الآخرون
لم تعد الحياة ممكنة فى هذا الكوكب الغريب.. كل شئ حولى أصبح مليئًا بالقيود والشعور الكريه بالسجن تخلل كل ساعات النهار ولا يوجد ما أفعله.. لا يوجد أى شئ ..كثيرًا ما كنت أسال نفسي:
" لماذا أعيش وما قيمة حياتى إن كانت بغير حرية ؟ "
الحرية هى الشيء الوحيد الذى يجعل لحياتى معنى .. يعطى ليومى أملًا جديدًا أستلهمه من غدى فأصبر على آلام اليوم رغبة فى تحقيق آمال الغد .. الحرية هى الدم الذى يجرى فى عروقى فيهبنى الحياة ..الحرية هى الحياة .. وكم حاولت أن أهرب ولكن بلا جدوى لأن أسوار حجرة العزل التي وضعونى فيها عالية صلبة لا تقبل الكسر، ولا أملك الأدوات لتحطيمها , مغلقة من الأعلى والأسفل بلا أية وسيلة لتجاوزها , صحيح أن بها فتحات ضيقة جدًا ولكنها لا تكفى لمرورى.. منذ أن اختطفونى صغيرًا ولم أكن أدرك شيئًا حينها إلا أنى أتذكر أننى كنت أعيش فى كوكب الأرض بسلام وفجأة رأيت المركبة الفضائية الضخمة يهبط منها مجموعة من الكائنات الفضائية بأسلحتهم العجيبة واختطفونى أنا ومجموعة أخرى من صغار السن.. وضعونا بمركبتهم ثم أدخلونا فى هذه المستعمرة الفضائية، ومن حين لآخر يأتى أحد المختطفين ليفحص أجسادنا ويغرز فيها آلة حادة فى يده أفاجئ بعدها بخدرغريب يسرى فى جسدى ولكن أعصابى تصبح أهدأ..ثم أنام .. أحيانا أخرى أجد مجموعة من الكائنات الفضائية الصغيرة تلقى إلينا ببعض الطعام من فتحات غرفة العزل, الغريب فى المختطفين يتحدثون بلغة غاية فى الإزعاج.. لغة لا أملك أمامها إلا الضحك لهذه الأصوات المزعجة الشاذة التى تخرج من أفواههم الرفيعة السخيفة.. أما شكلهم الخارجى فهو شبيه بأجسادنا بعض الشيء - وإن كانت أجسادنا أجمل بالطبع - إضافة إلى أن جباههم ضيقة صغيرة تنم عن الغباء ولديهم فوق رؤوسهم زوائد عجيبة ملونة لم أر شبيها لها من قبل… بخلاف تلك الأشياء الغريبة التى يضعونها على أجسامهم القبيحة يغطونها بها .. ماذا أقول لك عن هذه المخلوقات ؟! ..اليوم قررت أن أفعل شيئًا جديدًا.. شيئًا مختلفًا .. جاءت أحد المركبات تحمل عددًا من الكائنات صغيرة الحجم و تراصوا جميعًا خارج أسوار حجرة العزل التى أقف فيها ورمى أحدهم- كعادته - شيئًا من الطعام نحوى فما كان منى إلا أن أمسكت به وضربت به وجهه بكل قوة وأنا أشعر أن دماء الحرية تثور في أعماقى.. قررت التمرد و تأهبت للمعركة القادمة.. لابد أنهم سينتقمون منى لهذا التصرف، ولكن الغريب أنهم انفجروا ضاحكين وتعالت من أفواههم الضيقة تلك الأصوات المزعجة وهم يشيرون بأيديهم نحوى .. إنهم يتحدثون عنى ويدبرون أمرًا ما بشأنى .. فماذا يدبرون؟
اقترب منى أطولهم قامة وأخذ يعابثنى بأداة رفيعة فى يده ولكننى صرخت فى وجهه غضبًا.. قلت له
" ابتعد عنى أيها الأحمق فلست مادة للمشاهدة لن أكون فقرة لتسليتك ..إن ابن الأرض لن يكون وسيلة لعبث الآخرين "
كنت أتحدث بانفعال غاضب وأنا أشعر لأول مرة أننى انتصرت لكرامتى ولكن العجيب أنه يضحك.. أى سخافة؟! .. بعد مدة تركونى وذهبوا لمشاهدة حجرة أخرى وكم كنت سعيدًا أنهم رحلوا.. وأكثر سعادة أنى فعلت شيئًا جديدًا .. شيئًا مثيرًا ..رفضت معاملتهم لى بهذه الطريقة بل وقرت أيضا أن أزيد استفزازى لهم وهم راحلون نحو مركبتهم الفضائية العجيبة.. قمت بسبهم!! ..نعم سببتهم وصرخت بصوتى عاليًا لكى يسمعونى .. بالتأكيد عرفوا من لهجتى أنى غاضب وأنى أهاجمهم وأسبهم و سيغضبون ..أعلم أنهم سيغضبون ولا أبالى، ربما تهور أحدهم وقتلنى ولكن ذلك سيجعلنى أسعد .. سيجعلنى أتحرر من هذه الحياة البغيضة .. فليقتلونى لكى أتخلص من وجوههم الغبية ..لأحفر في تاريخهم علامة مضيئة أرسمها لأننى وبكل فخر .. أنتمى لكوكب الأرض
****
تجمع كل الأولاد فى صفوف منتظمة خلف مشرفى الرحلة وركبوا أتوبيسهم بعد أن أنهوا زيارتهم, وفى الأتوبيس كان أحد الأطفال ينظر من زجاج الأتوبيس في شغف لقرد يتراقص بجنون داخل القفص .. ومن خلفهم أخذت أسوار حديقة الحيوان تبتعد ...وتبتعد... وتبتعد
