادت عليه.. وتبسم فى خبث للفكرة الأخيرة !
ولكنه فوجئ بعد قليل به متجهًا نحوه فابتسم شعبان بلهفة..
" إنه جاء ليشترى منى فولًا للافطار.. ربما يشترى بخمس جنيهات فهو يبدو بدينًا! .. أذكر فى أحد الأيام أن زبونًا بدينًا مثله اشترى منى بعشرة جنيهات مرةً واحدة ..وكان موظفًا.. فهؤلاء الموظفين الأثرياء يأكلون كثيرًا !"
وتأهب وفرك يديه فرحًا شاكرًا الفتاح العليم الرزاق الكريم، وبعد قليل بادره جمال قائلًا فى لهجة طرب لها شعبان كثيرًا :
- السلام عليكم يا "معلم"
سعد شعبان لأنه ومنذ مولده لم يحدثه أحد بهذا الاحترام أو يناديه بلقب (معلم) التى بدت فى أذنه نغمة موسيقية رائعة الوقع وفى لهفة جشعة غطى على نبراتها الفرح رد التحية :
- وعليكم السلام أمرك يا سعادة البيه
ولم يكن ما قاله جمال كثيرًا:
- ممكن تغرف لى بجنيه فول وتأخذ ثمنه بعد يومين !!
وانطلقت صيحة مجلجة من حمار شعبان الذى لم يستطع أن يقف أكثر من ذلك وأخذ يتمرغ في الأرض.. ويتمرغ …
