ضد التيار
تأمَّلت رحاب ملامحها الجميلة وملابسها الأنيقة أمام المرآة قبل مغادرة المنزل استعدادًا لأهم حدثٍ فى حياتها .. الحدث الذى سيحدد مصيرها ومصير أمِّها ويضع كلمة الختام لصراعها المحموم ضد عمِّها, والذى جرَّ عليها حروبًا جانبيةً لاحصر لها مع باقى أفراد عائلتها وتقاليدهم المتوارثة..حتى مع أمها .. الجميع تكتَّلوا فى جبهاتٍ ضدَّها ولم تملك فى مواجهتهم إلا سلاح الإرادة والإيمان بالمبدإ..والتحدى .. منذ وفاة والدها (موظف الرى) وهى تعيش فى صراعٍ قضائيٍ امتد لثلاثِ سنواتٍ مع عمِّها بخصوص بيتهم، مجرد بيتٍ قديمٍ متهالكٍ يلملم شتاتها وأمها ويسترهما, يوارى سوءاتهما ويحفظهما من عيون الذئاب وأنياب شياطين البشر.. بيت شهد طفولتها وشبابها وأحلى ذكريات عمرها, وعلى الرغم من ذلك يريد عمُّها طردها وأمها منه لأنه تقليدٌ مغروسٌ فى بلادنا منذ قديم الزمان, إنَّ بيت المتوفَى من حق إخوته لأنَّهم لايورِّثون النساء!.. ولم يأبه لكونهما امرأتين ضعيفتين لا سند لهما وآثر أن يشبع أطماعه حتى لو أغرقهما فى لجج الضياع, وغضَّ الطرف عن أبسط قواعد الدين والرجولة والشهامة وصلة الرحم .. بل والإنسانية .. ولما رفضا الخروج من البيت رفع ضدهما دعوى طرد!.. ولأنها تعمل بالمحاماة قرَّرت خوض الحرب القانونية القذرة .. قذرة لأنها ضد أمسِّ الناس قُربى .. عمَّها .. وقذرة فى نظر الناس فلم تسلم من حراب ألسنتهم تعمق جراحها كلَّ يومٍ منذ قررت أن تتحداه.. لم تسلم من لومهم.. اتهموها بالعقوق ومخالفة تقاليدهم دون أن يحاول أحدهم توجيه ولو كلمةٍ واحدةٍ للعم الجائر .. واليوم موعد جِلسة الحكم النهائية فى القضية التى لو كسبتها ستمنعه من الاستيلاء على البيت ...ستمنعه من تشريدهما...
-أما زلتِ مُصرَّة على ما تفعليه؟
انتشلتها أمها من خواطرها الشاردة فتنهدت:
-أرجوكِ يا أمى ..هذه هى المرة الألف التى نتحدث فيها عن هذا الأمر.. أنا لن أتخلى عن مبدئى وما أُؤمن به وسوف.....
قاطعتها الأم بغضب:
-أى مبدإٍ وأى إيمان يجعلك تقفين أمام عمك فى ساحات المحاكم؟ .. يدفعك للعقوق ..لتأليب كلِّ العائلة ضدنا؟
ردَّت رحاب بحدة:
المبدأ الذى رسَّخه القدير منذ خلق الكون -
" الحقُّ أحقُّ أن يُتبع "
ما أفعله هو ما يقرُّه الشرع والقانون, أما ما فعله عمِّى فهو العقوق والظلم ..هومن يستحق غضب الله ولستُ أنا..
قالت الأم بلهجةٍ متخاذلة:
- يا بُنيتى ..إنَّ الناس يتحدثون ولم أعد أحتمل كلماتهم التى تطعننى, يقولون بعد وفاة والدكِ لم يعد لنا من يكبِح جماحنا.. ونحن لانملك إلا سمعتنا ..تراجعى عن تلك القضية هداكِ الله
قالت رحاب بثورة:
-ولماذا لم يستحِ هو من ظُلمه؟ لماذا لم يلُمه الناسُ بدلًا من مطالبتنا نحن - المجنىِّ عليهن- بالسكوت؟!
لن أتنازل عن حقى من أجل تقاليد باليةٍ لايقرُّها شرعٌ ولا قانون, من أجل مجتمعٍ منافقٍ يناصر الظالم ويهاجم المجنىِّ عليه.. لن.....
وعادت أمها تقاطعها وهى تطوِّقها بذراعيها بحنانٍ:
-إنَّها التقاليد يابنيتى.. لسنا من أقرَّها بل هذا ما وجدنا عليه الناس منذ مولدنا ..هكذا حياتنا.. وأنتِ لن تصلحى الكون...
أزاحت رحاب يد أمِّها برفق:
-آسفة يا أمى.. لن أستطيع
عادت الأم تزفُر بضيق:
-إذن فلن أصحبكِ لهذه الجِلسة المشئومة.. فأنا أرفض ما تفعليه ضد عمك ( الحاج)
هزَّت رحاب رأسها بسخريةٍ:
-الحاج!
ثم انسحبت للخارج وسط صيحات أمِّها وهى تنادى عليها...
ولكن بلا فائدة...
****
حكمت المحكمة برفض دعوى الطرد مع إلزام المُدَّعِى بمصاريف المحاماة..رُفعت الجِلسة
****
عادت رحاب تطير على أجنحة الفرح لبيتها فوجدت أمَّها جالسةً وقد التهم القلقُ أعصابها خوفًا وطمعًا, وحولها بعض الجارات يواسينها فى عقوق ابنتها!.. مثل البوم لا يجتمعنَ إلا فى خبيث القول أو انتظارًا لمصيبةٍ تهديهم أيامًا للاستمتاع بالحديث عنها.. فما إن أخبرتهم بما حدث وأنها كسبت القضية ولن يستطيع عمَّها أن يطردهما من البيت حتى تهللت أسارير أمها وفوجئت بالجارات يطلقنَ الزغاريد ابتهاجًا ويُشِدنَ بموقفها فى التصدى لعمها الظالم الذى لم يجد من يردُّه!
وانهالت عليها عبارات المديح
"فتاةٌ تعادل مئة رجل" .. "لم يمُت من أنجبَ مثلكِ" ..نفس الجارات اللائي اتهمنها بالعقوق تبدَّل موقفهنَّ للنقيض .. ما أعجب المجتمع وأشدَّ نفاقه! ..بل ما أغرب طبائع البشر التى لو ظلَّت عمرها كلَّه تدرسها لَمَا فهمتها...
سألتها إحدى العجائز بخبث:
-وكيف استطعتِ أن تقفى أمام عمكِ فى المحكمة ؟
أجابت بتواضع المنتصر وثقة صاحب الحق:
-كان لابد ألا نستسلم لتقاليد (فاسدة) حتى وإن دافع (البعض) عنها ثم غيَّر موقفه مؤخرًا..!
مطت العجوز شفتيها امتعاضًا ثم انصرفت ومعها الجميع, وأغلقت رحاب باب بيتها تاركةً أمَّها تحتضنها بنظرات الفخر, ودخلت غرفتها فاستلقت على السرير بإنهاك.. ولأول مرةٍ منذ تُوفِّى والدها...
نامت...
