الثلاثة يحبونه!
بخار كوب الشاى يتصاعد أمامه فيتأمل للسطح الأحمر المسوَّد برضا .. يحب الشاى .. ويحب اللحظات الممتعة التى يرتشف فيها الشاى فيغسل أعصابه ويعطر فمه برائحته ومذاق حبيبات السكر على لسانه وفى حلقه .. يزداد شعوره بالرضا فتمتد يده ويرتشف رشفة طويلة لها صوت ممطوط يعقبه تزايد مطرد فى شعوره بالاستمتاع فيصدر صوتًا آخر مرتبط بحركة شفتين تلتصقان وتعاودان الانفراج فى ثلاث مرات متعاقبة .. إنها ساعة الظهيرة بعد أن تناول غداءه ثم - وكما جرت العادة - يشرب الشاى فى مكتبته الصغيرة المتكئة على سور الجامعة ، لم تكن مكتبة واسعة أو كبيرة إنما هى أقرب لكشك خشبى طوله وعرضه متران .. بضعة أرفف خشبية تراصت فوقها الكشاكيل والكراسات ودفاتر التحضير للمدرسين، ودفاتر المحاضرات للطلاب .. على رف آخر بضعة روايات للجيب مما يحبه الطلبة ويقبلون عليه.. ربما بضع صحف أيضًا، وهنا وهناك تتناثر علب الأقلام والمساطر والألوان وشرائط اللصق وغيرها من مئات الأدوات المكتبية، وفى الركن آلة تصوير عتيقة الطراز يجاورها آلة تغليف الكارنيهات .. مكتبة نموذجية برغم صغر حجمها تجمع كل ما يحتاجه الطلاب والأساتذة أيضًا .. ويحرص على تزويدها بكل النواقص حفاظًا على مكانته وسط معركة المنافسة الشرسة مع باقى المكتبات المتراصة على سور الجامعة..
فرغ من شايه فغسل الكوب بزجاجة من الماء وجدها هناك، ثم وضعه ووقف يتثاءب ويتمطى وقد خرج من باب مكتبته ناظرًا للشارع الطويل الذى لاتكف الحركة فيه ليلًا ولانهارًا .. الشارع الذى وقفت فيه أعمدة الإنارة كأنها تراقب السائرين واصطفت محال البقالة والمرطبات وصالونات الحلاقة فى نظام جميل، يقطعه بالطول رصيف وزعت به بعض الشجيرات الصغيرة .. لم تكن هذه الساعة ساعة عمل بالنسبة له فغالبًا ما يفد إليه الطلبة من الثامنة صباحًا حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة ظهرًا ثم يختفون ليعاودوا الظهور بعد العصر حيث يبلغ ذروة نشاطه قبل أن يلملم أوراقه فى العاشرة مساءً...
منذ تخرج (حسام ) من كلية التجارة دبر له والده مبلغًا من المال لينشأ هذه المكتبة لتكون مشروعه الخاص , فلم يكن والده ( الحاج عثمان) الذى يملك مقهى ضخمًا يدر عليه دخلًا لا بأس به يريد لابنه حسام أن يربط حياته وعمله بالمقهى وحياة المقاهى، وعلى كل حال فحسام أيضًا لم يحب هذه الحياة..وهكذا أصبح حسام صاحب مشروع يغنيه عن سنوات الضياع فى انتظار الوظيفة , على أن نظرته للشارع لم تكن للتأمل فقط، إنه فى الواقع يتابع حركة أفواج الطلاب الداخلين من باب الجامعة والخارجين منه بغير نظام أو نسبة ثابتة.. فتارة يزيدون وتارة ينقصون، ومرة ينقطع السيل فلا ترى أحدًا.. وأحيانًا يتكدسون على الباب .. ولو ظننت أنه يتسلى بمشاهدة الطلاب فأنت مخطىء.. إنه فى الواقع كان يبحث عنها .. عن رغدة... تذوق الاسم فى فمه فوجد له حلاوة لا تقل عن حلاوة صاحبته.. له مذاق الكارميلا التى يشبه لونها لون عينى رغدة، إن حبه لرغدة – يكاد - يقارب حبه لذاته .. ونظرته لذاته فيها كثير من الافتتان فهو يحب وجهه المستطيل وشعره الأسود الغزير الناعم وعينيه السوداوين .. يحب هذا الوجه الذى يطالعه من المرآة كل يوم ويحب كذلك قامته الطويلة التى تناسبها أى ملابس يشتريها فيشعر بوسامته وأناقته وتزداد ثقته بنفسه .. تسألنى عن رغدة ؟
إنها طالبة فى العام الأول من كلية التجارة ..نفس تخصصه .. تأتى إلى المكتبة مع بعض صديقاتها لشراء كشكول أو قلم أو لتغليف كارنيه فيستغل الفرصة ويتبادل معها بعض العبارات الصغيرة الضاحكة ويتبادلان البسمات الخاطفة وتذهب.. وينتظر على أمل أن يراها فى يوم آخر, وتعددت لقاءاتهما عند المكتبة وخارجها أيضًا.. فى أحد النوادى التى كانا يجلسان فيها بالساعات - بعد أن يغلق مكتبته - ليتبادلا فيها أحاديث طويلة عن الحب والحياة .. عن آمالها وأحلامها ..تسأله رغدة وهو يتأمل عينيها العسليتين بافتتان :
- هل تحبنى؟
فيجيبها بلهجة وضع فيها كل شغفه :
- بالطبع
فتسأله بدلال أنثوى مثير:
- هل عرفت قبلى أحدًا ..هل أحببت أخرى؟
- أقسم أنك الأولى..
وكان يكذب ..فحسام يهوى مصادقة الفتيات كما تهوى أنت قراءة القصص ..يستمتع بخداعهن بفخر مغرور ..
وتعلو وجهها بسمة غارقة فى غلالة من دمع لا يدرى مصدره ..وتستأذن منه لتعود لأنها متعبة و يعرض عليها أن يوصلها فترفض, ويعود لمنزله على أمل لقاء آخر غدًا ولكنه لاحظ أنها لم تظهر منذ الأمس ! .. ولم يكن يعرف رقم تليفونها ولا يعرف صديقاتها فلم يجد مايفعله غير الانتظار والترقب ومراقبة الطلاب المارين فى الشارع دخولًا وخروجًا من الجامعة، وطال الوقت ولم يجد أحدًا فدخل مكتبته وجلس يتسلى بقراءة رواية ما لا يذكر اسمها ولايهتم بأحداثها.. استغرقه التقليب الشارد حتى سمع الصوت الجميل :
- مساء الخير
لم يكن أذان العصر قد انطلق بعد ولكنه جغرافيا (مساء الخير).. إن هذه المتحدثة تتميز بحس جغرافى رائع!.. رفع عينًا متسائلة نحو الفم الذى أصدر هذه الهدية فوجد وجهًا صغيرًا رقيق الملامح وعيون سوداء أبنوسية لامعة وفم كأنما رسمت ابتسامته فوقه وتم تثبيتها حتى لاتفارقه أبدًا.. قصيرة القامة تبدو كطفلة.. أعادت النغمة الموسيقية فى تكرار مطرب :
- مساء الخير
وكأنما رفض الرد - فقط - كى يستمتع بمزيد من النغمات ..وأخيرًا وجد لديه القدرة على التحدث :
- مساء الخير
بابتسامتها الرائعة وتغريدها الأخاذ سألته :
- ممكن كشكول محاضرات مائة ورقة؟
ناولها ما تريد فسألته عن سعره وأعطته إياه وهى تشكره، وكادت تنصرف لولا أن انتفض مذعورًا وهو يكاد يتشبث بملابسها ..
- مهلًا
بعينين حائرتين نظرت له بتساءل :
فسألها بلهفة :
- ما اسمك؟
- ريم
" الله .. ريم ..اسم جميل .. لحن موسيقى صغير المقطع .."
- واسم الكلية ؟
وأجابته :
- أنا طالبة في كلية التجارة
ولما سألها عن فرقتها ردت بتلقائية :
- الفرقة الأولى
ثم سألها بلهفة:
- ستكونين زبونة دائمة أليس كذلك
- بالتأكيد
ورحلت .. ورحلت عيناه خلف خطواتها ولم يجد له قدمين كي يجلس.. بحث عن قلبه فى صدره فلم يجده أيضا! .. وتوالت زيارات ريم للمكتبة وفى كل مرة يتبادلان الأحاديث الضاحكة ويفترقان على أمل لقاء آخر فى الغد .. ولكنه فى هذه المرة كان ذكيًا وتعلم من أخطائه الماضية ، حصل على رقم هاتفها ومن يومها تكلما كثيرًا .. تكلما عن كل شىء وتوطدت علاقتهما وتقابلا فى أماكن كثيرة .. يغلق مكتبته ويذهب إليها ، ولم يعد يذكر عن رغدة شيئًا نسيها تماما ! ..سألته ريم وهى تضع كوب العصير على المائدة الصغيرة :
- هل كانت لك علاقات سابقة؟
فأجابها بالنفى كعادته فعادت تسأله:
- هل تعرف أى بنت غيرى ؟
فقال وهو يسبح في موج عينيها الأسود اللامع :
- إنكِ أول من طرق قلبى
لمح فى عينيها غلالة من دمع لم يعرف لها سببًا، واستأذنته أن تنصرف لأنها تشعر ببعض التعب .. عرض عليها أن يوصلها فرفضت وانصرفت وتركته حائرًا ، لايدرى لماذا يشعر أن بها شىء ما لا يفهمه .. شىء ما تغير لا يعرف كنهه .. ولما وصل منزله طلبها فى التليفون فلم ترد .. شعر بالقلق..
هل هى مريضة أم تراها نامت؟
لم يجد جوابًا شافيًا فوضع رأسه على الوسادة ونام ..ولم تأت ريم لموعده فى الصباح ، ولا بعد الظهر .. لم تأتِ باقى اليوم ..ولم تفلح محاولاته للاتصال بها، ومرت ثلاثة أيام بدأ معها يعود لملله القديم .. يبحث فى الشارع لعله يراها, فلما يأس من ظهورها عاد يبحث فى مجموعات الطلبة، ثم لمعت فى رأسه فكرة
لماذا لا يبحث فى الداخل ؟!
نعم داخل الجامعة نفسها ..إن حرس الجامعة يعرفه معرفة شخصية منذ أن كان طالبًا ولن يمانع دخوله .. وهكذا أغلق مكتبته ودخل.. تجول بين أروقة الجامعة يتصفح كل الوجوه بحثا عن ريم ..فلما مر اليوم دون أن يجدها بحث فى اليوم الثانى عن رغدة !!
إلا أنه لم يجدها كذلك ومن ثم عاد إلى مكتبته ..وانكب على الرواية التى يبدو أنه لن يكمل قراءتها أبدًا ..وفجأة .. سمع عزفًا موسيقيًا مرة أخرى :
- مساء الخير
رفع عينيه للوافدة الجديدة فتعجب وتحيَّر واندهش واعتراه الذهول عندما عانقت عيناه وجه سمراء لم ير أجمل منها منذ وعت عيناه على ضوء الشمس.. يبدو أنها من أهل الجنوب وكان حدسه صحيحًا..
سألها عن اسمها فأجابته :
- سمرة
اسم على مسمى.. كحيلة العينين ممتلئة قليلا ..لها خفة روح مميزة لأهل منطقتها، تنطلق ضحكتها فى وجهه حاملة معها عبق الجنوب ..عرف منها أنها طالبة بالفرقة الأولى بكلية التجارة .. ولقيها مثلما كان يلاقى ريم ورغدة.. زار معها نفس الأماكن ..سكب فى أذنيها نفس العبارات وسمع معها نفس الأغنيات.. ولكن لسمرة مذاق مختلف ..هكذا قال لنفسه يبدو أنه سيحبها حقا .. وفى كل يوم يعود إلى منزله سعيدًا على وعد بلقاء آخر فى الغد، وفى الغد لقاء سعيد فى كافتيريا كان يقابل فيها رغدة وريم.. وتسأله سمرة بحيرة وقلق :
- هل تحبنى حقا؟
فيجيب بشرود اعتاده :
- بل أعشقك
تتأمل كوب العصير وتسأله :
- هل عرفت أحدًا قبلى؟
فيقسم لها:
- إنك أول أنثى فى حياتى
وتلتمع عيناها بغلالة رقيقة من الدموع لا يدرى لها مصدرًا ..عجيب أمر هؤلاء الفتيات.. دائما نفس الأسئلة ودائمًا عندما يجيبهن يجد نفس الدموع ولايدرى لذلك سببًا .. أخرجت منديلًا مسحت وجهها ثم طلبت الانصراف لأنها متعبة .. عرض عليها أن يوصلها فرفضت.. وهكذا عاد لمنزله وطلبها على التليفون فلم ترد.. لعلها نامت؟
ولم يجد ما يفعله.. فنام ..
كان أول عمل له فى الصباح أن طلبها فى التليفون، فلما سمع صوتها الضاحك المرح ردت عليه روحه مرة أخرى.. سألها:
- أين كنت؟
فقالت له بضحكتها الطازجة دائمًا :
- كنت نائمة
عاد يسألها بلهفة من اعتاد عليها :
- سأقابلك اليوم بالتأكيد؟
ردت بعد قليل بنغمتها الضاحكة الممزوجة بدلال يعشقه :
- طبعا فى نفس المكان الساعة الخامسة عصرًا ..إياك أن تتأخر لأننى أعددت لك مفاجأة جميلة
فيجيبها بافتتان حقيقى :
- لاتوجد مفاجأة أجمل من لقائك ياسمرة
- " تسلم يا روحى"
ثم تعلو ضحكتها العذبة الواثقة التى خطفت قلبه قبل أن تغلق السماعة .. شعر بنفسه يحلق فى سماء الغرفة ثم يهبط على السرير .. يريد أن يخترق الأفق فيجذب حبال الوقت لتأتى الساعة الخامسة، أو يصل إلى ساعة الزمن فيديرعقرب الساعات للأمام فيقفز به ثمانى ساعات حتى يأتى موعدها ..ولكنه لم يستطع إلا أن يرتدى ملابسه بعناية ويتشاغل بالبيع فى مكتبته حتى جاء الموعد الحبيب ، أغلق مكتبته وذهب للمنزل فغير ملابسه وشرب شايًا ..كلما كان سعيدًا يشرب الشاى.. تعطَّر وصفف شعره بسعادة ونزل من البيت .. ركب تاكسي على سبيل الوجاهة.. وتوقف أمام النادى ودخل مختالًا ..نظر ذات اليمين وذات اليسار يبحث عنها ..عن سمرة..وفى التفاتته السريعة وجد المفاجأة ..بل ثلاث مفاجآت.. كانت الصديقات الثلاث سمرة وريم ورغدة على مائدة واحدة ينظرن إليه وتتعالى منهن الضحكات الساخرة! ..وقف مكانه لا يدرى أين يذهب بينما صدى ضحكاتهن يدوى كالرعد فى أذنيه حتى سمع عامل الكافيتريا يسأله :
-" تشرب حاجة يا أستاذ " ؟!
